الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 23، ألقاها
يناقش حكم من يتكلم بكلمة الكفر دون قصد معناها، حيث يُبين أن العبرة بالحقائق والمعاني وليس بالألفاظ فقط. يُوضح أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر حتى وإن لم يقصد معناها.
يتناول الفرق بين قصد الكفر وقصد اللفظ، موضحًا أن من قصد اللفظ الكفري يكفر، بينما من تلفظ به دون قصد أو بجهل لا يكفر إذا رجع عن قوله عند تبين الحق.
يناقش حكم الأشخاص الذين ينطقون بكلمة التوحيد ويقومون بشرائع الإسلام ولكنهم يرتكبون الشرك، ويفرق بين اعتبار كفرهم كفرًا أصليًا أو كفر ردة.
يشير إلى خاتمة الدرس، حيث يُظهر تقوى وخشوع المتحدث وتأكيده على التوبة والاستغفار، ويتضمن تسبيح الله والاستغفار والتوبة إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه «تطهير الاعتقاد»، قال بعد أن ذكر ما ذكر من أن من أشرك بالله جل وعلا -من عبد غير الله، أو اعتقد في غير الله، أو تقرب إلى غير الله جل وعلا بأنواع من العبادات- بأنه مشرك بالله جل وعلا؛ لأنه فعل عين ما فعله المشركون الأول، وإن زعم أنه ليس بمشرك، إذ العبرة بالحقائق والمعاني، وليس العبرة بمجرد الألفاظ والأسماء التي يخالفها الواقع والحقيقة. ثم قال رحمه الله تعالى: إن قلت: هم جاهلون بأنهم مشركون بما يفعلونه -أي إن قال قائل واستشكل مستشكل، فقال: بأن أولئك الذين فعلوا ما فعلوا من الشرك بالله جل وعلا، أنهم جاهلون بأنهم مشركون بما يفعلونه- قلت: أصرح الفقه في كتب الفقه في باب الردة: أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها. وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، ولا ما هي التوحيد، فصاروا حينئذ كفرًا أصليًا. فإن الله تعالى قد فرض على عباده إفراده بالعبادة، فقال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، وإخلاصها، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. ومن نادى الله ليلًا أو نهارًا، أو سرًا أو جهارًا، أو خوفًا أو طمعًا، ثم نادى معه غيره، فقد أشرك في العبادة؛ فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، أي بعد قوله جل وعلا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ﴿قَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، فسمى الله تبارك وتعالى الدعاء عبادة، فدل على أن من دعا غير الله جل وعلا، فإنه عبد غير الله جل وعلا. في هذه الفقرة التي قُرِئت من كلام الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى مسائل مهمة تحتاج إلى مزيد بيان وتوضيح، وهما مسألتان إجمالًا. الأولى في قوله رحمه الله تعالى: «قد صرَّح الفقه في كتب الفقه في باب الردة: أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها». ما معنى هذا الكلام؟ أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها، معنى هذا الكلام: لم يقصد الكفر بالله، ولكن قصد تلك الكلمة، وعلم معناها، وعنى اللفظة الصادر منه، وإن لم يقصد الكفر بالله، كالذين تكلموا بكلمة الكفر مازحين ومستهزئين. فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وقد أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم في تفسيرهما عن ابن عمار -وجاء عن غيره عن عوف بن مالك رضي الله عنهم جميعًا- أن هؤلاء لما نزلت هذه الآية، أو أن هؤلاء قالوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة تبوك: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب... أو قال: أكذب ألسنة»، قالوا: «أكذب ألسنة وأرغب بطون وأجبن عند اللقاء» كلمات قالوها ونطقوها بألسنتهم، وعنوها فيها معنى الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومن معه من الصحابة، وإن لم يقصدوا الكفر بالله. إذن نفرق بين قصد الكفر وبين قصد اللفظ. هؤلاء قصدوا اللفظ الذي تلفظوا به: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أكذب ألسنة وأرغب بطون وأجبن عند اللقاء»، عنوا هذه الألفاظ وقصدوها ونطقوها بألسنتهم، أو نطقت بها ألسنتهم، وإن لم يريدوا الكفر. فكان ذلك كفرًا منهم وإن لم يقصدوه. فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. مع أنهم قالوا: كما جاء في حديث ابن عمر: أن قائلهم كان متعلقًا في براحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: «يا رسول الله، والله والله ما أردنا ذلك، ما أردنا إلا أن نذهب عناء الطريق»، ما أردنا الكفر، ما أردنا إلا أن نذهب عناء الطريق. فقال الراوي: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد على أن يقول له: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فعلم من ذلك أن قول الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى ونقله عن الفقهاء في كتب الفقه: أنهم ذكروا في باب الردة: «أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها»، أي وإن لم يقصد الكفر، وإن لم يقصد الكفر، لا أنه لم يقصد اللفظ. واضح يا إخوة أم لا؟ نفرق بين هذا وهذا. فمن قصد اللفظ وعنى، وكان ذلك اللفظ كفرًا، فإنه يكفر كما هو نص هذه الآية. بل جاء في الصحيحين كذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وذكر الحديث- وفيه: «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يتبين فيها، فتهوي به سبعين خريفًا في النار». وفي رواية: «أبعد ما بين المشرق والمغرب في النار»، ما يتبين فيها، يقصدها، لكن لم يتفطن أن كلمة واحدة قد تؤدي به إلى هذا الأمر. وأما من تكلم بكلمة الكفر وهو لم يعلم معناها، كالذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط»، فبين لهم فرجعوا. فإن هؤلاء لا يكفرون؛ لأنهم قالوا ما قالوا عن جهل، فلما بُيِّن لهم رجعوا عن قولهم. وكذلك من صدر منه قول الكفر أو فعل الكفر دون أن يقصد ذلك القول ولا ذلك الفعل، فإنه لا يكفر؛ كما جاء في الصحيحين من حديث أنس، وجاء بنحوه من حديث ابن مسعود في قصة ذلك الرجل الذي أضاع راحلته وعليها زاده وطعامه، فلما وجدها عند رأسه أخذ بخطامها وقال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، أخطأ من شدة الفرح. هذه العبارة وهذا اللفظ حكمه كفر: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، ولكن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخطأ من شدة الفرح»، فدل على أن من أخطأ، قال كلمة الكفر غير قاصد لها، بمعنى: تلفظ بها، ولكن وقع منه سبق لسان، لم يقصد اللفظ، فإنه لا يكفر. كذلك لو أن إنسان تكلم بكلمة الكفر لكن مكرها، وقلبه مطمئن بالإيمان، فإنه كذلك لا يكفر؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. فعلم من ذلك أن قول الشيخ رحمه الله تعالى: «وإن لم يقصد معناها»، معناه: لم يقصد معنى الكفر، أي لم يقصد الكفر، لا أنه لم يقصد اللفظ، ولم يعنِ اللفظ. فنفرق بين قصده للفظ وهو غير قاصد للكفر، وبين من لم يقصد اللفظ، فإنه لو قال كلمة الكفر، فإنه لا يكون كافرًا بذلك. واضح هذا يا إخوة أم لا؟ واضح يا إخوة هذا الكلام أم لا؟ نفرق بين الأمرين لابد من تفريق. وقوله رحمه الله تعالى: «وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارًا كفرًا أصليًا». وهذه المسألة الثانية هنا في هذا الكتاب، وهي: هل هؤلاء القبورية الذين نشأوا على الشرك بالله جل وعلا، وهم ينطقون بألسنتهم «لا إله إلا الله»، ويرتزمون بشرائع الإسلام، هل كفر هؤلاء كفرًا أصليًا أم أن كفرهم كفر ردة؟ المسألة كما يذكرها بعض الأئمة المحققين: أن باعتبار كلام العلماء المتقدمين ليس في المسألة خلاف من أن ذلك إنما هو كفر ردة، لا كفر أصلي. يعني ما الفرق بين هذا وهذا؟ ما الفرق بين أن نقول: بأن هؤلاء كفرهم كفرًا أصليًا، وبين أن نقول: بأن كفرهم كفر ردة؟ الفرق بينهما: أن القول بأن كفرهم كفرًا أصليًا معناه: أنهم لم يدخلوا في الإسلام أصلا، ولا يعتبر منهم ما التزموه من شرائع الإسلام، ولا قولهم من «لا إله إلا الله»، وأن محمدًا الرسول الله، وإقام الصلاة إلى غير ذلك من الأعمال الظاهرة التي هي من شعائر هذا الدين. وعلى القول الثاني: أن كفرهم كفر ردة، يكون قولهم معتبر باعتبار الظاهر، باعتبار الظاهر: أنهما داما أنهم قالوا: «لا إله إلا الله»، «أشهد أن لا إله إلا الله»، وأن محمدًا الرسول الله، وأنهم يصلون مع المصلين، ويصومون مع الصائمين، ويحجون مع الحاجين إلى غير ذلك. فإن هؤلاء من حيث الحكم الظاهر لهم حكم الإسلام، ولكن طرأ ووقع منهم ما ينقضه، وهو الشرك بالله جل وعلا، فيكونون باعتبار ذلك حالهم حال أهل الردة، حال أهل الردة، فهم مرتدون. هذا كما سمعتم، هذه المسألة باعتبار متقدمين، حكى غير واحد من العلماء المحققين: أنه لا خلاف بأن كفر هؤلاء كفر ردة. وحكى المتأخرون خلافًا في المسألة، وأن في المسألة قولان، وأن في المسألة قولين: الأول: أن كفر هؤلاء كفر ردة، وهو الذي عليه الأكثر. والآخر: أن كفرهم كفرًا أصليًا، وهو الذي عليه العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى، وذهب إليه كذلك جماعة، أو بعض علماء نجد ذهب إليه. والأقرب -والله أعلى وأعلم- أن يقال: بأن هؤلاء ما دام أن هؤلاء التزموا الشريعة الإسلام، وهم محسوبون من حيث الظاهر على الإسلام، وفعلوا ما ينقض الإسلام من الشرك بالله جل وعلا، فإن أحكامهم تكون من أحكام أهل الردة، فهم مرتدون وليسوا بكفار أصليين. هذا هو الأقرب، والله تعالى أعلى وأعلم. ولعل الله تبارك وتعالى يعيننا على أن نذكر مزيدًا على ذلك في درس لاحق. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.