الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 23، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبيّن الشارح أن صاحب العقل الراشد يكفيه عقله في تدبير أموره حتى لو تخلى عنه الإخوان، لأن حسن التدبير يغنيه عن معونة الناس. كما يوضح أن الحكمة والتقى متلازمان كرضيعي لبن واحد، تجمعهما رابطة أخوة وثيقة لا تنفصم.
يوضح المقطع تلازم الحكمة والتقى كرضيعي لبان، وكذلك تلازم المال والطغيان في الغالب مستشهداً بآيات قرآنية توضح أن المال يجر إلى الطغيان إلا من وقاه الله. ويذكر مثال أبي بكر الصديق الذي أنفق ماله في سبيل الله، ثم ينتقل إلى موقف الكريم الذي يهجر وطنه إذا قَلاه أهله.
يبيّن المقطع وجوب الهجرة على المؤمن إذا ضُيق عليه في دينه، مستدلاً بآيات توبيخ الممتنعين ووعد الله للمهاجرين بالرزق والسعة والأجر العظيم. ويسرد أمثلة من سير الأنبياء والصالحين الذين هاجروا ففتح الله عليهم.
يحتوي المقطع على صيغة الدعاء والصلاة النبوية الجامعة، حيث يطلب المتحدث من الله الصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وتعد هذه الصيغة مستحبة في بداية المجالس والخطب والكتب.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال أبو حاتم البستي رحمه الله في منظومته: عنوان الحكم: حسب الفتى عقله، خلاً يعاشره إذا تحاماه إخوان وخلان. قال الشارح وفقه الله: قال "حسب الفتى أن يكفيه عقله"، إذا كان صاحب عقل راشد وفهم ثاقب، حسبه. والفتى يطلق على الشاب، ومراد الناظم في هذا الموضع الشخص على جهة العموم، سواء كان صغيراً أو كبيراً، وسواء كان ذكراً أو أنثى. فمقصوده أن المرْءَ حسبه عقله، حسبه عقله، أي إذا كان ذا رَجْدٍ وفهم وفطنة. قال: "عقله خلاً يعاشره إذا تحاماه إخوان وخلان". قال: إذا ابتعد عنه وتجنبه الإخوان والخلان، يكفيه العقل. والخلان يعني الأصحاب. قال: يكفيه العقل إذا كان صاحب عقل حصيف ورأي سديد. يعني إذا تخلى عنه الناس وابتعد عنه الأصحاب، فيكفيه عقله أن يعمله وأن ينتفع به، وكذلك أيضاً أن ينظر في الأمور بنظر متفاهم، فإنه بذلك إن شاء الله ينفع نفسه ولا يضره ترك الناس له ومعاشرة الناس له. قال: وذلك لأن صاحب العقل الصحيح حسن التدبير للأمور، وحسن المعالجة لها، وإتيانها من أبوابها، والتعامل مع الأشياء، بخلاف من لا عقل عنده. يعني الذي لا يحسن تدبير الأمور بعقله، فهذا يفسد أكثر مما يصلح، ويضر نفسه أكثر مما ينفعها. فإذا كان الإنسان ذا عقل رشيد، فإنه بهذا لا يضره ابتعاد الناس وترك الأصحاب له، إذا كان يحسن معالجة الأمور بنفسه، وكذلك يستطيع تدبير الأمور على أكمل وجهها بوحده. قال: فهو ينبه بهذا البيت على مكانة العقل السديد، وأنه يكفي صاحبه بإذن الله سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله: "هما رضيع لبان حكمة وتقى، وساكنَا وطنٍ مال وطغيان". قال الشارح فقه الله: الحكمة والتقى متلازمان، تلازماً رضيع لبان، أي تلازم من رضع من ثدي واحدة، تجمعهم الأخوة وتربطهم بالرابطة الوثيقة. يعني من رضع من ثدي واحد، هما أخوان، إما أن يكون ذلك من جهة النسب بأن تكون هذه الأم هي أم لكل الرضيعين، أو من جهة الرضاع لكونهما رضعا من ثدي واحد، فهما إخوة من الرضاع، فيحصل بينهما من الارتباط والتلازم ما ليس لغيرهما. وهكذا الحكمة والتقى، فهما كذلك متلازمتان، أن يكون الإنسان تقياً، وأن يكون عنده حكمة، بأن يعرف كيف يضع الأمور في مواضعها، وكذلك يحسن التصرف. قالوا: هذا يضرب به المثل في الأمرين المتلازمين، يقال عنهما: "رضيع لبان"، يعني كأنهما رضعا من ثدي واحد، أي أنهما متلازمان. قال: كذلك المال والطغيان، هما أيضاً رضيع لبان، أي متلازمان. قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾، فالمال يجر للطغيان، إلا من سلمه الله. يعني هذا على جهة الغالب والأكثر، الأكثر أن من آتاه الله سبحانه وتعالى مالاً، جره ذلك إلى الطغيان ومجاوزة الحد، بترك الواجبات وارتكاب المحرمات. قال: هذا الغالب في المال، أنه يجر صاحبه للطغيان، إلا من سلمه الله تبارك تعالى، وقاه بأن لم يطغه المال. ولهذا أثنى الله سبحانه وتعالى على هذا الصنف الذي آتاه الله سبحانه وتعالى مالاً فلم يضره ذلك بترك ما أوجب الله سبحانه وتعالى، بل استغل هذا المال بإنفاقه فيما يحب الله جل وعلا، كما قال عز وجل: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾. وهذه الآيات وإن نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، فهي تشمل كل من فعل مثله، رضي الله تعالى عنه، ممن أنفق ماله فيما يقربه إلى الله، وفي الأوجه التي يحبها الله سبحانه وتعالى، فله نصيب من هذه الآية. وهؤلاء قليل، الموفقون من أهل الغنى والمال، الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله وفيما يحبه الله، فهم قليل. قال: "وساكنَا وطنٍ مال وطغيان"، يعني الحكمة والتقى رضيع لبان، وساكنَا وطن، وأيضاً المال والطغيان رضيع لبان، وساكنَا وطن، بمعنى أن كل منهما ملازم للآخر لا ينفك عنه. وهذا كما علمنا على جهة الغالب، وعلى الجهة الأكثر. قال: ثم قال: "إذا نَبَا بِكَرِيمٍ موطنٌ، فلهُ وراءهُ في بسيطِ الأرضِ أوطانٌ". قال الشارح فقه الله: إذا نَبَا، أي كان في موطن ما فَقَلَاهُ أهله، يعني أبغضوه وعادوه وأبغضوه، أو ربما أيضاً طردوه، أو غير ذلك. يعني من إساءة أهل هذا البلد للإنسان، ربما بالتعيير والتوبيخ والتنقص، وربما بالإهانة، وقد يصل إلى الضرب والاعتداء، أو ربما بالطرد، أن يطرد من هذا البلد ويخرج منها، أو غير ذلك من أنواع الإهانة التي قد تحصل له. فيقول: إذا نَبَا بِكَرِيمٍ موطنٌ، فلهُ وراءهُ في بسيطِ الأرضِ أوطانٌ. يعني أن أرض الله واسعة، أرض الله واسعة، فيذهب إلى أرض أخرى، لعله يكون له في ذلك خير، له من سعة الرزق، وكذلك حسن السيرة. ولهذا الله عز وجل عاتب من بقي بين ظهراني المشركين، وترك الهجرة، وترك الهجرة في سبيل الله جل وعلا، بقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ إلى ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. ما هو عذركم؟ وأرض الله واسعة، ما الذي منعكم من الهجرة، أن تهاجروا وتتركوا هذا البلد الذي ضُيق عليكم فيه في دينكم، وفتنتم فيه بإسلامكم؟ أما كان لكم سعة أن تهاجروا في أرض الله الواسعة؟ فكانوا محل توبيخ، وكذلك مؤاخذة. والله عز وجل قد وعد من هاجر في سبيل الله أن يغنيه الله عز وجل، ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. الله عز وجل سيعوضه خيراً مما ترك، سواء كان من البلد، أو كذلك من مال، فسيخلف الله سبحانه وتعالى له خيراً. وكذا أيضاً يعظم الله عز وجل له الأجر. ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، فهو في خير. وكذلك إذا حصل هذا للإنسان، أم ضيق عليه في بلد من البلاد، فأرض الله واسع، يذهب يخرج، فله في بسيط الأرض أوطان. ومن قرأ في تراجم، بل في سير الأنبياء قبل ذلك، وهكذا من بعدهم من الصالحين وأهل العلم والفضل، كم من أمثال هؤلاء الذين قد ضيق عليهم في بلادهم وفي أوطانهم، فهاجروا وانتقلوا إلى بلدان أخرى، فجعل الله عز وجل لهم فيها سعة، وكذلك أيضاً أوسع الله عز وجل عليهم، سواء كان بما يتعلق بأمور الدنيا، أو كذلك أيضاً ما يتعلق بأمور الدين. فللإنسان سعة في أرض الله عز وجل الواسعة، إن ضيق عليه في بلد من البلاد. هذا معنى قولي: "إذا نَبَا بِكَرِيمٍ موطنٌ"، أي ضيق عليه في موطن من المواطن، وبلد من البلاد، فله وراءه في بسيط الأرض أوطان. طيب، نكتب بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.