التعليقات على كتاب الأدب المفرد 324

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 324، ألقاها

فضل الصحابة ومكانتهم عند النبي

يروي الحديث فضل الصحابة الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان وبشارتهم بالجنة، مما يدل على عظيم مكانتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الفضل يرد على أهل البدع الذين يطعنون فيهم.

الثناء على الإنسان وأحكام المصافحة

المقطع يشرح جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمنت الفتنة، ويستدل بذلك بأحاديث نبوية، كما يشير إلى استحباب المصافحة عند اللقاء وتكفيرها للذنوب. المصافحة سنة مجمع عليها.

أهمية المصافحة وفضلها في الإسلام

يدل الحديث على استحباب المصافحة وفضلها في تكفير الذنوب والخطايا، وأنها من تمام التحية. المصافحة سبب لتكفير الذنوب والخطايا، وهي من الأعمال التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: باب. قال: حدثنا مسدد وابن مصرهد قال: حدثنا يحيى عن عثمان بن غياث قال: حدثنا أبو عثمان عن أبي موسى. ما اسم أبي موسى؟ عبد الله بن قيس الأشعري، أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في حائط من حيطان المدينة، والحائط: البستان، وفي يد النبي صلى الله عليه وسلم عود يضرب به بين الماء والطين، يعني يحركه بين الماء والطين. فجاء رجل يستفتح. وفي رواية: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمره أن يحفظ له الباب، فيكون حارسًا. وفي رواية: أنه فعل ذلك من نفسه، قال: أكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء رجل يستفتح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افتح له وبشره بالجنة. فذهب، فإذا أبو بكر رضي الله عنه -يعني الرجل الذي استأذن هو أبو بكر- ففتحت له وبشرته بالجنة. ثم استفتح رجل آخر، فقال: افتح له وبشره بالجنة. فإذا عمر رضي الله عنه، ففتحت له وبشرته بالجنة. ثم استفتح رجل آخر، وكان متكئًا فجلس، قال: افتح له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه -أو تكون- فذهبت، فإذا عثمان، ففتحت له، فأخبرته بالذي قال، قال: الله المستعان. هذا الحديث صحيح، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وهذا الحديث فيه فضيلة لهؤلاء الثلاثة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأنهم من أهل الجنة، أنهم من أهل الجنة. فقد بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة، وهم على ظهر الأرض. وهذا يدل على عظيم فضلهم رضي الله تعالى عنهم. وفي هذا ردٌ على أهل البدع والأهواء من أمثال الروافض الذين يطعنون في هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، فيدعون أنهم ارتدوا بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا لا شك أنه كذب وافتراء وتكذيب للكتاب والسنة. قد أثنى الله سبحانه وتعالى على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر بجماعة منهم أنهم من أهل الجنة، ومنهم أبو بكر، وعمر، وعثمان. وهذا يلزم ويقتضي أنهم لن يغيروا ولم يبدلوا، لن يغيروا ولم يبدلوا، فكان كما قال عليه الصلاة والسلام. وفيه أيضًا جواز الثناء في وجه الإنسان إذا أمنت الفتنة، جواز الثناء في وجه الإنسان أن يثني عليه في وجه عند أمن الفتنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأذن لهم وأن يبشرهم بالجنة. وهذا لا شك أنه يقتضي المدح والثناء لهم، فدل ذلك على جواز مثل ذلك عند أمن الفتنة. وأما عند عدم أمن الفتنة فلا يجوز، لا يجوز أن يثني الإنسان على أخيه في وجه. وعلى هذا يحمل ما روي من الأحاديث في أمر النبي عليه الصلاة والسلام برش المدحين في وجوههم التراب، هذا في حق من لا يؤمن عليه الفتنة، أو يخشى أن يفتتن بما يقال له ويثنى به عليه في وجه. وأما إذا أمنت الفتنة فلا بأس، فالنبي عليه الصلاة والسلام أثنى على جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وفيه أيضًا معجزة ظاهرة للنبي عليه الصلاة والسلام، وآية ودليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام؛ وذلك أنه أخبر أن عثمان ستصيبه بلوى ومصيبة، قال: بشره بالجنة مع بلوى تصيبه. وهذا وقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام، ما حصل في زمنه رضي الله عنه من الفتنة، فتنة الذين خرجوا عليه حتى قتلوه رضي الله تعالى عنه. وهذا دليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وكذلك أيضًا من دلائل نبوته في هذا الحديث إخباره بأن هؤلاء الثلاثة من أهل الجنة، وكان هذا الإخبار يقتضي ثباتهم على الدين وعدم تغييرهم وتبديلهم، فكان الأمر كذلك. وهذا يدل على صدق نبوته عليه الصلاة والسلام. وقول عثمان رضي الله عنه: الله المستعان، أي: أستعين بالله سبحانه وتعالى، وألجأ إليه، وأعتمد عليه. وهذا فيه استحباب قول مثل ذلك إذا خشي الإنسان حصول مصيبة أو ضرر أو نحو ذلك، فيقول: الله المستعان، أو بشر -يعني- بشيء من الشر الذي يخافه أو نحو ذلك، فيقول: الله المستعان. وهذا هو الشاهد. قال: باب مصافحة الصبيان. قال: حدثنا ابن شيبة قال: حدثنا ابن نباتة عن سلمة ابن وردان قال: رأيت أنس ابن مالك يصافح الناس، فسألني: من أنت؟ قلت: مولى لبني ليث، فمسح على رأسي ثلاثًا، وقال: بارك الله فيك. وسلم ابن وردان ضعفه جماعة من أهل الحديث كابن معين والإمام أحمد والنسائي وأبو داود، لكن معنى الحديث صحيح، أو معنى هذا الأثر صحيح، وهو جواز مصافحة الصبي؛ لعموم الأدلة الدالة على استحباب المصافحة، وهذا يشمل الكبار والصغار. قال: باب المصافحة. قال: حدثنا حجاج، ومن أرطأ قال: حدثنا حماد بن سلمة عن حميد -وهو الطويل- عن أنس بن مالك قال: لما جاء أهل اليمن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أقبل أهل اليمن، وهم أرق قلوبًا منكم، فهم أول من جاء بالمصافحة. والحديث صحيح. قال: وحدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا عن أبي جعفر الفراء عن عبد الله بن يزيد عن البراء بن عازب قال: من تمام التحية أن تصافح أخاك. وهذا الأثر صحيح الإسناد، كما قال الشيخ الألباني موقوفًا. وروي مرفوعًا، لكن إسناده ضعيف. والمصافحة كما قال أهل العلم: هي مفاعلة من الصفحة، والمراد بها: صفحة اليد، الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد الأخرى. وهل كانت المصافحة موجودة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال قتادة رحمه الله: قلت لأنس ابن مالك: هل كانت المصافحة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: نعم. ولهذا حمل بعض أهل العلم قوله: فهم أول من جاء بالمصافحة، يعني: أول من أظهرها وأشهرها وأكثرها، وإن كانت المصافحة موجودة، لكن كانت قليلة. فلما جاء أهل اليمن نشروا المصافحة. وهذا الحديث فيه ثناء لأهل اليمن، ومنقبة من مناقبهم؛ وأنهم أرق قلوبًا، فقلوبهم رقيقة لينة. ولذلك سرعان ما قبلوا الإسلام، لما عرض عليهم أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجًا، وهذا من رقة قلوبهم. وكذلك أيضًا مما يدل على وجود المصافحة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام: في قصة كعب بن مالك لما نزل توبة الله سبحانه وتعالى عليه على صاحبيه، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو جالس في المسجد، فقام إليه طلحة بن عبيد الله فهنأه وصافحه، فهنأه وصافحه. والمصافحة أمر حسن، واستحبه العلماء. قال النووي رحمه الله: المصافحة سنة مجمع عليها، المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي. وروى الترمذي من حديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا، ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا. وهذا يدل على استحباب المصافحة، وعظيم فضلها، وأنها سبب لتكفير الذنوب والخطايا. وهذا كما قال البراء في الأثر الذي بعده رضي الله عنه: أنه من تمام التحية، من تمام التحية أن تصافح أخاك وتسلم عليه، ويحصل لك هذا الأجر العظيم من تكفير الذنوب والخطايا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على