شرح مسائل الجاهلية  100

شرح مسائل الجاهلية 100

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 100، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم أخذ الرجل بجريمة غيره

يناقش تحريم أخذ شخص بذنب غيره كعادة جاهلية مستدلاً بقول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. يبين أمثلة على هذه العادة السيئة في الجاهلية وما زالت حتى الآن.

مسائل فقهية ظاهرها مخالفة لقاعدة عدم تحميل وزر الغير

يتناول بعض الأحكام الشرعية التي قد تبدو مخالفة لقاعدة "ولا تزر وازرة وزر أخرى". يقدم تفسيرات ووضوحات لهذه المسائل مثل تحمل العاقلة الدية وتحمل الداعي إلى الضلالة أوزار من اتبعه.

تفسير حديث 'لا يدخل الجنة ولد زنا' وخاتمة الدروس

يناقش تفسير حديث 'لا يدخل الجنة ولد زنا' ويقدم تفسيرين محتملين له. يتضمن أيضاً دعاءً بأن ينفع الله السامعين ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابع والتسعون أن من دينهم أخذ الرجل بجريمة غيره، فأنزل الله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. هذه إخواني في الله من مسائل الجاهلية التي درج عليها في زمنهم، وللأسف ولا زال العمل بها حتى في هذه الأزمان المتأخرة. وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى أن من دين أهل الجاهلية ومن عادتهم التي اعتاد عليها أن الرجل يؤخذ بجريمة غيره. قال: أن من دينهم أخذ الرجل، والأخذ هنا بمعنى المجازاة والعقوبة، بمعنى المجازاة والعقوبة. وقوله رحمه الله تعالى: بجريمة غيره، الجريمة وهو مرتكب جرمًا، وكل ما ارتكب جرمًا. وهذه الطبيعة إخواني في الله، وهذه العادة المشينة التي كان عليها أهل الجاهلية أنهم إذا أرادوا أن يعاقبوا شخصًا ما، مثلًا في جريمة قتل، كانوا يلقون عتبات الأمور وعواقب الأمور على غير القاتل، على غير القاتل، أو لو ربما كانت في القاتل مع غيره. مثاله كان أهل الجاهلية مثلًا لو أن رجلًا اعتدى فقتل شخصًا ما، فماذا يفعلون؟ فكانوا يذهبون إلى تلك القبيلة التي فيها القاتل فيقتلون القاتل مع قبيلته، مع عشيرته، فيسفكون فيهم الدم، يسفكون فيهم الدم، كل ذلك من باب الانتقام والثأر. لكن هذا اعتداء القاتل هو شخص واحد، فعلى ما تقتل القبيلة؟ تقتل العشيرة؟ تذهب أنفس كثيرة هم بريئة، أبرياء من هذه الجناية، ليس لهم دخل، ليس لهم مصلحة في القاتل، وإنما ذاك الذي سفك نفسه هو الذي أقدم على الجريمة. فكان من فعل أهل الجاهلية لربما يأخذون بثأر الواحد مقابل عشرة أو عشيرة كاملة، فكان ذلك من فعلهم ومن عاداتهم التي جاء الإسلام بمنعها: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وإنما الاعتداء يعتدى على من اعتدى عليكم. وأيضًا من صور الاعتداء والأخذ بجريمة الغير ما كان عليه أهل الجاهلية، وهذا أيضًا معمول به، لو أن قاتلًا قتل رجلًا من قبيلة معينة أو من منطقة أو قرية، فإذا بالقاتل بعد معرفة كنهه وشخصيته، إذ بهذا القاتل قالوا في قياسهم الاجتماعي: هذا وضيع أو مهين، هذا لا شيء، هذا صعلوك الذي قام بالقتل، والذي قتل هذا شريف، ما يمكن أن نجعل دم الشريف يكون بدم هذا الوضيع، إذن ما هي الحيلة؟ قالوا: لا نبحث عن اللحم مع اللحم، عن وزن، لابد أن يكون الذي يقتل بهذا المقتول كذلك بنفس المرتبة والشرف. فماذا يفعلون؟ فيتركون الجاني، يتركون القاتل، انصرف، كيف سنبحث عن من هو أخس منك؟ فيأتون إلى رأس القبيلة، وما علاقة رأس القبيلة بهذا الدم؟ لا علاقة له، بريء، ما له علاقة بهذا. لكن الجاهلية يقولون: هذا الدم الذي أسفك من صاحبنا له وزنه، له قيمته، وهذا الدم الذي للقاتل لا شيء، نتركه، لكن نأتي له بأقل وأعظم منه، فيأخذون ماذا؟ برأس القبيلة أو برجل كذلك لهم منزلة مرموقة في مجتمعه وفي قبيلته، فيذهبون بهذا مقابل ذاك، مع أن هذا بريء، مع أن هذا بريء. وهذا إخواني في الله، أقوله: للأسف لا زالت في بعض العوائد عند بعض أهل القرى والنواحي أنهم يفعلون ذلك، موجود عندكم في غيرها من القرى، بل من المضحك المبكي، من المضحك المبكي، وهذا مما اشتهر في بعض القرى، هذه وقعت في بلادنا، لا نبعد عنها. ما وقع أن كان هناك ثأر بين قبيلة وقبيلة، فأرادت القبيلة الأخرى أن تضع في القبيلة الثانية الإهانة والضغن، فماذا فعلت؟ فأقدمت على قتل مدرس في مدرستها، مدرس وليس من أهل البلد، جاء من بلاد أخرى اتفاقية مع الدولة، فدخل في هذه القرية يدرس أبناء المسلمين في العلوم العلمية والتكنولوجيا، وما له علاقة بحرب هؤلاء مع هؤلاء. لكن هؤلاء أرادوا ماذا؟ أن يذلوا هؤلاء، فقاموا وقتلوا ذاك المدرس، وزهق نفسه، براءة. هل انتهى أن نقول المسلسل إلى هذا الحجم الإجرامي؟ أنهم أدخلوا البراءة، لا أرادوا هؤلاء أن ينتقموا، فماذا فعلوا؟ فما بحثوا عن الجاني القاتل، لا، قالوا: إذن مدرس بمدرس، فذهبوا إلى المدرسة الفلانية وقتلوا مدرسًا آخر، وهذا كذلك مبتلى، لا علاقة له، لا بالقريب ولا بالبعيد، وإنما أخذ هذا وزهق نفسه مقابل ذاك، وهذا بريء، وذاك بريء. وأصبح أهل التدريس عليهم الويلات، يتحملون التبعات، وهم ليسوا فيها، لا في ناقة ولا في بعير. هذا إخواني في الله مسائل جاهلية، أخلاق جاهلية، صفات جاهلية مذمومة، لا تجوز أبدًا أن يقدم شخص من الأشخاص على أن يعاقب من لا جريمة له ولا جريرة له، ما يجوز هذا يا عبد الله. إنما تعاقب من كانت له له عقوبة، له ذنب، له أصل هذا الذي يعاقب عليه. ولهذا قال مؤلف رحمه الله تعالى: أن من دينهم أخذوا الرجل بجريمة غيره، فأنزل الله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. وربنا جل وعلا قد أنزل في محكم التنزيل الآيات الكثيرة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، كل شيء بنفسه، من غير الزيادة، من غير إطالة، لا يتكون النفس بعشرة، ولا أن يكون النفس بقبيلة، ولا أن النفس بغير نفس، هذا كله لا يجوز. فهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بذلك. بقي هنا إخواني في الله مسائل ننبه عليها، وهذه مسائل قد تشكل على بعض الناس، وهي قد يرونها تخالف هذه الآية، هذه الآية التي بين أيدينا: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، أن الذي لا وزر له لا يعاقب، وإنما الوزر بمثله. هناك بعض الأحكام الشرعية جاءت في الشريعة، من نظر فيها لأول وهلة يرى أن فيها تحميل البريء ما لا يحتمل، مثاله ما يتعلق بالدية، بدية العاقلة في حق من قتل خطأ، في حكم الشريعة، لأن رجلًا من المسلمين وقع منه القتل عن غير عمد، وهو عن خطأ، خطأ في مسألة القتل، أراد أن يصيب طيرًا فأصاب إنسانًا، قتل خطأ. حكم الشريعة عليه أنه عليه الدية، لكن الدية لا يتحملها القاتل لوحده، هذا في قتل الخطأ، وإنما العاقلة، من كان من قرابته ومن أهل بيته، هؤلاء يشاركون القاتل في الدية، فيمر عليهم بيت بيت، بيتًا بيتًا، ويأخذ منهم ما يعينه على دفع الدية لأولياء المقتول. هنا يأتي متسائل يقول: وإن كنت أنا من قريب هذا القاتل، فعلى ما يأخذ من مالي أنا؟ ما شاركت معه، ولا كنت معه، ولا أيته حتى أن يأخذ من مالي من الوجوب، ما يأخذ حتى أعطي لهذا القاتل. أليس هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾؟ فعلى ما أحاسب على شيء أنا ما فعلته؟ قال العلماء رحمه الله تعالى في ردهم على هذه الإشكالية التي اتقى عند بعض الناس: أن هذا من باب التعاون الواجب، من باب التعاون الواجب، وهو قياس بديع في الشريعة. نقول لهؤلاء الذين يستشكلون: لما هذا القاتل يأخذ أموالهم؟ نسألهم سؤالًا: أن هذا الرجل هب أنه مات، هذا الرجل الذي يسعى بينكم الآن، هب أنه مات، وله ترك ملايين الملايين، أليأتي الوارثة من أصول وفروع وحواشي ويأتون حول التركة كل يأخذ منها؟ أليس هذا حكم الشريعة؟ بل هذا حكم الشريعة يأخذوا منها، لكن كما أنكم لكم منفعة من هذا الميت من ماله إذا مات، كذلك هو سينتفع منكم في حياته إذا أخطأ، إذا أخطأ له أن ينتفع من مالكم، ما تندفع عنه مسألة الدية. وهذا من القياس البديع، من القياس البديع. كما أنكم سلمتم أنكم ستأخذون من ماله يا قرابة، ستأخذوا من ماله بعد موته بورثه، فكذلك له أن ينتفع من أموالكم. وقال العلماء: وهذا إنما يكن في قتل الخطأ، لأنه قد أخطأ فيعان، بخلاف إذا كان متعمدًا، متعمدًا فهذا لا يعان، فهذا لا يعان. المسألة الثانية إخواني في الله: ما يتعلق مما تشكل مع هذه الآية، مسألة الآيات والأحاديث الدالة على أن من كان داعية إلى ضلالة، إلى بدعة، إلى معصية، وتبعه أناس على ذلك، فإن هذا الداعي يتحمل وزره ووزر من تبعه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى ضلالة، فله وزره ووزر من عمل بها، لا ينقص من أوزارهم شيء». وهكذا في قول ربنا جل وعلا: ﴿وليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾، سيأتوني يوم القيامة معهم، دعاة الضلالة، أوزار، أوزارهم كاملة، مع أوزار من اتبعوهم. قد يقول القائل: فعلى ما هؤلاء يحملون أوزار غيرهم؟ أوزار غيرهم؟ لما يحملونها؟ أنا ما ذنبي؟ أعترف ببدعتي، بمعصيتي، فحسبي أني أحاسب على الذي فعلته، أما ما سوى ذاك أنا ما لي وللناس؟ قال العلماء: لا فرق هنا، لماذا؟ لأن هؤلاء لهم ارتباط بك، لأنك أنت المسبب، أنت المسبب لهذه الفعلة التي درج الناس عليها، فأنت لما ابتكرت هذه البدعة، وصار الناس عليها، أنت المسبب لها، تعتبر كالفاعل لها. وهذه قاعدة: المتسبب بالشيء حكمه حكم الفاعل، المتسبب للشيء حكمه حكم الفاعل، ويؤثم كإثم الفاعل، وإن لم يفعل، لكنك متسبب. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الصحيح، في قوله عليه الصلاة والسلام مبينًا: «أن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه»، أن يلعن الرجل والديه، حتى استشكل الصحابة هذا المعنى، كيف أن رجلًا بكامل قوته العقلية يقدم على لعن والديه؟ فقال عليه الصلاة والسلام مبينًا كيف أن لعن الوالدين يصل مباشرة من هذا الشخص، وأن ذلك ليس مباشرة، لكن عن طريق السببية، قال عليه الصلاة والسلام: «أنه يشتم أبا الرجل فيسب أباه، ويشتم أمه، أي أم الرجل فيسب أمه». انظر يعني كيف هذا الرجل الذي لعن والديه لم يلعنه مباشرة، وإنما قام في بعض الأماكن، فقام وسب أبا الرجل، رجل في طريق الناس، دخل معه في مهاترات، فسبه، سب أبا الرجل، فقام هذا وغضب غيظًا وحنقًا على والديه، فقام فسب الساب، فسب أبا الرجل، فقمت أنت وسببت أمه، فقام هما وسب أمك. فأنت لما جعلت هذا كسبب، دفعته الدفع لأن يسب أباك وأمك، كأنك في الحقيقة أنت الذي سببت أباك وأمك، لأنك أنت المتسبب لهذا، فقام المتسبب للشيء هو كالفاعل. فهؤلاء الذين أحدثوا في الناس البدع، أو أحدثوا في الناس المعاصي، ثم الناس اقترفوها من بعد تأسيسًا بهم، فكأنك يا عبد الله أنت الذي فعلت هذه الفعلة في كل مرة. وهذا إخواني في الله من كمال عدالة عبد الله سبحانه وتعالى. الصورة الثالثة إخواني في الله، وهذه مما قد تشكل على بعض الناس، وهي في مسألة ولد الزنا، ولد الزنا، ولد الزنا. جاءت في حقهم أحاديث من أحاديث واضحة النكران، منها ما جاءت في بعض المرويات: أن ابن الزنا أنه في النار إلى سبعة آباء، وإلى سبعة أبناء، كل هؤلاء في النار، وهذا حديث موضوع، منكر، لمخالفته لهذه الآية: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. لكن الإشكال في بعض الروايات التي لها حظ من الصحة، من ذلك ما رواه الدارمي والنسائي وابن خزيمة وعبد الرزاق في مصنفه، من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا دزنية». هؤلاء الأربعة حكم عليهم نبينا عليه الصلاة والسلام أنهم لا يدخلون الجنة. ننظر أولًا في صحة الحديث، هذا الحديث أخرجه الدارمي والنسائي وجماعة من طريق جابان عن عبد الله بن عمر بن العاص، هنا بهذا الإسناد لا إشكال، لأن جابان مجهول، وقد طعنوا العلماء في هذا الحديث، فردوه، فهو معلل. لكن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى وجد لهذا الحديث شاهدًا من غير طريق جابان، فقال: فهو عندي حسن، فهو عندي حسن. على فرض أن هذا الحديث حسن، سيشكل معنا، لا إشكال في مدمن الخمر، لا إشكال في العاق، كل فعل أفعال يتحمل تبعاتها. لكن الإشكال عندي في ولد الزنا، ولد الزنا، كيف يدخل النار بفعل من هو لم يفعل شيء؟ ولد الزنا ما فعل شيء. فهنا استشكل العلماء هذا الحديث، وخاصة أن هناك حديثًا آخر يناقض هذا الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس على ولد الزنا من وزر أبويه شيء»، يحسنه شيخ الألباني من حديث عائشة في الصحيحة: «ليس على ولد الزنا من وزر أبويه شيء»، ليس عليه شيء من الوزر. إذن ما عندي إشكال، لكن عندي إشكال في هذا الحديث على تحسينه: أن ولد الزنا في النار، أو لا يدخل الجنة ولد زنا، على ماذا يحمل هذا الحديث؟ على تحسينه العلماء حملوه على محملين اثنين، فانتبهوا لهذه المحملة، لأن هذا مما يستشكل مع الآية. الوجه الأول والشاهد الأول، وهذا يذكره الطحاوي رحمه الله تعالى، واستظهره الألباني رحمة الله تعالى على الجميع: أن المقصود بولد الزنا لا يدخل الجنة، قال علماء: من مقصود بابن الزنا أو ولد الزنا؟ قالوا: ليس هو المقصود ما يتبادر بالذهن، هو الذي جاء عن طريق الزنا، ليس هذا المقصود في الحديث، وليس هذا المراد، وإنما ما المراد بولد الزنا؟ قالوا: المراد بهذا الحديث بأن ولد الزنا في النار هو الذي هو الزاني، الزاني الذي تحقق منه فعل الزنا، فلكثرة تحققه وفعله لذلك أنه أصبح ينسب للزنا، مثاله: المسافر يسمى ابن السبيل، لماذا يسمى ابن السبيل؟ وهو جاء من اجتماع طريق مع السبيل، فخلف لنا ابن السبيل، لا، لم يعدنا خلفة أصلًا، لكن ما معنى ابن السبيل هذا؟ لكثرة ملاصقته بالسفر، لكثرة ملاصقته بالسفر سمي بابن السبيل. وهذا الرجل كمثل صاحب دنيا، رجل مدمن على الدنيا، ليله ونهاره، صبحه ومساءه، الدنيا قل يا أخي: أنت ابن الدنيا، أنت ابن الدنيا، ما معنى ابن دنيا؟ معنى ماذا؟ تحقق نسبته للدنيا، لكثرة ملاصقته بها. وهكذا ابن الزنا، أي أن الرجل أكثر من فعله ومن أمره أنه يكثر من الزنا، وتحقق ذلك منه، حتى نسب إليه أنه ابن زنا، هذا المقصود. إذن ليس عندي علاقة هنا بالأبوين البتة، وإنما الحديث إنما صورة تشبيهية، هذا المحمل الأول الذي قلنا، قل به الطحاوي، وعليه شيخ الألباني. المحمل الثاني: ويذكر بعض العلماء أن الحديث على ظاهره، وانتهجوا لهذا الجمع: أن الحديث على ظاهره، وأن ولد الزنا لا يدخل الجنة، لكن لماذا لم يدخل الجنة؟ هل من أجل أصله ونسبه لأنه خرج من سفاح؟ أم لأجل أعماله؟ يقول علماء: بل من أجل أعماله، كيف هذا؟ يقول علماء: وهذا النظرية استقرائية موجودة، لو قدر الله بوجود مثل هذا اللقيط، خرج الخراج، قام من صغره، تربى عند أناس، فعلم وعرف بأنه وجد لقيطًا في الشارع، ابنك أنت، جئت من سفاح، جئت من زنا. يقول علماء: أن غالب، انظر غالب، من ينشأ هذه النشأة، ثم يرى من نفسه أنه جاء من سفاح، ما جاء من نكاح، جاء لقيطًا، وجدوه آل فلان في الشارع، فربي، أن غالب هؤلاء من الذي ينظر في نفسه، ومن الذي ينظره في غيره، ما ينظر لهؤلاء ولنفسه إلا نظرة امتهان. يقول: من أنا؟ ما أنا إلا نقطة محرمة، نقطة قذرة، عبث بي والدي، فرموني في قارعة الطريق، فغالب هؤلاء ما يخرج على المجتمع إلا بالشر، لماذا؟ لأنه يرى إهانة في نفسه، ويرى أن المجتمع في مستوى من المستوى من الحضيض والقذارة، أن يصل إلى هذا الحال أن يأتي بمثله بطريقة محرمة. فقال علماء: فتجد أن من ينشأ من ولد الحرام أن طبعه في أخلاقه مع الناس ماذا؟ سوء على سوء، وخبث على خبث، ودناءة على دناءة. وتلاحظ عبد الله: أن من أفجر الناس، أفجر الناس، من كان هذا أصله، ابن زنيم، كما جاء في القرآن، ابن زنيم، ابن زنا، تجد أنه من أفجر الناس، ما عنده تبعات، ما عنده أصل يدافع عنه، ما عنده نسب يدافع عنه، ما عنده عشيرة، لقيط. ولهذا تجد أنه غالب، لا أقول كل، غالب هؤلاء ينشأون هذه النشأة المحرمة، وكلما كثر المجتمع من هذه الصورة، كثر فساده، مثل الجمهورية الإيرانية، لكثرة المتعة، كثر عندهم أبناء الزنا، ولهذا تعتبر بلدانهم من أفجر البلدان على مستوى العالم، وهذا في الاستقراء، وكذلك في البيانات التي خرجت من أفجر الناس، لماذا؟ لأن مجتمعاتهم لقطاء، لقيط مع لقيط، الكل ينظر للمجتمع نظرة مأساوية. ولها فقال علماء: إذن هذا الحديث على صحته: «لا يدخل ولد الزنا الجنة»، لا من أجل نسبه وأصله، لا، وإنما من أجل أعماله، أي أن هذا ابن الزنا يكبر ويكبر ويكبر معه أعماله السيئة، إجرام، قتل، سفك دماء، شرب خمور، زنا، فعل فواحش، فيكون هذا هذه أعماله ماذا تجره إلى الدخول إلى النار؟ من أجل عمله. أي هذا الحديث مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده»، فليس البيضة هي التي قطعت يده، لكن الاستدراج يستمر في السرقة، حتى تصل به أعمال أن يسرق شيئًا ثمينًا، فتقطع يده. فهذا إخواني في الله ما يعمل إلا فبالإجماع: أن ابن زنا ليس عليه من وزر أبويه شيء. وقد يكون من ابن الزنا من يكون صالحًا، من يكون تقيًا، من يكون برًا، من ينفع الله به البلاد والعباد، لكن الذي ينظر ينظر في حال الاستقراء والتربية والسلوك: أن غالب هؤلاء الذي يسلم أمره للشيطان أنه يسترسل في الفساد. فخلاصة الموضوع إخواني في الله: فهذه الآية محكمة، أن الله جل وعلا من عدله جعل النكاية في الدنيا والآخرة في حق من أتى بالمعصية على وجهها، أو من كان متسببًا لها. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.