الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 11، ألقاها
ناقش الشيخ أهمية كلمة التوحيد والعمل بمقتضاها، مشيرًا إلى خطأ في النسخ المتداولة من النص. ثم شرح أن العبادة تشمل أقوالًا وأعمالًا ظاهرة وباطنة.
شرح الشيخ أنواع العبادة التي تتضمن الاعتقادية واللفظية، وتناول تفاصيل كل نوع منها وأمثلتها.
تطرق الشيخ إلى أهمية النطق بالشهادة واعتقادها، موضحًا حكم من لم ينطق بها أو لم يعتقد معناها، وتناول حكم المنافقين ومعاملتهم.
ناقش الشيخ مصير الزنديق في الدنيا والآخرة، موضحًا كيفية معاملته وفقًا لما أظهر من زندقة أو لم يظهر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فأولًا، قبل أن ندخل في درسنا الجديد، ننبه على سقط وقع في هذه النسخة التي بين أيدينا، وهو قوله رحمه الله تعالى: «ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله تعالى، الذي تفيده كلمته التي إليها دعت جميع الرسل، وهو قول لا إله إلا الله». قال: «والمراد اعتقاد معناها لا مجرد قولها باللسان». السقط هو قوله: «والمراد اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها»، فسقط «والعمل بمقتضاها». والكلام بغير هذه الجملة ليس بمستقيم، إذ إن مجرد الاعتقاد دون العمل بمقتضى لا إله إلا الله لا ينفع، فلابد للا إله إلا الله من عمل بمقتضاها. ومن ذلكم أن لا يُصرف شيء من العبادة لغير الله جل وعلا، فهذا من العمل بمقتضاها. لذا قال الإمام العلامة سليمان بن عبد الله في تيسير عزيز الحميد: «أما النطق بها -أي بكلمة التوحيد- من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها، فإن ذلك غير نافع بالإجماع». فإذا لابد من علم بمعناها، واعتقاد لمعناها، وعمل بمقتضاها. هذا ما أحببنا التنبيه عليه أولًا، ثم ندخل في درسنا بإذن الله جل وعلا. قال الإمام الصنعاني رحمه الله: «فصل: إذا عرفت هذه الأصول -أي المتقدمة الذكر- فاعلم أن الله تعالى جعل العبادة له أنواعًا، أي أن عبادة العباد لرب العباد جل وعلا جعلها الله تبارك وتعالى أنواعًا يتعبد بها العبد ربه جل وعلا». وكما مر معنا فيما مضى أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فهو إذن أقوال ظاهرة، وأقوال باطنة، والقول الباطن الاعتقاد. وكذلك أعمال ظاهرة، وأعمال باطنة. والأعمال الباطنة يدخل فيها الإخلاص، والتوكل، والرهبة، والرغبة، والخوف، والرجاء، والمحبة، إلى غير ذلك من أعمال القلوب. والأعمال الظاهرة يدخل فيها كل عمل يعمله الإنسان بجوارحه، من صلاة، وحج، وجهاد، إلى غير ذلك من الأعمال التي يعملها العبد بجوارحه. لذا يقول الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا: «أن الله تعالى جعل العبادة له -أي التي بها يتقرب العباد إلى ربهم جل وعلا- جعلها الله جل وعلا أنواعًا». قال: «أنواعًا اعتقادية، وهي أساسها -أي أصلها- وذلك أن تعتقد أنه الرب الواحد الأحد، الذي خلق، والذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنه الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك مما يجب من لوازم الإلهية ومن مقتضيات الإلهية». هذا من الاعتقاد الذي إذا اعتقده العبد فإنه يكون متعبدًا لله جل وعلا بهذا الاعتقاد، وأنه موحد لله جل وعلا بهذا الاعتقاد. فلابد من اعتقاد اعتقاد القلب الجازم بأن الله جل وعلا هو الخالق، لا إله إلا هو سبحانه وتعالى، الرازق، المدبر، الذي بيده كل شيء سبحانه وتعالى، له الأسماء الحسنى وصفات العلى، وأنه المستحق للعبادة وحده سبحانه وتعالى لا شريك له. هذه كلها، وكذلك ما كان في معناها من المعاني كذلك من الاعتقاد الواجب الذي لا ينفع إنسانًا إيمان إلا به، لا بد من الإتيان به. قال رحمه الله تعالى: «ومنها لفظية -أي من العبادة ما هي لفظية- قال: وهي النطق بكلمة التوحيد، وهذا قول اللسان». كما مر معنا العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والقول قولان: قول القلب، وقول اللسان. وقول القلب كما مر معنا اعتقاده وما تقدم في كلام الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى بيان ذلك مختصرًا. وقول اللسان هو النطق بلا إله إلا الله، النطق بكلمة التوحيد الذي لا ينفع الذي لا ينتفع إنسان بتوحيد إن زعم أنه في قلبه ما لم ينطق بها بلا إله إلا الله مع القدرة على ذلك. فلا بد من التلفظ بلا إله إلا الله، فبها تعصم الدماء والأموال والأعراض، ويثبت له الأحكام الظاهرة من أحكام الإسلام. قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله». وفي بعض الأحاديث والروايات: «حتى يقولوا لا إله إلا الله». فلا بد للإنسان أن يقول لا إله إلا الله، أن يقول هذه الكلمة العظيمة. فمن لم يأت بلا إله إلا الله مع قدرته على التلفظ بها فإنه ليس بمؤمن، وإن اعتقد ما اعتقد من الحق إذا ما تلفظ بها فإنه ليس بمسلم ولا مؤمن، بل هو حلال الدم، ويكون كافرًا من الكافرين والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: «فمن اعتقد ما ذكر -أي في الاعتقادية- ولم ينطق بها لم يحقن دمه ولا ماله». لما تقدم في الأحاديث كما جاء في حديث أبي هريرة وابن عمر وعمر وأبي بكر وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا حتى يقولوا لا إله إلا الله». قال رحمه الله تعالى: «فمن اعتقد ما ذكر ولم ينطق بها لم يحقن دمه ولا ماله، وكان كإبليس -أي كإبليس في الكفر- لا كإبليس في نوع الكفر». كإبليس في ماذا؟ في الكفر، أي أنه كافر كما أن إبليس كافر والعياذ بالله. فالكل يشمله لفظ الكفر لأن الكاف لا تفيد المماثلة من كل وجه، وإنما تفيد مطلق المماثلة أو مطلق المشابهة. قال: «وكان كإبليس، فإنه يعتقد التوحيد -يعتقد التوحيد- بل ويقر به كما أسلفناه عنهم، إلا أنه لم يمتثل أمر الله بالسجود فكفر». ومن نطق بها؟ أي أن إبليس كفر كفر إباء واستكبار. إلا إبليس أبى واستكبر فكان من الكافرين. ومن لم ينطق بلا إله إلا الله كذلك كان من الكافرين، فيجمعهم أنهم ماتوا على الكفر والعياذ بالله. قال: «ومن نطق بها ولم يعتقد -أي نطق إنما تلفظ باللسان والقلب خالٍ من معناها واعتقادها- أي اعتقاد لا إله إلا الله ولم يعتقد حقن دمه وماله، وحسابه إلى الله». وحكمهم حكم المنافقين، حكم حكم المنافقين الذين عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم بظواهرهم ورد بواطنهم إلى الله جل وعلا. فمن قال لا إله إلا الله وأظهر للمسلمين أنه يصلي مع المصلين ويصوم مع الصائمين وهو في قلبه مكذب لما يفعله في الظاهر، لا يعتقد ما يفعله في الظاهر، لا أن الله يستحق العبادة ولا أنه وحده الخالق المالك المدبر إلى غير ذلك. هذا في الظاهر يعامل معاملة أهل الإسلام، وفي الباطن هو كافر زنديق منافق والعياذ بالله. والزنديق من أهل الدرك الأسفل من النار في الآخرة، وإن كان يعامل في الدنيا معاملة أهل الإسلام إلا أن يظهر ما في باطنه فإنه يعامل حينها بما أظهر. والله أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.