الدرس في شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 4، ألقاها
شرح أهمية اتباع السيئة بالحسنة لمحوها، حيث يشبه ابن تيمية ذلك بوصف الطبيب للدواء المناسب. الذنب حتمي للعبد، ولكن العاقل يسارع بالتوبة والحسنات.
الاعتدال في الغضب والشهوة لتحقيق الكمال الإنساني، والحسنات تمحو السيئات خاصة إذا كانت من نفس جنسها. الشيطان يحاول إغواء الإنسان بالتفرط أو الإفراط.
التوبة هي الندم على الذنب والعزم على عدم العودة، ولها شروط. الاستغفار دعاء بالمغفرة وقد يكون بالتوبة أو بالأعمال الصالحة، وقد يغفر الله بغير توبة.
الاستغفار والتوبة كفارة للذنوب، والجمع بينهما يحقق كمال الطاعة. الله غفور رحيم يتوب على من يشاء، ونسأله التوبة والمغفرة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «الوصية الصغرى»: قال، ثم قال ﷺ: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». قال: فإن الطبيب متى تناول المريض شيئًا مضرا أمره بما يصلحه. والذنب للعبد كأنه أمر حتم، فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات. قال رحمه الله تعالى -أي قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى شارحًا لحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه- في وصية النبي ﷺ له، وهو في قوله: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها». قال رحمه الله: فإن الطبيب متى تناول المريض شيئًا مضرا أمره بما يصلحه. هذا طبيب الأبدان، وكذلك طبيب القلوب، كذلك طبيب القلوب متى ما تناول المريض شيئًا مضرا أمره بما يصلحه، أي من الأدوية النافعة التي تكون سببًا -بإذن الله رب العالمين- لشفائه. قال رحمه الله: والذنب للعبد كأنه أمر حتم، أي مدرك ذلك لا محالة، أي أن الإنسان -أن العبد أن المسلم- لا بد أن يحصل لهم ما يحصل من الهفوات أو ما يحصل لهم من الزلات، فإذا حصل منه ذلك، هل ينقطع أمامه الباب إلى الله جل وعلا؟ والجواب: لا، هناك ما جعله الله جل وعلا أسبابًا لتكفير السيئات ولإزالة الحسنات، وهذا من كرم الله ومن عطاء الله ومن فضل الله تبارك وتعالى على عباده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. قال الشيخ الإسلام رحمه الله: والذنب للعبد كأنه أمر حتم، فالكيس -أي العاقل إنسان العاقل الحازم- قال: فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات. الإنسان الموفق، الإنسان العاقل، الإنسان المسدد إذا وقعت منه الزلة، إذا وقع منه الهفوة، فإنه يسارع إلى الله جل وعلا في الرجوع إلى الله، في التوبة إلى الله، في عمل الحسنات والاستكثار منها؛ لأجل أن يمحو الله تبارك وتعالى ما حصل منهم من السيئات، ما حصل منهم من الزلات، ما حصل منهم من الهفوات. هذا هو حال الكيسين من الناس، لذا يقول الشيخ الإسلام رحمه الله: فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات مستمر، وقعت منه زلة مستمر في عمل الخيرات والحسنات؛ لأجل أن يكفر الله جل وعلا عنه تلك السيئة وتلك الخطيئة. ومن عجيب ما ذكره بعض السلف -كما ذكر ذلك عن الحسن وشرحه وبينه العلامة ابن القيم رحمه الله- أن العبد ربما يكون الذنب الذي يذنبه سببًا لدخوله الجنة، وهذا ليس فيه معنى التهاون بالذنوب والمعاصي، ليس فيه هذا المعنى؛ لأنه لا يتهاون بالذنوب والمعاصي إلا من ضعف دينه ورق إيمانه، وإلا الإنسان الأصل فيه أنه يسعى إلى الكمال والسلامة هذا بطبعه، فضلا عن أن يكون عاقلا، فضلا عن أن يكون دينا. الإنسان بطبعه يسعى إلى الكمال، هذا الإنسان الذي فطرته سليمة يسعى إلى الكمال، يختار بين أمرين ينظر الكامل بين كامل وأكمل يختار الأكمل، وهذا هو -كما سمعتم- أمر مغروز في فطرة ابن آدم. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: باعتبار ما غرز الله تبارك وتعالى فيه في بني آدم -بل في الإنسان ويدخل فيه كذلك الجان- من قوتين عظيمتين، إن استخدمتا في الخير كانتا على خير، وهي القوة الغضبية والقوة الشهوانية، إذا استخدمت في طاعة الله تبارك وتعالى كانتا في خير وكمال، وإن استخدمت في غير ذلك أهلكت العبد. فالعبد كل عبد بفطرته مغروز فيه هاتين الطبيعتين: القوة الغضبية -أي يغضب- وهذه القوة الغضبية تكون سببًا -كما يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى- لدفع الضار والمؤذي. والقوة الشهوانية سبب لجلب النافع، سبب لجلب النافع. ففي غريزة ابن آدم هاتين القوتان: القوة الغضبية التي بها يدفع الضار عن نفسه، والقوة الشهوانية التي بها يجلب النافع إلى نفسه. وهذه -كما سمعتم- إن استخدمت في الخير ووفقًا لطاعة الله جل وعلا ولأمر الله جل وعلا ولشرع الله جل وعلا كمل بها الإنسان. جاء عن قتادة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال -وهو يتكلم على أقسام الناس-: الإنسان إذا غلبت عليه شهوته فهو شبيه بالحيوان، الحيوان صاحب شهوات، حيث مشتهى انطلق. قال رحمه الله تعالى: ومتى ما غلب عليه غضبه، غلب عليه غضبه، قال: فهو شبيه بالشيطان؛ لأن الشيطان طبعه الطيش والغضب -أو بهذا المعنى-. قال رحمه الله تعالى: ومتى ما اعتدل منهم الأمران صار إلى ما طلب منه أو أريد منه -ذكر كلامًا- هذا معناه، أي أن الإنسان كلما اعتدلت فيه هذه الطبع وكانت وفقًا لما أراده الله جل وعلا كان على الكمال، وكلما فرط في شيء وأفرط في آخر، كلما كان منسوبًا إلى ذلك الشيء. إذا كان يغلب الشهوات يقال له: شهواني، وإذا كان يغلب الغضب والطيش والشطط يقال له: ماذا؟ غالي. وهكذا، والحق بين هذا وذاك، ورحم الله ابن القيم رحمه الله تعالى. قال السلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: نزغة إلى تفريط وإضاعة، ونزغة إلى إفراط وغلو. قال: ودين الله وسط بين الغالي والجافي، كالوادي بين جبلين. فالحاصل من هذا أن المسلم والمؤمن العاقل يسعى إلى الكمالات ما استطاع إلى ذلك سبيلا. لذا -كما سمعتم- كان مما ذكره الحسن البصري وعلق عليه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى أن قال: رب سيئة تكون سببًا لدخول الجنة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كلام له معنى: ومعنى هذا أن الرجل ربما يذنب الذنب، أن الرجل ربما يذنب الذنب، فإذا وقع منه ذلك الذنب، ندم وتحسر، ندم وتحسر، وانكسر، وانطرح بين يدي الله تبارك وتعالى ذليلًا خاضعًا معترفًا بذنبه، منيبًا إلى ربه جل وعلا، ولا يزال يرى أثر أو يرى ذلك الذنب أمام عينيه، فيزداد إقبالًا على الله جل وعلا، وطاعة لله جل وعلا، ومحبة لله جل وعلا، وخشية لله جل وعلا، قال: فيكون ذلك سببًا لدخوله الجنة. قال رحمه الله: وإنما قدم في لفظ الحديث السيئة وإن كانت مفعولة؛ لأن المقصود هنا محوها لا فعل الحسنة، أي أن المقصود أن الإنسان لما وقعت منه السيئة طلب ماذا؟ محو تلك السيئة، كما أن الإنسان إذا حصل منه المرض أو حصل له المرض طلب ماذا؟ إذهاب ذلك المرض. قال: فصار كقولي في بول الأعراب: «صبوا عليه ذنوبًا من الماء»؛ حتى يذهب أثر ذلك البول وأثر تلك النجاسة. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات؛ فإنه أبلغ في المحو. والذنوب يزول موجبها بأشياء، يقول الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وينبغي -وهذه لطيفة وفائدة من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يذكرها في هذا الموضع- يقول: وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات؛ فإنه أبلغ في المحو، ينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات. أنت ظلمت في مال، فليكن حسناتك في الصدقات. أنت ظلمت في عرض، فتكثر الحسنات في ماذا؟ في باب ذكر الأعراض وذكرها بالمحاسن والخير. أنت أذنبت بترك مثل صلاة، أكثر من نوافل الصلاة. تركت صيام، أكثر من نوافل الصيام. وهكذا. فيقول الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى منبها على هذه اللطيفة: يقول: وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات؛ أي يكون الإكثار من عمل الحسنات، ولا سيما من جنس ماذا؟ السيئة التي وقعت من ذلك العبد؛ فإنها أبلغ في المحو. قال رحمه الله تعالى: والذنوب يزول موجبها بأشياء، أحدها التوبة، أي أن التوبة سبب عظيم في تكفير الذنوب والسيئات. وأدلة ذلك كثيرة، قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾، وآية كثيرة في هذا المعنى. فالتوبة بشروطها المذكورة -وقد أشير إليها في الدرس الماضي- مقبولة مطلوبة، أن التوبة كفارة أو مكفرة للذنوب. وحقيقة التوبة -كما يقول علماء رحمهم الله تعالى- حقيقة التوبة هي الندم والحسرة على الذنب، والعزم على عدم المعاودة، هذا هو حقيقة التوبة. الندم والحسرة إنسان وقع منه ذنب يتحسر ويندم أن وقع منه ذلك الذنب، ثم يعزم على أن لا يعود إلى ذلك الذنب مرة ثانية، أن لا يعود إلى ذلك الذنب مرة ثانية. وإن ارتكب ذلك الذنب مرة ثانية فإنه يجدد له توبة أخرى. فالحاصل أن حقيقة التوبة -كما يقول علماء رحمهم الله تعالى- ما دارها على أمرين: الندامة والحسرة على ما صدر منه من ذنب، والأمر الثاني العزم على أن لا يعود إلى ذلك الذنب. وشروطها معروفة، شروطها -كما يقول علماء رحمهم الله تعالى- من حيث الجملة، ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى ثلاثة شروط، وإذا كانت الحقوق فيما بين العبد وبين ربه جل وعلا، وذكر رابعًا إذا كان بين العباد بعضهم لبعض. أولها: الندم. ثانيها: الإقلاع. ثالثها: عدم المعاودة. والرابع: إذا كان حقًا للغير أن يؤدي وأن يرد ذلك الحق للغير وأن يستسمح منه. وأضاف بعض العلماء شرطين آخرين: أحدهما الإخلاص، أن تكون التوبة خالصة لوجه الله تبارك وتعالى؛ لأن عبادة؛ فلا تكون رياءًا ولا تكون سمعة، وإنما تكون لوجه الله تبارك وتعالى. والشرط الآخر: أن تكون في زمن التوبة، أن تكون في زمن التوبة، أي قبل أن يغرغر؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لا يزال باب التوبة مفتوح ما لم يغرغر» كما جاء في حديث ابن عمر عند أصحاب السنن، وكذلك ما لم تطلع الشمس من مغربها. فالتوبة السبب الأول من أسباب تكفير السيئات بإذن الله تبارك وتعالى، ولا سيما إذا كانت مستوفية للشروط. الثاني: الاستغفار. قال: والثاني الاستغفار من غير توبة، الاستغفار من غير توبة، فإن الله تعالى قد يغفر له إجابة لدعائه وإن لم يتب. فإذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال. هذا الأمر الثاني والمكفر الثاني الاستغفار، يقول رحمه الله تعالى: الاستغفار، ومع الاستغفار طلبوا المغفرة طلبوا المغفرة من الله تبارك وتعالى. والفرق بين التوبة والاستغفار: أن الاستغفار دعاء بالمغفرة، أن الاستغفار دعاء بالمغفرة، ثم هذا الدعاء بالمغفرة قد يكون بالتوبة، وقد يكون بالأعمال الصالحة والحسنات، أي أن الاستغفار واسع، الاستغفار باب واسع. قد يكون بالتوبة استغفار بالتوبة، وقد يكون استغفار بطلب المغفرة من الله جل وعلا بالدعاء، وقد يكون بماذا؟ بفعل الحسنات والطاعات، فهو أوسع من التوبة. وأما التوبة فحقيقتها كما تقدم: أن الندم على الذنب والعزم على عدم العود إليه. وقوله رحمه الله تعالى: والثاني الاستغفار من غير توبة، بمعنى أن الإنسان قد يستغفر الله تبارك وتعالى من الذنب وإن لم يتوب، كيف هذا؟ أي إنسان وقع منه ذنب وقعت منه هفوة وزلة يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، يستغفر الله من قلبه، ليس بلسانه فقط، بل يستغفر الله جل وعلا بقلبه ولسانه يعبر عما في قلبه. فهذه مغفرة من غير توبة، أي قد يكون عنده ما زال عنده شهوة للرجوع إلى عمل ذلك العمل، ولكنه يستغفر الله، يستغفر الله، فيقول الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فإن الله تعالى قد يغفر له. وقوله: قد يغفر الله له إجابة لدعائه وإن لم يتوب، بمعنى أن الاستغفار من أسباب تكفير الذنوب، وليس هو في الدرجة كالتوبة. وهذا يعني هذا الأمر مرجعه إلى مسألة سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا الكلام عليها في الدرس اللاحق، وهي: هل الأعمال الصالحة تكفر الكبائر والصغائر وإن لم يتوب صاحبها منها؟ أي الإنسان إذا ارتكب كبائر أو بعض الكبائر، وارتكب بعض الصغائر أيضًا، هل الأعمال الصالحة تكفر تلك الكبائر والصغائر أم أنه لا بد له من توبة؟ هذا سؤال يأتي الجواب عليه في الدرس اللاحق بإذن الله تبارك وتعالى. والمقصود ها هنا أن نعلم أن من كفارات الذنوب الاستغفار إلى جانب التوبة، فإن جمع بين التوبة والاستغف، فهو نور على نور، وكمال إلى كما نسأل الله تبارك وتعالى أن يتوب علينا وأن يغفر لنا، إنه هو الغفور الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.