الدرس في وقفات مع آيات الصيام 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور معنى الرفث في آية الصيام بأنه الجماع، مبيناً أن الحكم في أول الإسلام كان يحرم الأكل والشرب والجماع بعد النوم أو صلاة العشاء. ثم نسخ الله ذلك برخصة الأكل والشرب والجماع ليلاً حتى الفجر تيسيراً على الأمة.
يروي المقطع سبب نزول آية أحل لكم ليلة الصيام الرفث بسبب نوم قيس بن صرمة قبل الإفطار فأغمي عليه من الجوع. ونزلت الآية مباحة الأكل والشرب والجماع من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، مؤكداً أن الصحابة كانوا يعملون في نهار رمضان.
يؤكد المحور أن رمضان ليس موسماً للكسل بل شهر للاجتهاد والجهاد مستشهداً بعمل الصحابة وغزواتهم فيه. ويحث على استغلال الوقت في الطاعات مع شكر الله على النعم والفرح بتيسير الشرع ورفع الحرج.
يعبر المتحدث عن شكره لله على نعمة الإسلام التي هدته إلى كل خير ورفعت عنه المشقة والشر. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا الشكر والدعاء لله تعالى بالقبول والتوفيق.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال الله عز وجل في كتابه الكريم في آخر آية من آيات الصيام: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾. قوله سبحانه وتعالى: «أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم». والرفث المراد به الجماع. وذلك أن في أول ابتداء فريضة الصيام كان الصائم يحل له الأكل والشرب والجماع ما لم ينم بعد إفطاره أو يصل العشاء، فإذا نام أفطر ونام. فبعد ذلك إذا استيقظ من الليل لا يحل له أن يأكل أو أن يشرب أو أن يجامع، بل يستمر في الصيام. أو ما نام لكنه انتظر إلى أن جاء وقت صلاة العشاء، فإذا صلى صلاة العشاء فكذلك لا يجوز له أن يأكل أو يشرب أو يجامع إلى اليوم الثاني، إلى اليوم الثاني. وكما تقدم، المراد بالرفث هنا الجماع، المراد بالرفث هنا الجماع. وأما قوله تعالى في الحج: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾، فهنا الرفث يشمل بما هو أعم من الجماع، فيشمل الجماع ومقدماته، فيشمل الجماع ومقدماته. أما في هذه الآية فالمراد بالرفث يعني آية الصيام الجماع. «أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم» يعني كان إذا نام أحدكم أو صلى العشاء لا يحل له ذلك، فجاءت الرخصة بعد ذلك فرخص للصائم وإن نام أو صلى العشاء أن يأكل ويشرب حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. وهنا فائدة مهمة عند هذه الآية، وهي أن تعلم أخي المسلم فضل الله عز وجل على هذه الأمة وتيسيره ورحمته. فكان هذا الأمر يشق على الصحابة، كون الإنسان إذا نام أو صلى العشاء يحرم عليه الأكل والشرب والجماع، تكون فترة الإفطار فترة يسيرة، فترة يسيرة. والمصيبة إذا نام بعد الإفطار مباشرة أو غلبه النوم بعد دخول وقت الإفطار ولم يفطر بعد، ولم يفطر بعد. وهذا هو سبب نزول هذه الآية. فقد جاء في البخاري عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كان أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كان الرجل صائما فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، يعني إلى الليلة القادمة». قال: «وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، وكان يومه ذلك يعمل في أرضه، يعني كان صائما وكان في حال صيامه يعمل في أرضه له أرض يعمل فيها. قال: فلما حضر الإفطار، جاء وقت الإفطار، أتى امرأته فقال: هل عندكم طعام؟ هل عندكم طعام أفطر به؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، يعني ما يوجد الآن لكن سأبحث وأطلب لك ذلك الطعام. قال: فغلبته عينه فنام منتظر الإفطار، غلبته عينه فنام، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: وجاءت امرأته، فلما رأته نائما قالت: خيبة لك، أنمت؟ يعني ما تستطيع أن تأكل شيئا إذا أيقظتك، لأن من نام ونام بعد الإفطار فإنه لا يحل له أن يأكل شيئا بعد ذلك. قال: فلما انتصف النهار غشي عليه، لأنه يعني بلغ به الجوع مبلغة، فباعتبار أنه يومين لم يفطر وكان يعمل، لم يكن نائما أو جالسا إنما كان يعمل في أرضه، فلما أصبح النهار غشي عليه، انتصف النهار غشي عليه من شدة الجهد والتعب والجوع الذي بلغ به. قال: فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ﴾. قال: ففرحوا بها فرحا شديدا، ففرحوا بها فرحا شديدا، رحمة من الله سبحانه وتعالى». فجعل الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فقط، وأما بعد غروب الشمس إلى قبيل طلوع الفجر الصادق فإن المسلم يحل له أن يأكل وأن يشرب وأن يجامع وأن يفعل كل ما يحل للمفطر، كل ما يحل للمفطر. وهذا الحديث فيه أيضا أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما كانوا يتخذون رمضان موسما للنوم والكسل مع كونهم صياما إلا أنهم يعملون. فانظر إلى هذا الصحابي قيس رضي الله تعالى عنه كان يعمل في أرضه وهو صائم، فرمضان ليس يعني موسما للكسل والنوم وكذلك ترك الأعمال أو إلى غير ذلك، إذا كانت هذه الأعمال يحتاج إليها، يحتاج إليها. وأنتم تعلمون أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خرجوا للجهاد في رمضان، كانت غزوة بدر في رمضان، وكانت كذلك فتح مكة في رمضان، في رمضان. فينبغي للمسلم أن يجتهد في رمضان، وأن كذلك يعلم أن هذا الشهر شهر جهاد ومجاهدة لا شهر نوم وكسل. نعم، إن لم تكن تعمل في أمر دنيوي فاحرص على أن تعمل لآخرتك بالأعمال الصالحة، بالأعمال الصالحة: من قراءة القرآن، من كذلك القيام، من الصلاة، من التسبيح والتهليل والتكبير، من كذلك الإحسان إلى الخلق والتعاون في أمر الخير والبر، وكذلك في أمر الخير وإلى غير ذلك. فكما سمعتم أن هذا الشهر لا يتخذها المسلم شهر كسل وخمول، بل هو شهر جد واجتهاد ومجاهدة. وفي هذا الحديث أيضا، حديث قيس رضي الله تعالى عنه، حديث البراء في قصة قيس، في هذا الحديث أيضا ما كان عليه الصحابة من قلة ذات اليد، من قلة ذات اليد. فانظر يأتي هذا الصحابي إلى امرأته يريد إفطارا فلا يجد، فلا يجد إفطارا، فتذهب وتطلب له الإفطار. ونحن اليوم، الحمد لله، البيوت عامرة بالطعام وبالتزود منه، ربما يكفي رمضان وأكثر من رمضان. فالمسلم يحمد الله عز وجل على ما منى وأنعم عليه من تلك النعمة الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، التي لا تعد ولا تحصى. وفي هذا الحديث أيضا مشروعية فرح المسلم بما ينزل الله عز وجل من التيسير، من التيسير، ومن كذلك رفع الحرج والمشقة. فكما سمعت في هذا الحديث، قال البراء رضي الله تعالى عنه: ففرحوا بها فرحا شديدا، ففرحوا بها فرحا شديدا. كيف لا يفرحون وفي هذا الحكم وكذلك التنزيل من الرحمة ومن رفع المشقة؟ وفي هذا كذلك رحمة الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة، وهو مصداق قول الله عز وجل: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾، ما جعل الله عليكم في الدين من حرج. والأدلة على ذلك كثيرة. فنحمد الله عز وجل أن جعلنا مسلمين، أن جعلنا من أهل هذا الدين العظيم الذي ما من خير إلا وقد أرشدنا ودلنا عليه، وما من مشقة وشر وعسر إلا وقد رفعه عنا. فنحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة العظيمة. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى تعالى.