التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 10

الدرس في التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معاتبة النفس ومحاسبتها على التقصير

يوبخ المؤلف نفسه على التقصير رغم كبر سنه ويتمنى طول العمر لتزود العمل الصالح. يؤكد أن العلم بلا عمل جهل وأن خير الناس من طال عمره وحسن عمله.

تصحيح النفس والعمل بالعلم والزهد في الدنيا

يحث على تصحيح الأخطاء والعمل بالعلم لا مجرد حفظه مستشهداً بآية ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ينذر جامعي الأموال بأن المال لا يمنع الموت ولا ينفع في القبر مستدلاً بقصة الصناديق الذهبية في القبور.

خطر التنافس على الولايات القضائية والحكمية

يحذر من التسارع إلى الولايات القضائية والحكمية مستدلاً بحديث «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين». يبين أن السلف امتنعوا منها لعظم مسؤوليتها بينما يتسابق الناس اليوم طلباً للمكاسب الدنيوية فينالهم الندم عند العزل.

اغتنام الوقت في صلة الأرحام والأعمال الصالحة

يؤكد على استغلال الوقت في زيارة الأقارب وتقوية روابط المحبة كأعمال صالحة. يختم الحديث بتوكل على الله ودعاء بالتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهَد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى فيما ذكره من أبيات في رسالته "ذم قسوة القلب": "أول من ألوم اليوم نفسي، فقد سَلَفَت نظائر ما فعلت. أيا نفسي أخوضًا في المعاصي، وبعد الأربعين وفيت ستة. وأرجو أن يطول العمر حتى أرى زاد الرحيل وقد تأتّى. يا غصن الشباب تميل زهوًا، كأنك قد مضى زمن وشبت. علمت فدع سبيل الجهل واحذر، وصحح قد علمت وما عملت. ويا من يجمع الأموال قل لي: أيمنعك الردى ما قد جمعت؟ ويا من يبتغي أمرًا مطاعًا، ليسمع نافذًا من قد أمرت. عججت إلى الولاية لا تبالي: أجرت على البرية أم عدلت؟ ألا تدري بأنك يوم صارت إليك بغير سكين ذبحت؟ وليس يقوم فرحة قد تولى، بترحة يوم تسمع: قد عزلت. ولا تهمل فإن الوقت يسري، فإن لم تغتنمه فقد أضعت". شرع المؤلف رحمه الله تعالى في معاتبة نفسه، وفي لوم نفسه؛ فإن الإنسان عرضة للتقصير وللخطأ والزلل. فلذلك قال: "أول من ألوم اليوم نفسي"، "أول من ألوم اليوم نفسي فقد سَلَفَت نظائر ما فعلت". وهذا اعتراف منه رحمه الله تعالى على تقصيره وعلى كذلك تفريطه، وهو من تواضعه رحمه الله تعالى؛ وإلا فهو إمام من أئمة الحديث والعلم. فهكذا ينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه، وأن يلومها على التقصير والتفريط. ثم قال: "أيا نفسي أخوضًا في المعاصي، وبعد الأربعين وفيت ستة". المعنى: يخاطب نفسه، كيف يصدر منك بعض المعاصي وقد بلغت هذا السن؟ فقوله: "وبعد الأربعين وفيت ستة" يعني أنه قد مضى من عمره ستة وأربعون سنة. قال: "وأرجو أن يطول العمر حتى أرى زاد الرحيل وقد تأتّى". المعنى: أنه يسأل الله أن يطيل في عمره، ولكن مع حسن عمل حتى يتزود للدار الآخرة. ولذلك قال: "حتى أرى زاد الرحيل وقد تأتّى". وهذا مصداق ما جاء في جامع الترمذي من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لما سأله من خير الناس: "يا رسول الله، قال: خير الناس من طال عمره وحسن عمله". فالإنسان إذا أعطاه الله عز وجل عمرًا مديدًا فليستغل ذلك العمر في طاعة الله، فهذا هو خير الناس. ولذلك قال: "وشر الناس من طال عمره وساء عمله"، أعطاه الله عمرًا مديدًا وهو مقيم على المعاصي والمخالفات وإلى غير ذلك، فهذا من شر الناس. فلذلك المؤلف هنا دعا الله عز وجل أن يطيل في عمره كي يزداد من العمل الصالح، "حتى أرى زاد الرحيل وقد تأتّى"، يعني: حتى يرى من نفسه أن ذلك الزاد الذي قد تزوده يشرفه يوم لقاء ربه، وقد تأتّى. ثم خاطب مرحلة الشباب، فقال: لأن سن الأربعين من أقوى سن الشباب، فلذلك قال: "وأرجو"، ثم قال: "يا غصن الشباب تميل زهوًا، كأنك قد مضى زمن وشبت". يريد بـ "غصن الشباب" يعني مرحلة الشباب، ومعنى "تميل زهوًا": أي يذهب حسنك ومنظرك وقوتك، فهذا معنى قوله "تميل زهوًا". فالزهو هو حسن المنظر وحسن كذلك الأعضاء والأركان. ثم قال: "كأنك قد مضى زمن وشبت". أنت في مرحلة الشباب، ولكن كأنه قد مضى زمن طويل وصرت لست في مرحلة الشباب بل في مرحلة الشيب، "كأنك قد مضى زمن وشبت". ثم قال: "علمت فدع سبيل الجهل واحذر، وصحح قد علمت وما عملت". هذا البيت فيه دعوة من المؤلف إلى العمل بالعلم، إلى العمل بالعلم: "علمت فدع سبيل الجهل واحذر". طالما أنك قد علمت فقد أقيمت عليك الحجة، فلا تبقى جاهلًا؛ لأن الشخص وإن علم ولم يعمل بعلمه فهو جاهل، فهو جاهل وإن كان عنده حفظ معلومات ويعلم حكم هذه المسألة ولكنه لم يعمل بها، فهو في الحقيقة جاهل. فلذلك قال: "علمت فدع سبيل الجهل واحذر، وصحح"، يعني: دعوة كذلك إلى التصحيح، دعوة من المؤلف رحمه الله تعالى إلى التصحيح، أن الشخص يصحح ما قد وقع فيه من الخطأ ومن الزلل ومن الذنب وإلى غير ذلك. ثم قال: "قد علمت وما عملت"، علمت فيما مضى تلك الأمور التي تلين القلب وترققه، فأين أنت من العمل؟ هل ستعمل بما علمت، أم أنه سيمر عليك مرور الكرام ولا تستفيد من تلك النصائح وتلك المواعظ وتلك المذكرات؟ فقوله: "وصحح قد علمت وما عملت"، فهذه دعوة إلى العمل بالعلم، العمل بالعلم. فما يقال من العلم ليس من أجل التسلي، ولا من أجل فقط إضافة المعلومات وحفظها، وإنما المراد من هذا العلم هو العمل، هو العمل. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾. ثم قال رحمه الله: "ويا من يجمع الأموال قل لي: أيمنعك الردى ما قد جمعت". هذا خطاب لمن هو منشغل بدنياه، حريص على جمع حطامها، فخاطبه بقوله: "ويا من يجمع الأموال قل لي"، يجمع الأموال لا يأخذ كفايته وما يسد به حاجته، لا، وإنما يكتنز المال وكذلك يجمع المال. فهذا خطاب من المؤلف رحمه الله له: "ويا من يجمع الأموال قل لي: أيمنعك الردى ما قد جمعت". الردى: المراد به الموت. والمعنى: أتمنعك هذه الأموال من أن ينزل بك الموت، ومن أن تموت؟ هل يمنعك هذا المال من الموت حتى أنت حريص على جمعه؟ "أيمنعك الردى ما قد جمعت" من هذه الأموال؟ والجواب: لا. لو كان المال مانعًا من الموت لما مات قارون وهو من ملك الكنوز العظيمة، ولا مات الملوك وكذلك الأغنياء والأثرياء. وإنما ذلكم المال الذي تجمعه تتعب في جمعه، ثم يأتي من بعدك فيأخذ هذا المال. وإذا متّ فإن هذا المال لا يوضع عند قبرك أبدًا، لا يوضع عند قبرك. وإذا وضع عند قبرك فلا تستفيد منه، ولا يستفيد منه غيرك، ولا يستفيد منه غيرك. من عجبي ما سمعت في الأيام القريبة: سأل سائل، اتصل وسأل سائل، وقال: "عثرنا على مقبرة قديمة، عثرنا على مقبرة قديمة، فحفرنا قبرين فوجدنا عند كل ميت صندوق فيه ذهب". هؤلاء ما شاء الله ما يجمعونه، يضعونه في الصناديق ويضعونها تحت رأس الميت. قال: "فأخذناه". إذن من الذي انتفع بهذا المال؟ كم سنوات؟ قالوا: "ما ندري، هذه المقبرة مقبرة مسلمين أم مقبرة كفار؟" لاندثارها وعدم وضوح آثارها. ومع هذا وجدوا هذه الصناديق، ووجدوا فيها بعض الكنوز من الذهب وإلى غير ذلك. فانظروا: هؤلاء لا عقول لهم، هل استفادوا من هذه الأموال؟ ما استفادوا منها شيئًا. وصدق النبي عليه الصلاة والسلام إذ يقول: «يتبع الميت ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع ماله وأهله ويبقى عمله». فالذي يبقى، الذي يبقى معك أخي المسلم إنما هو العمل، إنما هو العمل، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. ثم قال: "عججت إلى الولاية لا تبالي: أجرت على البرية أم عدلت؟". ومعنى "عججت": أي رفعت صوتك مطالبًا بها، مطالبًا بها؛ فإن العجاج هو رفع الصوت. عجّ الملبي أو الحاج بالتلبية: هي رفع بها صوته، رفع بها صوته. أي أنك حريص على الولاية وترفع صوتك مطالبًا بها، مطالبًا بها، سواء كانت الولاية العامة أو الولاية الخاصة، "لا تبالي"، ما تدري عقوبة هذا الأمر ومآل هذا الأمر. نعم: "أجرت على البرية أم عدلت؟" يعني: هل ظلمت؟ "أجرت" من الجور وهو الظلم. هل ظلمت البرية؟ البرية هم الخلق، الناس. "أم عدلت فيهم؟" أم عدلت فيهم إذ وليت هذه الولاية، إذ وليت هذه الولاية؟ ثم قال: "ألا تدري بأنك يوم صارت إليك بغير سكين ذبحت". ويشير إلى هذا بما أخرجه أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من ولي القضاء فقد ذبح من غير سكين»، أو «بغير سكين»، «فقد ذبح بغير سكين». حسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع، في صحيح الجامع. فأنت تتسارع وتتنافس إلى هذه الولاية، وما تدري أن من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين. فانظر إلى تنافس الناس في هذا الزمان إلى الولايات، سواء كانت الولاية العامة أو الولاية الخاصة، فلا إله إلا الله، كم سفكت من دماء بسبب ذلك الأمر، وكم رملت من نساء، وكم انتهكت من أعراض، وكم أخذت من أموال بسبب هذا الأمر! ولو أنهم علموا أن هذا الأمر ليس بالأمر الهين لما تسارعوا إليه. ولذلك كان السلف الصالح لا يحبون ذلك، بل كانوا يمتنعون من القضاء امتناعًا شديدًا. نعم، فقد حكي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى أنه طلب للقضاء، طلب للقضاء، فهو لا يريد ذلك، فأوهم أنه أبله حتى يعفى من هذا الأمر، الذي ليس هو بالأمر الهين. فهكذا لما قلت التقوى، وقلت عظيم النصوص الشرعية، وكثر الجهل، تسابق وتسارع كثير من الناس إلى تلك الولايات، وبغية أحدهم أن يحصل على شيء من حطام هذه الدنيا، فهو يفكر كيف يرتشي، وكيف كذلك يأخذ الأموال، وكيف يبني العمارة، وكيف كذلك يشتري السيارة، وإلى غير ذلك. فلذلك تسابقوا وتسارعوا إلى هذا الأمر، وهو حسرة وندامة يوم القيامة لمن لم يعدل. وما جاء عن بعض السلف أنه ولي القضاء، فهذا يحمل على أنهم رحمهم الله تعالى رأوا أنهم أهل لذلك، وأنهم كذلك أولى بها من غيرهم لعلمهم وتقواهم وعدلهم وإلى غير ذلك. ثم قال: "وليس يقوم فرحة قد تولى، بترحة يوم تسمع: قد عزلت". والمعنى: لما يتولى ذلكم القاضي أو الوالي المنصب، يقال: "قد تولى"، فيفرح بهذا، يفرح بهذا، ولكن هذا الأمر لا يستمر، فلربما عزل عن تلك الولاية، كم هو الواقع. نعم، تجد الواحد ربما يتمتع بهذه الولاية التمتع المحرم السنة والسنتين، ثم بعد ذلك يُعزل، ثم بعد ذلك يُعزل. فكيف يكون حاله؟ قال: "بترحة يوم تسمع: قد عزلت"، يعني: يحزن، يحزن لذلك ويهم ويغتم. لماذا؟ لأنه طلبها، لأنه طلب هذه الولاية، فهو حريص عليها، هو حريص عليها، ومع هذا يأتي الأمر: "خلاص، أنت معزول، أخرج من هذا المنصب". كيف يكون حاله وهو حريص عليها؟ وربما عاد ما أكمل العمارة، ومشتر السيارة المطلوبة، فهو يعني يهتم ويغتم، وتتعكر عليه الأمور، ويكون في حال من الحزن وإلى غير ذلك. ثم قال: "ولا تهمل فإن الوقت يسري، فإن لم تغتنمه فقد أضعت". يعني: لا تسوف، لا تسوف في عمل الصالحات، ولا كذلك تؤخر من عمل الصالحات، بل عليك أن تسرع، وأن كذلك تسارع وتسابق في عمل الطاعات وفعل الخيرات. فلذلك قال: "ولا تهمل فإن الوقت يسري"، يعني: الوقت يمضي ويمضي بسرعة، وهذا من علامات الساعة. كلما يعني تقادم الزمان، كلما كان الوقت أسرع مضيًا، أسرع مضيًا، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر». سبحان الله، وهذا واقع. نعم، ربما يأتي رمضان هذا، وما زال يعني بعض الأمور التي مرت بك في رمضان الماضي تمر على خاطرك، تمر على خاطرك، وكأنها في وقت قريب، وكأنها في وقت قريب. وهذا من علامات الساعة. فلا تهمل، فإن الوقت يسري، يمضي بسرعة، يمضي بسرعة. "فإن لم تغتنمه فقد أضعت": إذا لم تغتنم هذه الأوقات وتلك الأعمار بطاعة الله، بالتوبة، بالاستغفار، بالتزود بالأعمال الصالحة، فإنك قد أضعت، فقد أضعت. لا سيما ونحن في هذا الشهر الفضيل المبارك، فينبغي علينا أن نستغل كل لحظة من لحظاته، وكل وقت من أوقاته في طاعة الله سبحانه وتعالى: في قراءة القرآن، في الصلاة، في الذكر والدعاء، في التهليل والتسبيح والتحميد، في صدق الصدقة والإحسان إلى الخلق، والسعي في كذلك إعانة الفقراء والمساكين والمحتاجين. نستغله كذلك في زيارة الأرحام، وفي كذلك تقوية روابط الأقارب والمحبة، وإلى غير ذلك. فكل هذه من الأعمال الصالحة التي ينبغي للإنسان أن يغتنمها في طاعة الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر