الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 308، ألقاها
يشرح المقطع الحديث النبوي الذي يرويه البراء بن عازب، حيث أمر النبي بسبع ونهى عن سبع، ويتناول شرح هذه الأوامر والنواهي بالتفصيل. يوضح معاني هذه الأوامر مثل عيادة المريض واتباع الجنائز وتشمية العاطس وغيرها.
يتحدث المقطع عن عدة أحكام إسلامية متفرقة منها تحريم الظلم وإفشاء السلام وإجابة الداعي وتحريم لبس الذهب والحرير للرجال وتحريم استخدام آنية الذهب والفضة. هذه الأحكام تشكل جزءًا من آداب التعامل اليومي في الإسلام.
يتناول المقطع كيفية تشميت العاطس عند سماع عطسته، حيث يورد عدة أحاديث وأقوال صحابية حول هذا الموضوع. كما يبحث في صيغ الدعاء المناسبة للعاطس، سواء كان رجلاً أو امرأة، ويوضح آداب الرد على العاطس.
يُشترط لزيارة النساء بدون محرم أن يكن من محارمه أو كبيرات في السن ولا يخشى الفتنة بهن. أما النساء الشابات فلا ينبغي زيارتهن بدون محرم لما في ذلك من الفتنة، ويوضح المقطع هذه الضوابط بالتفصيل.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا أبو الأحوص، عن أشعث، عن معاوية بن سويد، عن البراء بن عازب، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع؛ أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشمية العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإفشاء السلام، وإجابة الداعي، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن آنية الفضة، وعن المياثر والقسية، والاستبرق والديباج، والحرير. هذا الحديث حديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري، وفيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه الأمور السبعة، وأمره كذلك عليه الصلاة والسلام بهذه الأمور السبع. قال: أمرنا بعيادة المريض، ومر الكلام عليها في الحديث السابق، وأنه ينبغي للمسلم أن يعود أخاه المسلم إذا مرض، فإن ذلك من حق المسلم على أخيه. واتباع الجنازة كذلك، أن يتبع جنازته، فيصلي عليه، ويحضر دفنه. وتشميت العاطس، وهو الشاهد من ذكر الحديث في هذا الباب، أنه إذا عطس، فإنه يشمت. وهنا نرى في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أطلق تشميت العاطس، لكنه مقيد كما في الأحاديث الأخرى، بأن ذلك إذا حمد الله، فإذا عطس فلم يحمد الله، فإنه لا يشمت، إلا إذا حمد الله. قال: وإبرار المقسم، إبرار المقسم يعني إذا حلف المسلم على أخيه، قال: والله مثلًا، والله لا تأكل عندي، أو والله لتجلس عندي، وهنا ينبغي للمسلم أن يجيب ويبر بقسم أخيه، ينبغي أن يبر بقسم أخيه. وإبرار المقسم ليس واجبًا، لكن مستحب، يستحب أن يبر بيمينه، فيجيب ما أراد أن يفعل وحلف عليه. قال: ونصر المظلوم، كذلك من حق المسلم على أخيه أن ينصره إذا ظلم، فيرفع الظلم عنه. وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن ينصر المسلم أخاه المسلم، سواء كان ظالمًا أو مظلومًا. قالوا: يا رسول الله، ننصره إذا كان مظلومًا، فكيف إذا كان ظالمًا؟ قال عليه الصلاة والسلام: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصرك له، تمنعه من الظلم. قال: وإفشاء السلام، كذلك مما أمرنا به إفشاء السلام، أنك تسلم على من عرفته من المسلمين، صغيرًا كان أو كبيرًا، تعرفه أو لا تعرفه، فإن ذلك من أسباب حصول المودة والمحبة. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولى أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»، فإفشاء السلام سبب لإفشاء أو لحصول المحبة والمودة بين المسلمين. قال: وإجابة الداعي، كذلك مر الكلام عليه في الحديث السابق، إذا كانت دعوة وليمة، فيجب أن يجيبه، وإن كانت غير وليمة، فيستحب. قال: ونهانا عن خواتيم الذهب، يعني عن التختم بالذهب، فالذهب من لباس النساء، وهو محرم على ذكور هذه الأمة. قالوا: وعن آنية الفضة، كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن آنية الفضة، ومثلها الذهب، لا يجوز للمسلم أن يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة. وأما الخاتم من الفضة، فلا بأس، فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه اتخذ خاتمًا من فضة. قال: وعن المياثر، والمياثر قال في الحاشية: هي طِئَة محشوة تترك على رحل البعير تحت الراكب، وهي من مراكب العجم، تعمل من حرير أو ديباج، فنوع من أنواع الحرير. قال: والقسية، والقسية قال: أي لبس القسي، وهي ثياب من كتان مخلوط بحرير، يؤتى بها من مصر، نسبة إلى قرية على شاطئ البحر قريبًا من تنيس، يقال لها القس. قال: والاستبرق والديباج والحرير، والاستبرق والديباج كذلك نوعان من أنواع الحرير، أحدهما لما غلظ من الحرير، والآخر لما خف، وكلاهما من أنواع الحرير. والحرير كذلك مما يحرم على الرجال، وأحل للنساء، فالرجال لا يجوز لهم لبس الحرير، إلا للضرورة، فقد أجاز النبي عليه الصلاة والسلام لبس الحرير لمن به حكة، وهو مرض الجرب، وما كان بمعناه من أمراض جلدية يتأذى الإنسان بلبس غير الحرير من الثياب. قال: باب من سمع العطسة يقول: الحمد لله. قال: حدثنا طلق بن غنام، قال: حدثنا شيبان، عن أبي إسحاق، عن خيثمة، عن علي رضي الله عنه، قال: من قال عند عطسة سمعها: «الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان»، لم يجد وجع الضرس ولا أذن أبدًا. وهذا الأثر، أثر علي رضي الله تعالى عنه، لا يصح. قال: باب كيف تشميت من سمع العطسة. قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، قال: أخبرنا عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، فإذا قال: الحمد لله، فليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم». الحديث صحيح. قال: حدثنا عاصم، قال: حدثنا منصور، عن أبي جمرة، قال: سمعت ابن عباس يقول: إذا شمت عافاكم الله وإياكم من النار، يرحمكم الله. وهذا الأثر صحيح إلى ابن عباس، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله. قال: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا يعلى، قال: أخبرنا أبو منيع -وهو يزيد بن كيسان- عن أبي حازم، قال: عن أبي هريرة: كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعطس رجل فحمد الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحمك الله»، ثم عطس آخر فلم يقل له شيئًا، فقال: يا رسول الله، رددت على الآخر ولم تقل لي شيئًا؟ قال: «إنه حمد الله وسكت». وهذا الحديث صحيح. قال: باب إذا لم يحمد الله لا يشمت. قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا سليمان التيمي، قال: سمعت أنسًا يقول: عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال: شمت هذا ولم تشمت الآخر؟ قال: «إن هذا حمد الله ولم تحمد الله». وهذا الحديث في الصحيحين. قال: هل يجوز أن تقول للمرأة: يهديكم الله ويصلح بالك، أو يهديك الله ويصلح بالك، وكذلك يرحمك الله إذا عطست؟ هذا إذا كانت من محارمه، أو امرأة لا يفتن بها، كانت كبيرة في السن، كالعجائز التي أجاز الشرع الدخول عليهن ونحو ذلك، فلا بأس، أما امرأة شابة، فلا ينبغي ذلك، لأن ذلك موضع فتنة. والله تعالى أعلم.