شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 10

الدرس في شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 10، ألقاها

اختلاف فضل الأعمال باختلاف الناس والأحوال

فضل الأعمال بعد الفرائض يختلف باختلاف الناس وأحوالهم، والفضل في الأعمال يعود إلى أمر الله بالعمل وما يقوم بقلب العبد من الإيمان والمحبة. يُضرب مثال ذلك بقصة الرجل الذي دخل الجنة بقطع شجرة مؤذية وقصة المرأة البغي التي دخلت الجنة بسقيها كلبًا عطشان.

فضل الذكر والعلم والدعاء

يُبيّن فضل ذكر الله تعالى وأهمية العلم والدعاء في الإسلام، حيث يُعتبر الذكر من أفضل الأعمال، والعلم مصححًا للعمل ومقربًا إلى الله، والدعاء من أفضل الأعمال وأعظمها عند الله تعالى. يُستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأقوال علماء الإسلام.

تعلق القلب بالله تعالى وتعظيمه

يتحدث عن أهمية تعلق القلب بالله تعالى وتعظيمه ومحبته، ويشير إلى أن الله لا يخيب عبده الذي يرجو رحمته، ويتضمن الدعاء للجميع بالتوفيق لما يحب الله ويرضى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «الوصية الصغرى»: «وأما ما سألت عنه -أي ما سأل عنه السائل في أول هذه الوصية- قال: وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض -أي ما هي الأعمال أو ما هو العمل الذي هو أفضل بعد أداء الفرائض- قال رحمه الله تعالى: فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم، فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد». وهذا كلام إجمال من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فيه تنبيه على مدار الفضل في الأعمال، وأن مدار الفضل في الأعمال يختلف باختلاف الناس وباختلاف أحوالهم، وباختلاف كذلك الأزمنة والأمكنة. فرب عمل يكون فاضلًا في زمان، وغيره أفضل منه، ويكون في زمان آخر العكس، وهكذا. مثال ذلك: لو كان إنسان يسكن -مثلًا- في مكة قريبًا من الحرم، فالصلاة في الحرم -كما تعلم- بمئة ألف صلاة، هذا عمل عظيم وعمل فاضل وخير كثير. لكن لو أن ذلك الزمن حصل فيه أو نادى منادي الجهاد الشرعي في سبيل الله تبارك وتعالى، في مثل هذه الحالة يكون الجهاد أفضل وأعظم أجرًا. لذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بعض كتبه تنبيهًا لطيفًا حول مدار فضل أو أفضل أعمال بعد الفرائض، فذكر رحمه الله تعالى أن ذلك قد يعود إلى أمرين: أن ذلك -أي الفضل- يعود إلى أمرين، تارة يعود إلى الأمر نفسه -أي إلى أمر الله تبارك وتعالى بذلك العمل- وأحيانًا أو تارة يرجع إلى ما يقوم بقلب العبد تجاه ذلك العمل. فرب عمل يقوم به العبد، لكن يكون ذلك العبد قد قام به، وفي قلبه من المحبة والتعظيم والإيمان بالله رب العالمين جل وعلا أعظم بكثير من عمل آخر قد يكون في الفضل أحسن منه، لكن بسبب ما قام بقلب العبد من الخير والمحبة والتعظيم والإجلال لله رب العالمين جل وعلا يكون ذلك العمل أفضل. تعلمون ما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «دخل رجل الجنة بجذع قطعه من طريق الناس» -يعني قطع شجرة كانت تؤذي الناس- كانت في طريق الناس، فكانت سببًا لدخول الجنة. والناظر في هذا العمل يجده من ماذا؟ من أضعف الإيمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». فأدناها إماطة الأذى عن الطريق. ومع هذا، فذلك الرجل لما قطع ذلك الجذع وتلك الشجرة التي كانت تؤذي الناس، وقد قام في قلبه ما قام من الإيمان والتعظيم والمحبة ونية التقرّب بالله تبارك وتعالى، كان ذلك العمل سببًا لدخوله الجنة. كذلك ما جاء في الصحيحين في قصة تلك المرأة البغي من بغايا بني إسرائيل التي رأت كلبًا يلهث من شدة العطش، فأخذت موقها فاغترفت ماء من البئر، فسقى ذلك الكلب، فشكر الله لها، فأدخلها الله الجنة. فأدخلها الله الجنة. العمل -الناظر فيه- يجد أنه عمل ماذا؟ عمل سهل وعمل يسير. لكن لما قام في قلب تلك المرأة ما قام من التعظيم والإنابة والخشية والإيمان بالله رب العالمين جل وعلا، كان ذلك العمل سببًا لدخولها الجنة. فكما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العمل أو أن فضل العمل يكون تارة باعتبار الأمر -أي باعتبار أمر الله تبارك وتعالى به- وهذا يتنوع ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان والأمكنة. وكذلك يكون فضلًا تارة باعتبار آخر: باعتبار ما يقوم به العبد وما يقوم بالعبد من أحوال الإيمان والتعظيم والإخلاص ونية القربة لله رب العالمين جل وعلا، فيكون ذلك العمل أفضل. إذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ها هنا: «فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم، فيما يقدرون عليه وفيما يناسب أوقاتهم». قال: «فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد»؛ لماذا؟ لاختلاف الناس وأحوالهم وأوقاتهم وأمكنتهم إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: «لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره: أن ملازمة ذكر الله دائمًا هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة». وعلى ذلك دل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبق المفردون». قالوا: يا رسول الله، ومن المفردون؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات». سبق -أي سبق هؤلاء غيرهم- سبق هؤلاء غيرهم. فدل ذلك على أن ذكر الله تبارك وتعالى كثيرًا من أعظم الأعمال التي يسبق بها العبد غيرهم من أهل الخير بمسابقة الأعمال. فمن أعظم الأعمال -كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى- مداومة العبد على ذكر الله تبارك وتعالى. قال: «وفيما رواه أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قال الصحابة رضي الله عنهم: «بلى يا رسول الله». قال: «ذكر الله». فهذا فيه ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من فضيلة ذكر الله تبارك وتعالى، وأنها من أفضل الأعمال بالجملة. قال رحمه الله تعالى: «والدلائل القرآنية والإيمانية بصَرًا وخبرًا ونظرًا على ذلك كثيرة» -أي تدل على هذا المعنى- على أن ذكر الله تبارك وتعالى كثيرًا من أفضل الأعمال. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]. وقال جل وعلا: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]، وقال جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200]. والله تبارك وتعالى في آيات كثيرة من كتابه يحث على ذكر الله. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «قال: وأقل ذلك -أي أقل الذكر- أن يكون العبد من الذاكرين». يقول: «وأقل ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين صلوات الله عليه وسلم، كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره، وعند أخذ المضجع، وعند الاستيقاظ من المنام، وأدبار الصلوات». قال: «والأذكار المقيدة -مثل ما يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخلاء والخروج من ذلك، وعند المطر والرعد إلى غير ذلك». قال: «وقد صنفت في ذلك الكتب المسماة بعمل اليوم والليلة». قال: «ثم ملازمة الذكر مطلقًا، وأفضله لا إله إلا الله». كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل ما قلته أنا والنبيون قبل يوم عرفة: لا إله إلا الله». وقد تعرض أحوال يكون فيها بقية الذكر -مثل سبحان الله والحمد لله والله أكبر- أفضل من لا إله إلا الله منفردة. وهذا فيه إشارة إلى مسألة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي: ما هو أفضل الذكر؟ فما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من تفصيل يذهب ذلك الإشكال، وهو أن أفضل الذكر يختلف باختلاف الأحوال والمناسبات. فرب ذكر يكون أفضل في حال، في مكان، في زمان، من غيره، والعكس بالعكس. قال رحمه الله تعالى: «ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب إلى الله -من تعلم علم وتعليمه، وأمر بمعروف ونهي عن منكر- فهو من ذكر الله». فهو من ذكر الله. ولهذا: من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلسًا يتفقه أو يفقه فيه الناس الفقه الذي سماه الله ورسوله فقها -فهذا أيضًا من أفضل الذكر- هذا أيضًا من أفضل الذكر. أي أن مجالس العلم -مجالس الذكر- هي من أفضل الذكر، وهي من أفضل القربات. كيف له النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يقرؤون فيه أو يتدارسون فيه كتاب الله، إلا نزلت عليهم الرحمة، وغشيتهم السكينة، إلا حفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فأمر مجالس الذكر أمرها عظيم. بل يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «لا أعلم عملًا -بعد الفرائض- أفضل من العلم لمن صلحت نيته». وأما الزهري رحمه الله تعالى فيقول: «لا أعلم عملًا يقرب إلى الله جل وعلا أعظم من العلم»؛ لأن العلم -كما يقول علماء الإسلام رحمهم الله تعالى- هو المصحح للعمل؛ إذ لا عمل بغير علم؛ لأن من شرط العمل الإخلاص، ومن يبين لك أن ذلك العمل لا بد له من إخلاص؟ العلم. العمل لا بد له من أن يكون موافقًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ما هو الذي يبين لك أن ذلك العمل موافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ إنه العلم. لذا قال ربنا تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه -بعد أن ذكر هذه الآية-: «فبدأ بالعلم قبل القول والعمل»؛ فبدأ بالعلم قبل لا إله إلا الله، والعمل قبل أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات. قال رحمه الله تعالى: «وعلى ذلك: إذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبير اختلاف؛ لماذا؟ لأنه يعود إلى اختلاف الأحوال، اختلاف الأمكنة، اختلاف الأزمان، اختلاف الأشخاص». قال: «وما اشتبه أمره على العبد، فعليه بالاستخارة المشروعة، فما ندم من استخار الله تعالى، وليكثر من الدعاء؛ أي أن الله يبصره، أن الله يوفقه، أن الله يسدده، أن الله يعينه في كل ما يقدم عليه من أعمال». قال: «فإنه مفتاح كل خير، ولا يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي، وليتحرى الأوقات الفاضلة -كآخر الليل، وأدبار الصلوات، وعند الأذان، ووقت نزول المطر، ونحو ذلك-؛ فهذه كلها أوقات من أوقات استجابة الدعاء بإذن الله سبحانه وتعالى». ومعنى هذا: أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: ومن الأعمال العظيمة -إلى جانب ذكر الله جل وعلا- الدعاء، وهو من ذكر الله تبارك وتعالى. والدعاء -كلما كان بقلب حاضر، وقلب مضطر، وقلب مفتقر إلى ربه ومولاه- كلما كان أجدر بالإجابة، مع كذلك عظيم أجر الثواب من الله رب العالمين جل وعلا. قال القائل في كتابه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]، وقال جل في علاه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]، وقال جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 62]. فربنا تبارك وتعالى أمرنا وحثنا على الدعاء. وكما قال أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: «والله إني لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء؛ فإن الله تبارك وتعالى إذا ألهمني الدعاء ألهمني الإجابة» -أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه-. لكن هذا لا يكون إلا بماذا؟ كما سمعتم: أن يكون من قلب حاضر، من قلب معظم لربه جل وعلا، من قلب مظهر لربه جل وعلا افتقارًا وحاجة، وأن الأمر بيد الله رب العالمين جل وعلا. فكلما علق العبد قلبه بالله تبارك وتعالى تعظيمًا ومحبة وإجلالًا ورجاء، فإن الله جل وعلا لا يخيب عبده الذي رجاه. نسأل الله بمنه وكرمه أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على