شرح الجوهرة الفريدة 78

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 78، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

عثمان بن عفان الخليفة الراشد الثالث ونبذة عن حياته

عثمان بن عفان هو الخليفة الراشد الثالث، كان من السابقين الأولين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة. خلافته كانت اثنتي عشرة سنة واستشهد في ذي الحجة سنة 35 هـ.

فضائل عثمان بن عفان ومواقفه المميزة

كان عثمان بن عفان ممن شهد له النبي بيعة الرضوان، وجمع المصحف وسد فتنة عظيمة كادت أن تحصل بين الصحابة بسبب اختلافهم في قراءة القرآن. حياؤه كان ملحوظاً حتى أن الملائكة تستحي منه.

مقارنة بين فضائل عثمان وعلي رضي الله عنهما

يتميز كل من عثمان وعلي بن أبي طالب بفضائل متعددة، حيث يشير إلى حياء عثمان وشهادة النبي له بالحق، كما يعدد بعض فضائل علي ومكانته في الإسلام.

فضل أهل البيت ودلالاته من السنة النبوية

أشار النبي إلى فضل أهل بيته في حديث غدير خم وتلى آية التطهير عندما جمع أهل بيته تحت الكساء، مما يدل على رغبة الله في تطهير أهل البيت.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال مؤلف -رحمه الله تعالى- الشيخ العلامة حافظ الحكم -رحمه الله تعالى- في منظومته الجوهرة الفريدة: كذاك عثمان ذو نورين ثالثهم، بظلمه باء أهل البغي إذ قصدوا. أي أن عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- هو الخليفة بعد عمر بن الخطاب، هو عثمان بن عفان ابن أبي العاص ابن أمية ابن عبد شمس، الخليفة الراشد ذو النورين؛ لأنه تزوج ببنتي رسول الله -عليه الصلاة والسلام- رقية وأم كلثوم، فقيل له ذو النورين. وكانت خلافته -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يومًا، واستشهد في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة، قد ناهزت ثمانين -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، قتل شهيدًا، قتله الخوارج عليه من الله ما يستحقون. وكانت خلافة عثمان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- باختيار أهل الشورى له، فإن عمر -رضي الله تعالى عنه- قد جعل الأمر إلى ستة، وهم الستة البقية من العشرة المبشرين بالجنة، فآل الأمر إلى عبد الرحمن بن عوف، فبايع عثمان على الخلافة، فبايعه الناس، فثبتت خلافة عثمان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- باختيار أهل الشورى، وقد أجمعوا على خلافته -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. وفضائله كثيرة، من فضائله -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أنه أحد السابقين الأولين إلى هذا الدين، وهكذا من أوائل المهاجرين، فقد هاجر الهجرتين: الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة، بل هاجر مع أهله -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، وهذه سنة كان من أنبياء الله من هاجر بأهله، وعثمان من هذه الأمة من هاجر بأهله في سبيل الله جل وعلا، وابتغاء مرضاة الله جل وعلا. قد جاءت الفضائل لأهل الهجرتين، فكان يفخر من هاجر الهجرتين على غيره ممن لم يهاجر الهجرتين وإنما هاجر هجرة إلى المدينة؛ وذلك للفضل الزائد لأهل الهجرتين على غيرهم. وعثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- كما هو معلوم أحد العشرة المبشرين بالجنة، فقد بشره النبي -عليه الصلاة والسلام- في أحاديث بالجنة. من أحاديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين، حين دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- حائطًا، فاستأذن أبو بكر وكان على ذلك الحائط أبو موسى الأشعري حارسًا، فاستأذن أبو بكر، فأذن له النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقال له: «إذن له وبشره بالجنة»، ثم جاء عمر فاستأذن، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إذن له وبشره بالجنة»، ثم استأذن عثمان، فقال: «إذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه»، والمراد بهذه البلوى الفتنة التي سيتعرض لها عثمان وتعرض لها -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. فلما بشر أبو موسى عثمان بذلك، قال عثمان: «اللهم صبرًا»، وفي لفظ قال: «الله المستعان»، فهذه شهادة من النبي -عليه الصلاة والسلام- أولًا بأنه من المبشرين بالجنة، وثانيًا على الشهادة وأنه يموت شهيدًا. بل جاء ذلك صريحًا كما في مسلم عن أبي هريرة وغيره، حين كان النبي -عليه الصلاة والسلام- على جبل أحد وقد رجف بهم، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أثبت أحد؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»، كان معه -عليه الصلاة والسلام- أبو بكر وعمر وعثمان، فالصديق أبو بكر والشهيدان عمر وعثمان، فهذه شهادة من نبي -عليه الصلاة والسلام- لعثمان بأنه يموت شهيدًا -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، وقد نال ذلك -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. وهكذا من فضائل عثمان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حين بايع بيعة الرضوان كان قد بعث عثمان إلى أهل مكة، وذلك لشرف عثمان عند أهل مكة، يعلمون شرف عثمان، فبعث عثمان إلى أهل مكة وحصلت بيعة الرضوان، فبايع الصحابة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بيعة الرضوان. فلما انتهى النبي -عليه الصلاة والسلام- من البيعة أخذ يده اليمنى باليسرى وقال: «هذه لعثمان، هذه لعثمان»، فشهد لعثمان بهذه البيعة نيابة عنه، حتى قال ابن عمر: «كانت يسرى رسول الله -عليه الصلاة والسلام- لعثمان أفضل من أيماننا»، يعني كانت أفضل من بيعتنا، ولو كانت بأيماننا؛ لأنها من الرسول -عليه الصلاة والسلام-. وذلك لما جاء أحد أهل مصر يريد أن يطعن في عثمان كما جاء في البخاري عن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- حين جاء إلى البيت الحرام فوجد عبد الله بن عمر وجماعة، فقال هذا الرجل المصري: «من هؤلاء؟»، قال: «قريش»، قال: «من الشيخ فيهم؟»، قال له عبد الله بن عمر: «ابن عمر»، قال: «فإني سائلك يا ابن عمر، ألم تعلم أن عثمان قد فر يوم أحد؟»، قال: «نعم»، قال: «ألم تعلم أن عثمان لم يشهد بدرًا؟»، قال: «نعم»، قال: «كذلك شيئًا آخر: أن عثمان لم يشهد بيعة الرضوان»، ثم أراد أن يذهب هذا الرجل، قال له ابن عمر: «تعال»، أما عدم شهوده لأحد فإن الله جل وعلا عفى عنه، فالله سبحانه وتعالى قد قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. وأما عدم شهوده لبدر فكان يمرض ابنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- رقية، وقد ضرب له النبي -عليه الصلاة والسلام- بسهم كما ضرب لأهل بدر، ضرب لأهل بدر عثمان ولم يشهد بدرًا؛ لأنه كان يمرض رقية بأمر رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، فضرب له النبي -عليه الصلاة والسلام- بسهم كما قسم لأهل بدر. قالوا: «أما سؤالك عن أنه لم يبايع بيعة الرضوان فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- قد بعثه لأهل مكة، ولو كان هناك أشرف من عثمان لبعثه، لو كان هناك في القوم من أشرف من عثمان يبعثه النبي -عليه الصلاة والسلام- لأهل مكة حتى يتشاور معهم، لكن بعث عثمان لشرفه عند أهل مكة؛ فيقبلون منه ويتشاور معهم»، وذكر له بيعة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- لعثمان بيده اليسرى، ثم قال: «خذ هذا معك»، خذ هذه الأجوبة معك، فإذا حدثت فلا تحدث بهذا، تقول: «عثمان لم يشهد بدرًا، عثمان لم يشهد أحدًا، عثمان لم يشهد بيعة الرضوان»، لكن إذا قلت: «عثمان لم يشهد بدرًا» فاذكر جواب عدم شهوده بدرًا، وإذا ذكرت أنه لم يشهد أحدًا فاذكر سبب عدم شهوده، وإذا ذكرت أنه لم يشهد بيعة الرضوان فاذكر سبب عدم شهوده. وبعد ذلك سأله عن علي وأثنى على علي خيرًا، حتى قال ابن عمر: «لعله يسوءه»، قال: «نعم»، قال: «فأجهد عليك جهدك، فأجهد عليك جهدك لا أبالي»، فالشاهد أن عثمان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- ممن شهد له النبي -عليه السلام- أو بايع عنه -عليه الصلاة والسلام- بيعة الرضوان. ومن فضائل عثمان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أنه جمع المصحف، جمع المصحف وسد فتنة عظيمة كادت أن تحصل، فحين صار الناس يختلفون، صار الصحابة يختلفون فيما بينهم في قراءة القرآن لكثرة المصاحف واللهجات، حتى جاء حذيفة -رضي الله تعالى عنه- إلى عثمان بن عفان، فقالوا: «يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كما اختلفت اليهود والنصارى»، فاستشار عثمان الصحابة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- أن يجمع المصحف وأن يجعله مصحفًا واحدًا، فحرق عثمان -رضي الله تعالى عنه- المصاحف الأخرى وجعل مصحفًا واحدًا، ونسخ منه نسخًا وجعله على لهجة يتفقون عليها إذا اختلفوا، وهي لهجة قريش، ثم بعث بهذا المصحف إلى الأمصار، ولذلك سمي بالمصحف العثماني، وهذه سنة عظيمة سنها الخليفة الراشد عثمان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. ومن فضائله أنه -رضي الله تعالى عنه- كان حييًا، كان حييًا حتى أن الملائكة تستحي منه -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، فقد جاء في الصحيح حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان متكئًا وعليه مرط عائشة، فاستأذن أبو بكر فدخل على رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وبلغ النبي -عليه الصلاة والسلام- حاجته ثم انصرف، ثم دخل عمر وبلغ النبي -عليه الصلاة والسلام- حاجته ثم انصرف، والنبي -عليه الصلاة والسلام- على ذلك الحال متكئًا، ثم دخل عثمان فجلس رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وقال لعائشة: «اجمعي عليك ثيابك»، فبلغ عثمان حاجته إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- ثم انصرف. فقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها- للنبي -عليه الصلاة والسلام-: «يا رسول الله، لم أرك فزعت لأبي بكر ولا لعمر، ولكن لما دخل عثمان فزعت له»، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة»، وفي لفظ قال -عليه الصلاة والسلام-: «إن عثمان رجل حيي، خشيت إن دخل علي وأنا على هذا الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته»، يعني يستحي فلا يقول ما يريد أن يقول لي. فالشاهد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر حياء عثمان، فكان حييًا. وهكذا شهد له النبي -عليه الصلاة والسلام- بأنه على الحق، فقد جاء في المسند وعند أبي داود والترمذي وغيرهم من حديث عبد الله بن حوالة -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- قال: «كُنا عند رسول الله -عليه الصلاة والسلام- ذات يوم، فمر رجل وكان مقفيًا، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: اتبعوا هذا، اتبعوا هذا»، قال: «فقمت فأخذت بيد هذا الرجل ووجهته إلى جهة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، فقلت: هذا»، قال: «نعم»، قال: «فإذا هو عثمان، فإذا هو عثمان بن عفان -قضى الله تعالى عنه ورضاه-»، فشهادة منه -عليه الصلاة والسلام- على أنه على الحق، ولم يغير ولم يبدل كما قالت الخوارج حين خرجوا عليه، قالوا: «غير وبدل»، وهذه الشهادة العظيمة من رسول الله -عليه الصلاة والسلام- له جعلوها وراء ظهورهم، والله المستعان. وهكذا من فضائل عثمان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أنه خير هذه الأمة بعد أبي بكر وعمر، فقد جاء في البخاري من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: «كنا نخير بين أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، فنقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك الناس»، يخيرون بين أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام-، يعني كانوا في عهد رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يقولون: أفضل هذه الأمة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم يتركون الناس يخيرون بعد ذلك بين أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. ولذلك علي بن أبي طالب حين سأله ولده ابن الحنفية، فقال: «من أفضل هذه الأمة؟»، قال: «أبو بكر»، قال: «ثم من؟»، قال: «عمر»، قال: «فخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟»، قال: «ما أنا إلا رجل من المسلمين»، ففضائل عثمان -رضي الله تعالى عنه- كثيرة في السنن وفي الصحيحين، ذكرها البخاري ومسلم وعند أهل السنن ومشهورة، فضائله -رضي الله تعالى عنه- قتل شهيدًا -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. ثم قال -رحمه الله تعالى-: بعد ذلك كذا علي أبو السبطين رابعهم، بالحق معطيض للكفر مضطهد. أي أن الخلافة بعد عثمان لعلي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، وهو علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب ابن هاشم القرشي، ابن عم رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وزوج ابنته فاطمة، وأبو السبطين الحسن والحسين ريحانتي رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. وكانت خلافته -رضي الله تعالى عنه- أربع سنين وتسعة أشهر، قتل شهيدًا سنة أربعين للهجرة. وفضائله كثيرة، فهو من أوائل الناس دخولًا في الإسلام، فأول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق، وأول من أسلم من الغلمان والصبيان علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، فكان من السابقين إلى الإسلام، وهو أحد العشرة المبشرين الذين بشرهم النبي -عليه الصلاة والسلام- بالجنة. وهو من آل البيت، من آل بيت رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وقد جاءت فضائل خاصة في آل البيت، وعلي بن أبي طالب هو في مقدمة آل البيت الذين حازوا هذه الفضائل. وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في مسلم من حديث زيد بن أرقم يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي»، وهكذا جاء في الصحيح أنه خرج -عليه الصلاة والسلام- وعليه كساء، فأدخل الحسن ثم أدخل الحسين تحت هذا الكساء، ثم أدخل فاطمة تحت هذا الكساء، ثم أدخل عليًا تحت هذا الكساء، ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. وبقية الفضائل نذكرها -إن شاء الله- في درسنا اللاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.