شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 11

الدرس في شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 11، ألقاها

فضل الذكر وأفضل الأعمال بعد الفرائض

يختلف أفضل الأعمال بعد الفرائض باختلاف الناس، وملازمة ذكر الله دائمًا هو أفضل ما شغل العبد به نفسه.

تحديد الأفضلية بحسب الأحوال والأزمنة

أفضل الأعمال يختلف باختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة، ويتوقف على الحاجة والظروف كما بين ابن تيمية.

تعريف الذكر ودرجاته وأهميته

الذكر هو أفضل ما يشغل به العبد نفسه ويكون باللسان والجنان، وأعظمه ما واطأ عليه القلب اللسان.

ختام الحديث وملخص التوصيات

يتم ختم الحديث بالتأكيد على إمكانية الاستمرار في مجلس آخر، ويُختتم بذكر دعاء يتضمن الحمد والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه الوصية الصغرى: «وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض، فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم، فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد. لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره: أن ملازمة ذكر الله دائمًا هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة. وعلى ذلك دل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم: «سبق المفردون»، قالوا: يا رسول الله، ومن المفردون؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات». وفيما رواه أبو داود عن أبي الدرجاء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «ذكر الله». والدائر على القرآنية والإيمانية بصور وخبر ونظر على ذلك كثيرة. وأقل ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين صلى الله عليه وسلم، كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره، وعند أخذ المضجع، وعند الاستيقاظ من المنام، وأدبار الصلوات. والأذكار المقيدة مثل ما يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع، والدخول إلى المنزل والمسجد والخلاء، والخروج من ذلك، وعند المطر والرعد، إلى غير ذلك. وقد صنفت في ذلك الكتب المسماة بعمل اليوم والليلة، وكتب الأذكار. ثم ملازمة الذكر مطلقًا، وأفضله: «لا إله إلا الله». أي: أفضل الذكر «لا إله إلا الله». وقد تعرض أحوال يكون بقية الذكر مثل: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أفضل منه. ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب إلى الله من تعلم علم وتعليمه، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، فهو من ذكر الله. ولهذا: من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلسًا يتفقه ويفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقهًا، فهذا أيضًا من أفضل ذكر الله. وعلى ذلك: إذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبير اختلاف. وما اشتبه أمره على العبد، فعليه بالاستخارة المشروعة، فما يديم من استخار الله تعالى، وليكثر من ذلك، ومن الدعاء؛ فإنه مفتاح كل خير. ولا يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي. وليتحر الأوقات الفاضلة كآخر الليل، وأدبار الصلوات، وعند الأذان، ووقت نزول المطر، ونحو ذلك. فهذه مسألة طرقها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى جوابًا عن سؤال السائل: ما هي أفضل الأعمال؟ فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: «فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم». وهذا جواب إجمالي: أن أفضل الأعمال لا يستطاع أن يقال بأن هذا العمل أفضل من هذا العمل مطلقًا لكل الناس، وفي جميع الأزمان والأمكنة والأحوال. لماذا؟ لاختلاف أحوال الناس، ولاختلاف الأزمنة أو الحاجات. فرب عمل يكون فاضلًا في وقت، يكون غيره أفضل منه في وقت آخر. وهكذا آخر يكون أفضل من الأول في مكان، في حال، في زمان. فهو يختلف باختلاف الأحوال. كما ذكر رحمه الله تعالى. يعني مثال ذلك: الصلاة في الحرم في بيت الله تبارك وتعالى، الصلاة بمئة ألف صلاة، أمرها عظيم وشأنها كريم. لكن أحيانًا قد يعرض عارض، فتكون الصلاة في مكان آخر ربما تكون أفضل، أو يكون العمل أفضل من الصلاة في بيت الله تبارك وتعالى، كأن ينادي منادي الجهاد الشرعي بضوابطه الشرعية، ففي هذه الحالة تكون الإجابة لذلك النداء أقدم وأولى. وهكذا قل في بقية الأعمال. رب عمل مثل الصدقات، مثلًا الصدقات أمرها عظيم، أمرها كريم. فأحيانًا إذا سأل سائل: أي الصدقات أفضل؟ صدقة السر أو العلانية؟ هذه مسألة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى. وهذا أيضًا جواب فيه يختلف باختلاف الأحوال والأزمنة، وكذلك أحوال الناس وأزمنتهم، وكذلك ما يحتاجه المسلم. فمثلًا لو أن إنسانًا ضعيفًا فقيرًا تعرض للحاجة ولم يقم له أحد، فها هنا يقال: صدقة الجهر مع إخلاص ذلك العمل لله أفضل. لماذا؟ لأن في ذلك دلالة على فعل الخير، يدل غيره على فعل الخير. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما أمر أو رأى أقوامًا من بني نمير وعليهم هيئة الحاجة، فأمر بصدقة، وأتى رجل من الصحابة رضي الله عنه وأرضاه بملء كفه من الذهب، وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تتابع الناس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». فهو أفضل في هذه الحالة. في حالة أخرى تكون صدقة السر أفضل؛ لأنها أتم للإخلاص، وأعظم في أن يكون العمل لله رب العالمين جل وعلا. وعلى كل كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله: أن الإنسان لا يستطيع أن يقول: إن هذا العمل أفضل أعمال مطلقًا جملة وتفصيلًا، ولكل الناس جملة وتفصيلًا. ولكن كما سمعتم: أن الأعمال تتفاوت فضلًا باختلاف الأحوال والأزمنة، وكذلك الحاجة إلى تلك الأعمال. لكن ذكر الشيخ رحمه الله تعالى جوابًا مجملًا، فقال: «فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم». ما هو؟ قال: «بني العلم بالله وأمره: أن ملازمة ذكر الله دائمًا هو أفضل ما شغل به العبد نفسه في الجملة». أي: أن الذكر هو أفضل. والذكر كما يقول العلماء في اللغة: ضد النسيان. وهو يأتي لأمرين: له أصلان كما ذكر العلماء: الذكر من الذكورة، والذكر مما هو ضد النسيان والغفلة. إصطلاحًا: عرف العلماء رحمهم الله تعالى الذكر: أنه تحصيل أو الخلوص من الغفلة والنسيان. الخلوص من الغفلة والنسيان. فمن كان كذلك فهو ذاكر. والذكر المراد به هنا: ذكر الله تبارك وتعالى. وذكر الله تبارك وتعالى يكون باللسان، ويكون كذلك بالجنان. يكون الذكر باللسان ويكون بالجنان. كما ذكر معنى هذا العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، إذ ذكر أن أعظم الذكر ما واطأ عليه القلب اللسان. أي: أن يكون الذاكر ذاكرًا بقلبه ولسانه. لا يكون لسانه يتحرك وقلبه غافل. هذا وإن كان من الذكر، لكنه ذكر ضعيف بمجرد اللسان. بخلاف ما إذا كان الذكر بالقلب واللسان. أي: يذكر الله تبارك وتعالى بقلبه ولسانه. إذا قال: سبحان الله، تدبر لهذا المعنى. إذا قال: الله أكبر، تدبر لهذا المعنى. إذا قال: لا إله إلا الله، تدبر. وهكذا. إذا قرأ القرآن، هو من الذكر؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ فهو ذكر، بل هو من أعظم الذكر. كذلك الصلاة من الذكر: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وهكذا كل عبادة فهي من ذكر الله تبارك وتعالى. وابن القيم رحمه الله تعالى له كلام في درجات الذكر. ذكر أن درجات الذكر ثلاثة: الدرجة الأولى: درجة الذكر الظاهرة. درجة الذكر الظاهرة. قال: وهذه تكون تارة بالثناء، وتارة بالدعاء، وتارة بالرعاية. فأما الثناء: كان يقول الإنسان: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله. هذا الثناء على الله تبارك وتعالى، وهو من الذكر. كذلك تلاوة القرآن هو كذلك من هذا الذكر الذي يكون بماذا؟ الذي فيه يذكر الإنسان ربه تبارك وتعالى، وفيه معنى كذلك من معاني تعظيم الله تبارك وتعالى. وأيضًا القسم الثاني: أن يكون الذكر بالدعاء. ومنه قول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. هذا ذكر، ولكنه يكون بماذا؟ يكون بالدعاء. فالإنسان إذا دعا ربه تبارك وتعالى يكون ذاكرًا لله جل وعلا بدعائه. ذلك أيضًا الدعاء بالرعاية. ومعنى بالرعاية: أي بطلب الرعاية والحفظ من الله تبارك وتعالى. كان يقول المسلم لأخيه المسلم: الله معك، الله يرعاك، الله يحفظك. وما شابه ذلك من التعبيرات الدالة على معنى الحفظ والرعاية. فهذه كما يقال: مقدمات لهذا المبحث. ولعل الله تبارك وتعالى يسر بمجلس آخر الكلام على بقية الأمور في هذا الباب. نكتفي بهذا القدر. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على