الدرس في وقفات مع آيات الصيام 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح الآية ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ موضعة بين أحكام الصيام لتشجيع الصائمين على الإكثار من الدعاء عند الإفطار وإكمال العدة، وتؤكد الأحاديث الصحيحة أن دعوة الصائم مستجابة، كما أن ليلة القدر في رمضان من أعظم أوقات إجابة الدعاء، فينبغي للمسلم الحرص على الدعاء في هذا الشهر.
توضح الآية الكريمة حث الله على الدعاء ووعده بالاستجابة، ويبين الحديث النبوي «الدعاء هو العبادة» أن الدعاء هو أجل أركان العبادة وأعظمها، لا مجرد جزء منها، مستدلاً بأسلوب الحصر العربي كما في «الحج عرفة» و«الدين النصيحة». لذا ينبغي للمسلم الإكثار من الدعاء مستشعراً أنه تعبدٌ لله تعالى وليس مجرد طلب حاجة.
يوضح المقطع أن أكمل الدعاء ما قُصد به التقرب إلى الله وعبادته أولاً، ثم طلب الحاجة، وأن هذا الفهم من ثمرات العلم النافع. كما يبين أن الصائم في رمضان يتحرى أوقات الإجابة وهو يؤدي عبادة عظيمة بالدعاء نفسه، فيجمع بين أجر العبادة واستجابة الطلب.
يُعلن المتحدث عن انتهاء الجلسة أو الدرس الحالي. ويختتم بالعبارة التقليدية "والله تعالى أعلم" تفويضاً للعلم المطلق لله سبحانه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: ثم قال تعالى في سياق آيات وبين آيات الصيام: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. هذه الآية في الحقيقة ليس فيها ذكر الصيام، ومع هذا وردت بين آيات الصيام. ولذلك يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: "وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر". ثم ذكر حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر». وجاءت في رواية: «دعوة المظلوم» بدلاً من الصائم، والحديث بالروايتين يصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. إذن مناسبة ذكر آية الدعاء بين آيات الصيام: من أجل الحث، وكذلك من أجل التنبيه على أن الصائم ينبغي له أن يكثر من الدعاء، أن يكثر من الدعاء؛ فإن من أوقات الاستجابة من أوقات الاستجابة دعوة الصائم حتى يفطر، حتى يفطر، كما في هذا الحديث. وجاءت رواية أخرى يصححها بعض أهل العلم: «أن للصائم دعوة، أن للصائم دعوة لا ترد، لا ترد». وكذلك الدعاء في ليلة القدر، وليلة القدر في رمضان من أوقات استجابة الدعاء، استجابة الدعاء. فلذلك وردت هذه الآية متخللة بين أحكام الصيام. فإن هذه الآية بين قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ثم جاءت هذه الآية، ثم بعدها قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية. فلا يزال بعد آية الدعاء آية في أحكام الصيام، آية في بعض أحكام الصيام. فإذن هذه هي وجه المناسبة في ذكر آية الدعاء بين آيات الصيام. ولذلك ينبغي للمسلم أن يجعل من عباداته، ومن كذلك الطاعات التي يحرص عليها في هذا الشهر، الدعاء، الدعاء. فإن هذه الآية حث فيها ربنا عز وجل على الدعاء، ووعد بالاستجابة، وعد بالاستجابة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. فما يدريك لعل دعوة تدعو الله عز وجل بها فيستجيب لك الله عز وجل، فتكون سببًا في سعادتك، وتكون سببًا في فوزك، وفي كذلك توبتك ومغفرة الله عز وجل لك. فأكثر من الدعاء، فأكثر من الدعاء. واعلم أن الدعاء هو العبادة. هكذا سماه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في حديث النعمان بن بشير عند الترمذي وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة». أما رواية: «الدعاء مخ العبادة» فبهذا اللفظ لا يصح، حديث ضعيف؛ لأن الدعاء ليس هو فقط مخ العبادة، بل هو العبادة كلها، بل هو العبادة كلها. ومعنى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الدعاء هو العبادة» يعني: أهم شيء في العبادة وأعظم شيء في العبادة هو الدعاء. وهذا أسلوب عربي معروف معلوم؛ فإن العرب إذا أرادوا إظهار أهمية شيء حصروا هذا الشيء فيه. ولذلك نظائر في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الحج عرفة، الحج عرفة». فهل الحج لا يكون إلا الوقوف بعرفة فقط؟ لا، وإنما المراد أن أعظم ركن وأجل ركن من أركان الحج هو الوقوف بعرفة، هو الوقوف بعرفة. وكما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة». فهل معنى ذلك أن الدين لا يقتصر إلا على النصيحة؟ لا، وإنما المراد أن أعظم شيء في هذا الدين وأجل شيء في هذا الدين هو النصيحة، هو النصيحة. ولذلك تقول العرب: «إنما المال الإبل، إنما المال الإبل». لماذا؟ لأن كان أعظم أموالهم وكذلك أنفس أموالهم هي الإبل، فكانوا يحصرون المال فيها من باب أنها أهم وأجل وأنفس أموالهم. وهكذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة» يعني: أجل شيء في العبادة هو الدعاء، هو الدعاء. ولذلك ينبغي للداعي أن يستشعر أن بدعائه لا يريد نيل مقصوده الذي من أجله دعا الله عز وجل فحسب، بل هو يتعبد الله عز وجل بهذا الدعاء. ولذلك يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: "قال: من كان قصده في دعائه التقرب إلى الله بالدعاء وحصول مطلوبه فهو أكمل، فهو أكمل بكثير ممن لا يقصد إلا حصول مطلوبه فقط، كحال أكثر الناس". ثم قال: "وهذا من ثمرات العلم النافع، فإن الجهل منع الخلق الكثير من مقاصد جليلة ووسائل جميلة". فمعنى كلامه: أنك إذا دعوت الله عز وجل فلتقصد أولاً بدعائك عبادة الله عز وجل، أن الدعاء عبادة قبل أن يكون استجابة لما تطلب ولما تدعو به. أولاً تعلم أن هذا الدعاء عبادة لله سبحانه وتعالى، تتعبد الله عز وجل به. فالدعاء فيه من الانكسار، وفيه من الانطراح بين يدي الله سبحانه وتعالى، وفيه من الذل والتضرع، وكل هذه عبادات جليلة. فمتى استشعرها الداعي نال بهذا الاستشعار الأجر العظيم، الأجر العظيم؛ إذ أنه أدى عبادة عظيمة ألا وهي عبادة الدعاء. فإذا استجاب الله عز وجل لك جمعت بين الأمرين: بين العبادة وبين استجابة الدعاء، وبين استجابة الدعاء. ومن هنا يتبين لك فضل العلم على أهله، فضل العلم على أهله، كما قال الشيخ: "وهذا من ثمارات العلم النافع". نعم، فمن يتفقه ومن يجلس في مجالس العلم تختصر له الطريق. فكثير من العبادات يرجو بها ثواب الله عز وجل قبل أن يرجو بها نيل مطلوب، قبل أن يرجو بها نيل مطلوب. وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». فإن من تفسير معنى هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى يسهل له طريق الجنة بما يعلم من دين الله وبما يفقه من الأحكام الشرعية، فيعبد الله سبحانه وتعالى على علم وبصيرة، على علم وبصيرة. فهذا هو القصد من ذكر هذه الآية متخللة بين أحكام الصيام، بين أحكام الصيام. والغرض من ذلك أن الصائم يكثر من الدعاء في هذا الشهر الفاضل، في هذا الشهر الفاضل، ويتحين كذلك مواطن استجابة الدعاء: قبل الإفطار، أو كذلك في الساعات الأخيرة من الليل، أو في ليلة القدر، العشر الأواخر. يجد ويجتهد في دعاء الله سبحانه وتعالى، ويعلم أنه بذلك في عبادة عظيمة، في عبادة جليلة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.