الدرس في شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 5، ألقاها
الأعمال الصالحة المكثرة تمحو السيئات وتكفر الذنوب، وتشمل كفارات مقدرة ومطلقة. وضرب أمثلة على الكفارات المقدرة مثل المجامع في رمضان والمظاهر وتارك واجبات الحج.
الأعمال الصالحة تكفر الذنوب، وهناك آراء متباينة حول ما إذا كانت تكفر الكبائر والصغائر أم تقتصر على الصغائر فقط. وأهمية التوبة في تكفير الذنوب.
هناك آراء متباينة حول تأثير الأعمال الصالحة على محو الكبائر، فمنهم من يرى أن الكبائر لا تمحى إلا بالتوبة، ومنهم من يرى أن الأعمال الصالحة الكثيرة يمكن أن تكون سببًا لمحوها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «الوصية الصغرى»: «وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات؛ فإنه أبلغ في المحو». والذنوب يزول موجبها بأشياء؛ أحدها: التوبة، والثاني: الاستغفار من غير توبة، فإن الله تعالى قد يغفر لهم إجابة لدعائه وإن لم يتب. فإذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال. هذان الأمران قد مر معنا في درسنا السابق. قال رحمه الله تعالى: «الثالث: الأعمال الصالحة المكثرة». الأمر الثالث من الحسنات التي يمحو الله جل وعلا بها السيئات. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الأعمال الصالحة المكثرة؛ فلابد أن تكون أعمالًا، وهذه الأعمال لا بد أن تكون صالحة، وزاد وصفًا فيها وهو أن هذه الأعمال تكون مكفرة». ومعنى كونها مكفرة: أي دلت الأدلة الشرعية على أنها مكفرة، كما سيأتي ذكر أجناسها في كلام الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: «الثالث: الأعمال الصالحة المكفرة؛ إما الكفارات المقدرة، كما يكفر المجامع في رمضان، والمظاهر، والمرتكب لبعض محظورات الحج، أو تارك بعض واجباته، أو قاتل الصيد بالكفارات المقدرة». قال: «وهي أربعة أجناس: هدي، وعتق، وصدقة، وصيام». يقول الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «الأعمال الصالحة المكفرة؛ قال: إما أن تكون كفارات». وقوله رحمه الله: «إما الكفارات المقدرة؛ أي التي قدرها الشرع». الكفارات المقدرة: أي التي قدرها الشرع حدها وجعلها، وأمر بها ربنا تبارك وتعالى، وكذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. كما ذكر رحمه الله تعالى: «كما يكفر المجامع في رمضان؛ الرجل إذا جامع في رمضان قد ارتكب ذنبًا عظيمًا وكبيرة من كبائر الذنوب، فجعل له الشرع أن يكفر عن ذلك الذنب بكفارة». وكذلك المظاهر الذي يظاهر من امرأته، يقول: «امرأتي أنت علي كظهر أمي؛ فهذا أتى بذنب، وهو كذلك من كبائر الذنوب». وإنكم -يعني الذي يظاهر من امرأته- قد أتيتم بذنب، وقول باطل ومنكر وزور، فرتب الله جل وعلا عليه كذلك الكفارة. «وإنكم لتقولون منكرًا من القول وزورًا؛ فسماه الله جل وعلا منكرًا من القول وزورًا». كذلك قال: «والمرتكب لبعض محظورات الحج؛ إنسان إذا ارتكب بعض محظورات الحج، مثلًا: تطيب وهو محرم، أو قبل امرأته وهو محرم، أو قطع شعرًا وهو محرم، إلى غير ذلك من محظورات الإحرام؛ فقد رتب على ذلك كذلك كفارة». قال: «أو تارك بعض واجباته؛ كذلك إن ترك بعض واجبات الحج، كأن يكون أحرم من غير الميقات، أي: بعد أن دخل الميقات أحرم، لم يحرم من الميقات؛ ها ترك واجبًا، فعليه كذلك كفارة، وهي الهدي». قال: «أو قاتل الصيد بالكفارات المقدرة؛ هذه كلها كفارات جعلها الله جل وعلا للذنوب التي ربما يقع فيها الناس في أحوال». لذا قال: «وهي أربعة أجناس: هدي؛ أي: بالنسبة لأمور الحج؛ أي: فعل محظور أو ترك مأمور؛ هديا بالغ الكعبة». قال: «وعتق؛ وهذا يكون في المجامع في شهر رمضان، أو كذلك المظاهر». «وصدقة؛ يعمها جميعها على خلاف في بعضها؛ هل هو على سبيل البدل أم على سبيل التخيير». قال: «وصدقة، وصيام؛ كذلك هذه كلها أجناس كفارات جعلها الله جل وعلا لمن فعل محرمًا؛ بأن الله جل وعلا جعل ذلك أو هذه الأعمال مكفرة لهذه أو لتلك المعاصي والذنوب التي فعلها ذلك العبد». قال رحمه الله: «وإما الكفارات المطلقة». الأولى: الكفارات المقيدة المقدرة، والثاني: الكفارات المطلقة. ومعنى المطلقة: التي لم يأتِ تقديرها بقدر معين من الشرع. قال: «وأما الكفارات المطلقة؛ كما قال حذيفة لعمر: فتنة الرجل في أهله وماله وولده؛ تكفرها الصلاة، وصيام، وصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». أي: أن هذه الأعمال الصالحة من أسباب تكفير الذنوب. «فتنة الرجل في أهله، وفي ماله، وولده؛ أي: إذا ابتلي في أهله، ابتلي في ماله، ابتلي في ولده؛ فإن هذه الأمور تكفرها الصلاة؛ إذا وقعت منه زلات، أخطاء في هذه الأمور؛ فإنها تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ هذه كفارات». هذه كفارات مطلقة لذنوب ربما تصدر من العبد، ولا أحد يسلم من الذنوب. فربنا تبارك وتعالى بواسع رحمته جعل للعبد أسبابًا بها يمحو السيئات التي قد تصدر منه. وهذا مصداقًا لإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم: «وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ؛ تمحُها». أي: إذا حصلت الزلة، أتبعها بماذا؟ بحسنة. حصل الخطأ، أتبعها بماذا؟ بحسنة. فإن هذه بتلك؛ أي: أن الحسنة يمحو الله جل وعلا بها تلك السيئة بإذنه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «وقد دل على ذلك القرآن والأحاديث الصحاح في التكفير بالصلوات الخمس، والجمعة، والصيام، والحج، وسائر الأعمال التي يقال فيها: من قال كذا، وعمل كذا، وعمل كذا؛ غفر له، أو غفر له ما تقدم من ذنبه، وهي كثيرة لمن تلقاها من السنن؛ خصوصًا ما صنف في فضائل الأعمال». يشير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى الأحاديث النبوية الصحيحة التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، التي فيها وظاهرها تكفير الذنب والخطايا؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث، ولم يفسق؛ عاد كيوم ولدته أمه». كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام يومًا أو صيام يوم عاشوراء؛ احتسب أن يكفر الله به السنة الماضية والآتية؛ أو كما قال صلى الله عليه وسلم». وكذلك صيام يوم عرفة يكفر الله جل وعلا به عامًا أو سنة مضت؛ إلى غير ذلك. فقوله صلى الله عليه وسلم: «كفار، ويكفر، ويغفر، ويومًا، ويعود كيوم ولدته أمه؛ إلى غير ذلك؛ هذه أدلة تدل بظاهرها أن الله جل وعلا يمحو بهذه الأعمال الصالحة السيئات، ويكفر الله جل وعلا بها السيئات». وهذه الأدلة ظاهرها -كما سمعتم- هذا الأمر. والعلماء رحمهم الله تعالى من حيث الأعمال الصالحة أنها تكفر السيئات؛ هذا أمر واضح -كما سمعتم- دلت عليه الأدلة الشرعية. بقي: هل هذه الكفارات -أي بهذه الأعمال- هي عامة لكل ذنب؛ أي: للكبائر والصغائر؟ أم أنها خاصة بالصغائر، والكبائر لا بد لها من توبة؟ فذهب جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى -بل ذهب إلى هذا الجمهور، وحكي إجماعًا- أن هذه الأعمال الصالحة إنما تكفر الصغائر، وأما الكبائر فلا بد لها من توبة. الكبائر لا بد لها من توبة؛ مثلا: رجل سرق، رجل شرب الخمر، زنى، بل اغتاب، كذب، افترى، ظلم؛ إلى غير ذلك من أنواع الكبائر. يقول هذا الإنسان: لو عمل ما عمل من الأعمال الصالحة؛ فإن هذه الكبائر لا تكفر إلا بتوبة؛ فإن هذه الكبائر لا تكفر إلا بتوبة. وهذا -كما سمعتم- حكي هذا القول عن الجمهور. وذهب جماعة آخرون من السلف رضي الله عنهم، من الأئمة رحمهم الله تعالى، إلى أن الأعمال الصالحة تكفر الكبائر والصغائر؛ أخذًا بعمومات الأدلة المذكورة. قالوا: فالأدلة المذكورة لم تذكر توبة، لم تذكر توبة؛ بل جاءت مطلقة؛ فالأصل بقاؤها على إطلاقها. فأجاب عنهم -أو قال- الأولون: بلى، قد جاءت في بعض الأحاديث مقيدة؛ كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر؛ إذا اجتنبت الكبائر». قالوا: فإذا هي مكفرات إذا اجتنبت الكبائر؛ أما إذا لم تجتنب الكبائر فلا؛ أما إذا لم تجتنب الكبائر فلا. لذا فرع عن هذه المسألة مسألة أخرى؛ وهي أن الصغائر لا تدفع أو لا تغفر حتى يتوب صاحبها من الكبائر. وهذا قول مرجوح. فنرجع إلى مسألتنا؛ وهي: ما هو الصحيح من أقوال العلماء في هذه المسألة؟ ما هو الصحيح من أقوال العلماء في هذه المسألة؟ هل الكبائر لا بد لها من توبة؟ أم أن العبد ربما يفعل من الأعمال الصالحة ما يفعله؛ فتكون سببًا لمحو السيئات وتكفيرها؛ لمحو السيئات وتكفيرها؟ كما سمعتم هذان قولان. وظاهر بعض كلام أهل العلم أنه يذهب إلى قول متوسط؛ وهو القول بماذا؟ بأن الكبائر لا تمحى إلا بتوبة؛ ولكن العبد إذا عمل الأعمال الصالحة الكثيرة؛ فهذه الأعمال ربما تكون سببًا لمحوها؛ باعتبار الموازنة في الميزان؛ أي: تغلب الحسنات على السيئات؛ فتكون سببًا لرجحان كفة الحسنات على السيئات. وهذا القول -وإن أريد به صاحبه التوسط- لكنه كذلك فيه ضعف؛ فيه ضعف. والأظهر -والله أعلم وأعلم- أن يقال: إن من الأعمال الصالحة ما تكون سببًا -بإذن الله تبارك وتعالى- لمحو جميع السيئات؛ لمحو جميع السيئات؛ كما هو ظاهر الأحاديث المذكورة فيما تقدم. وبعض الأعمال لا تكفر كل السيئات؛ لا تكفر كل السيئات. وهذا القول لعله يكون أقرب؛ وهو الذي يظهر من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى له كلام يميل -أو فيه إشارات- إلى معنى هذا القول؛ أي: أن الأعمال الصالحة العظيمة التي يقوم بها صاحبها، وقد ملئ قلبه تعظيمًا وإجلالًا ومحبة لله تبارك وتعالى؛ أنها قد تكون سببًا لمحو السيئات؛ قد تكون سببًا لمحو السيئات. فليس كل عمل يمحو الله جل وعلا به أو به الكبيرة؛ لكن من الأعمال ما قد تكون سببًا -بإذن الله تبارك وتعالى- لمحو جميع السيئات. وهذا يدل عليه كذلك هذا الحديث الذي هو بين أيدينا: «أتبعِ السيئةَ الحسنةَ؛ السيئة الألف، واللا عامة؛ يدخل فيها الصغائر والكبائر؛ يدخل فيها الصغائر والكبائر». فالصغائر سيئات، والكبائر كذلك سيئات؛ فنبي صلى الله عليه وسلم آمر بماذا؟ بأن تتبع السيئة بالحسنة؛ تمحها؛ تمحها. وجاء في الصحيح -البخاري وغيره- من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: بينما أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ دخل عليه رجل فقال: يا رسول الله؛ إني أصبت حدًا؛ فأقم عليه. قال: أنث؛ فلم يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قامت الصلاة. قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته؛ أتاه الرجل فأعاد عليه الكلام؛ فقال: يا رسول الله؛ إني أصبت حدًا؛ فأقمه علي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم تصلي معنا؟» قال له الرجل: نعم. فقال: «فإن الله قد غفر لك؛ فإن الله قد غفر لك». وهذا فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة تكون سببًا من أسباب مغفرة الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الحكم بماذا؟ بصلة. قال: «أصليت معنا؟» قال: نعم. ما قال: هل تبت؟ هل صليت معنا؟ قال: نعم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن الله قد غفر لك». وهو ظاهر أنه فعل حدًا؛ أي: ما يستوجب الحد. ومع هذا قد غفر له؛ فدل هذا على هذا المعنى. وجاء كذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إني أصبت من امرأة قبلة؛ فماذا عليه؟ أو قال: ما هو كفارة ذلك؟ يسأل عن عمل حصل منه زلة؛ فندم وآتى النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا يصنع؟ ماذا عليه؟ عليه حد؟ عليه شيء؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم كذلك جاء في بعض الحديث أنه صلى؛ وقرأ عليه قول الله جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. قال بعض الحاضرين: يا رسول الله؛ أله خاصة؟ أم لنا جميعًا؟ قال: «بل لكم جميعًا؛ أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم». فالأظهر -والله أعلى وأعلم- أن من الأعمال الصالحة التي يقوم بها العبد، وقد ملئ قلبه تعظيمًا ومحبة وإجلالًا لله تبارك وتعالى؛ ما يكون سببًا لمحو السيئة وتصفية القلب منها تمامًا، وخلوصه من كل شائبة؛ فيصير القلب إلى ما يصير إليه من نقاء وصفاء -بإذن الله تبارك وتعالى- بفعله لتلك الحسنة؛ وإن لم يحدث توبة من ذلك الذنب المعين. والله تعالى أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.