غزوة بدر الكبرى

المحاضرة بعنوان غزوة بدر الكبرى، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٧ رمضان ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أسباب غزوة بدر الكبرى وخروج الفريقين

كانت الغزوة بسبب محاولة النبي ﷺ اعتراض عير قريش التجارية بقيادة أبي سفيان، فاستنفر المشركون وخرجوا بطرًا ورئاء. نجت العير فرجع قسم من المشركين، بينما خرج المسلمون بقلة عدد وعتاد لملاقاة الجيش.

خروج النبي ﷺ وتنظيم الجيش والمشاورة قبل القتال

خرج النبي ﷺ قاصدًا عير قريش لا قتالًا فانتدب من كان جاهزًا، ولما وصل بدر رتب الجيش كتيبتين وعين الرايات والقادة. شاور الصحابة فخطب المهاجرون والأنصار مبايعين على القتال، فبشرهم النبي ﷺ بالنصر وأكرمهم الله بنزول المطر والنعاس تثبيتًا للقلوب.

أحداث معركة بدر: المبارزة ومقتل صناديد قريش

ابتدأت المعركة بمبارزة قُتل فيها عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة والوليد بن عتبة على يد علي وحمزة وعبيدة بن الحارث الذي استشهد. التحم الصفان فقُتل أبو جهل وأمية بن خلف، وأمد الله المؤمنين بالملائكة وكرمهم بكرامات كرمي النبي التراب ورد عين صحابي وتحول عصا عكاشة إلى سيف.

أسباب نصر المسلمين وشرط العزة والتمكين

يبيّن المقطع أن نصر الله للمسلمين في الماضي كان بقوة إيمانهم وثقتهم بوعده لا بالكثرة، وأن ضعفهم اليوم سببه بعدهم عن الدين ووقوعهم في الذنوب والعصبيات الجاهلية. يؤكد أن العودة الصادقة لكتاب الله وسنة نبيه وترك الحزبيات والقبليات ستجلب العزة والنصر من الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا اليوم هو اليوم السابع عشر من رمضان، وفي مثل هذا اليوم حدث حدث عظيم ومعركة كبرى، نصر الله جل وعلا فيها الإسلام والمسلمين، ألا وهي غزوة بدر الكبرى. والكلام في هذا المقام وفي هذا الدرس نذكر شيئًا من أحداث هذه الغزوة، ونذكر أسبابها، وما حصل فيها من النصر العظيم للإسلام والمسلمين. فغزوة بدر الكبرى كان سببها: العير لقريش قد جهزوها للتجارة في بلاد الشام، تتكون من ألف ناقة، وعليها من الأموال التي أرادت قريش المتاجرة بها في بلاد الشام. قد جعلت على هذه القافلة أربعين حارسًا، وكانت هذه القافلة بقيادة أبي سفيان. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يتعرض لهذه القافلة حال ذهابها إلى بلاد الشام، لأن المشركين قد آذوا رسول الله وأخذوا أموال الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يتعرض لهذه القافلة لعل الله جل وعلا أن ينفلهم إياها. فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد للتعرض لهذه القافلة، ولكن هذه القافلة فاتتهما، فترصد لها النبي عليه الصلاة والسلام حال رجوعها من الشام، إلا أن أبا سفيان كان على حذر شديد وعلى حيطة من أمره، فكان يرسل من يأتي له بالأخبار، أخبار الطريق، حتى يسلم القافلة من أذى من أراد أن يتعرض لها. فعلم أبو سفيان أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه قد خرجوا للتعرض لهذه القافلة، فغير طريقه وسار بمحاذاة ساحل البحر ونجى بالقافلة. وقبل ذلك أرسل أبو سفيان إلى كفار قريش وإلى قريش يستنفرهم، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري يستنفر قريشًا، فجاء ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة وهو يقول: «اللطيمة اللطيمة، الغوث الغوث، يا معشر قريش، أنقذوا قافلتكم، فإن محمدًا وأصحابه قد تعرضوا لها». فحنق كفار قريش حنقًا عظيمًا، فقالوا: «أيعدو محمد أن تكون مثل عير ابن الحضرمي؟ والله ليرين ما نصنع». فخرجوا بطرًا ورئاء وتكبرًا وتجبرًا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 47]. خرجوا بخيلائهم وخيلهم وإبلهم، وخرج عليهم الكبر: الترفع والخيلاء والعجب. وهم في طريقهم إلى بدر جاءهم الخبر بأن القافلة قد نجت، فلا حاجة للقتال، وإنما خرجوا لأجل القافلة لا لأجل القتال. فكان من القوم من أراد هذا وأراد أن يرجع ويترك القتال، وقال: «إنما خرجنا لأجل العير ولأجل القافلة، وقد نجت، فلا حاجة لنا بالقتال». لكن أبا جهل أصر على القتال وعلى الخروج، قال: «لا، لا نرجع حتى نقيم ببدر ثلاثًا، ننحر الجزور ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزال يهابون لنا أبدًا الدهر». وكان هو قائد الجيش، جيش المشركين، أبو جهل. فخرجوا، وقد كان عدد الجيش ألف مقاتل، ومعهم من الإبل والخيل الشيء الكثير. فخرجوا، إلا أن الأخنس بن شريق من بني زهرة أراد أن يرجع، بل ورجع، فقال: «يا بني زهرة، إنما خرجتم لأجل إنقاذ تجارتكم، وقد نجت، فلا حاجة لكم بالقتال، فارجعوا». فرجع ثلاثمائة من جيش المشركين إلى مكة، وقد كانوا ألفًا وأربعمائة أو ألفًا وثلاثمائة. وهكذا، كذلك قبل خروج كفار قريش لقتال النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا قد تذكروا ما بينهم وبين بني بكر من العداوة، فخافوا أنهم إذا خرجوا لقتال النبي عليه الصلاة والسلام أن يقدم بني بكر عليهم، فأرادوا أن يرجعوا، إلا أن الشيطان تمثل لهم على هيئة وصورة سراقة بن مالك، وقال لهم كما أخبر الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: 48]، يعني: فأنا جار لكم عندهم أن لا يمسوكم بسوء. فخرجوا، وفي آخر المعركة كما أخبر الله عز وجل عن الشيطان: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 48]. خرج المشركون بطرًا ورئاء، والنبي عليه الصلاة والسلام خرج وأصحابه من المدينة إلى بدر، وكان عددهم قرابة ثلاثمائة وأربعة عشر، وقيل: ثلاثة عشر، وكان معهم من الإبل سبعون بعيرًا. ومن قلة الظهر ربما كان الثلاثة يعتقبون على البعير الواحد، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون على بعير واحد من قلة الظهر، وما معهم من الخيل إلا فرسان: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنهما. فخرج عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، والنبي عليه الصلاة والسلام حين خرج إنما خرج لأجل القافلة لا يريد قتالًا، ولذلك لم ينتدب المسلمين للقتال حين انتدبهم في المدينة، لم ينتدبهم لأجل القتال، ولذلك قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان ظهره حاضرا فليلحق بنا»، من كان ظهره حاضرا أي خيله ناقته حاضرة فليلحق بنا، حتى أن بعضهم استأذن من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي بظهره من مكان بعيد، قال: «لا، ما آذن له»، لا حاجة، لأنه عليه الصلاة والسلام ما أراد قتالًا وما ظن أنه يلقى قتالًا، وإنما أراد العير، ولكن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. فخرج عليه الصلاة والسلام ومن معه من الصحابة، ولذلك تخلف الكثير عن غزوة بدر من الصحابة، لماذا تخلفوا؟ لأنهم لم ينتدبوا للقتال، وإنما خرج من كان جاهزًا كما يقال: من كان حاضرا ظهر حاضرا فلينحق بنا، يعني من كان قد تجهز، أن ما نريد الله العير يكفي أن يخرج كذا وكذا من القوم فقط، ولذلك تخلف الكثير عن غزوة بدر لأنهم لم ينتدبوا للقتال. فخرج عليه الصلاة والسلام والصحابة إلى بدر، إلى مكان به عين ماء يقال لها: بدر، وسمي الغزوة باسم هذا المكان. النبي عليه الصلاة والسلام رتب جيشه، فجعل جيشه كتيبتين: كتيبة المهاجرين وكتيبة الأنصار. أعطى اللواء، لواء الجيش العام، لمصعب بن عمير رضي الله عنه، وأعطى لواء المهاجرين لعلي بن أبي طالب، وأعطى لواء الأنصار لسعد بن معاذ، وجعل الزبير بن العوام على الميمنة، والمقداد بن الأسود على الميسرة، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة رضي الله تعالى عنه. ثم قام النبي عليه السلام خطيبًا في أصحابه يستشيرهم، يسمع ما عندهم ويرى مدى همتهم وقوتهم ومعنوياتهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أشيروا علي أيها الناس، أشيروا علي». فقام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وتكلم كلاما عظيما وأحسن، ثم جلس. فقال عليه الصلاة والسلام: «أشيروا علي أيها الناس». فقام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، تكلم كلاما عظيما وأحسن. فقال عليه الصلاة والسلام: «أشيروا علي أيها الناس». فقام المقداد رضي الله تعالى عنه، تكلم كلاما عظيما، قال: «يا رسول الله، والله لو سرت بنا حتى تبلغ برك الغماد لأخذناه معك، والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون». فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم خيرًا. فقال عليه السلام: «أشيروا علي يا أيها الناس». فتفطن سعد بن معاذ لمراد النبي عليه الصلاة والسلام، هؤلاء الذين قاموا وتكلموا كلهم من المهاجرين: أبو بكر من المهاجرين، وعمر من المهاجرين، والمقداد من المهاجرين، والنبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يسمع كلام الأنصار، أولًا لأن الأنصار هم أكثر عدد الجيش، أكثر عدد الجيش من الأنصار، ثانيًا النبي عليه الصلاة والسلام بايع الأنصار بيعة العقبة، وكان من ضمن هذه البيعة أن الأنصار لا يقاتلون خارج المدينة، لا يقاتلون خارج المدينة، هذا ما أخذه النبي عليه الصلاة والسلام في البيعة مع الأنصار. فتفطن سعد بن معاذ وهو زعيم الأنصار، فقال: «يا رسول الله، لعلك تريدنا؟ يا رسول الله، لعلك تريدنا؟» قال: «نعم». فقام سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه وقال: «يا رسول الله، إن آمنا بك وصدقناك، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا. يا رسول الله، سر بنا حيث أمرك الله، فلعل الله نريك منا ما تسر به. يا رسول الله، خذ من أموالنا ما شئت، واترك من أموالنا ما شئت، وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما تركت. يا رسول الله، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك. يا رسول الله، وصل حبال من شئت، وقطع حبال من شئت». فسر النبي صلى الله عليه وسلم بكلام سعد بن معاذ وأثنى عليه خيرًا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أبشروا، أبشروا، والله كأني أرى مصارع القوم، هذا مصرع فلان بن فلان، وهذا مصرع فلان بن فلان، وهذا مصرع فلان بن فلان». فبعد أن علم عليه الصلاة والسلام معنويات الجيش وقوة همتهم، ظل عليه الصلاة والسلام أو بات تلك الليلة قائمًا يدعو ربه جل وعلا، والصحابة تفرقوا. الله جل وعلا أكرمهم بنزول المطر، طهر به نفوسهم وثبت به أقدامهم، وهكذا أنزل النعاس عليهم: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [الأنفال: 11]. فالله جل وعلا أكرمهم بالنعاس ونزول المطر، وكل هذا من الإكرامات من رب العالمين جل وعلا الكريم سبحانه وتعالى. فأصبح النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه بعد أن بات تلك الليلة يدعو ربه جل وعلا دعاء عظيمًا، حتى أنه سقط عليه الصلاة والسلام رداؤه من شدة رفعه ليده يدعو، حتى قاله أبو بكر رضي الله عنه: «يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربك، فإن الله جل وعلا منجز لك ما وعدك». فصارت المعركة بين المسلمين وبين المشركين. أول وقود هذه المعركة ثلاثة من المشركين من كبار قريش المشركين: عتبة بن ربيعة، وشيبته بن ربيعة أخوه، والوليد بن عتبة. خرجوا للمبارزة، بعد أن طلب عتبة بن ربيعة المبارزة، قال: «يا محمد، أخرج لنا أكفاءنا من قومنا». قد خرج عتبة بعد أن صار بينه وبين أبي جهل ما صار من الحمية، لأن عتبة بن ربيعة كان يريد الرجوع بالجيش، أن يرجع الجيش إلى مكة ولا يقاتلون، وكان يقول لهم: «ينظر أحدكم قتل أخاه، قتل ابن عمه، فما فائدة ذلك؟ حتى نضع السلم». كان يقول: «لعمري من ذاك الذي على البعير الأحمر؟» قال له: «ذاك عتبة بن ربيعة». قال: «إن يطع هذا الرجل يهتد ويرشد». قال: «إنه ينهى عنا القتال». حكيم بن حزام كان مع قريش في غزوة بدر، فجاء إلى عتبة وأخبره ونصحه بأنه لا فائدة من القتال: «نقاتل من هؤلاء أرحامنا، فيهم من هو ابنه، ومنهم من هو عمه، ومنهم من هو كذا». فقال له عتبة: «اذهب إلى ابن الحنظلية»، يعني أبا جهل، «إني أخشى أن يفسد علينا ذلك». فذهب حكيم بن حزام إلى أبي جهل ونصحه بهذا، وأنهم أن يرجعوا ولا حاجة للقتال، وأن عتبة هو الذي أرسله. فقال له أبو جهل: «ما وجد الرسول إلا أنت»، يعني بحمية وجاهلية: «ما وجد الرسول إلا أنت». قال: «لقد انتفخ سحره، عتبة، لقد انتفخ سحره، يخوفكم». قال: «لأن ابنه يخوفكم أن تقتلوا ابنه». ابن عتبة بن ربيعة وهو أبو حذيفة بن عتبة كان مع النبي عليه الصلاة والسلام. فقال أبو جهل: «هذا عتبة بن ربيعة، انتفخ سحره». فذهب أبو جهل إلى من له الثأر وأمره أن ينادي بثأره، وأن يكشف عورته وسوءته، ويقول: «سوءته وعورته». فعتبة بن ربيعة حينها لما سمع من أبي جهل أنه يقول: «إنه انتفخ سحره»، قال: «سيعلم من انتفخ سحره، أنا أم هو؟». فكان أول من خرج للمبارزة، فقتل هؤلاء الثلاثة من صف المسلمين: خرج علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، والحارث بن عبد المطلب. فكل واحد قتل الثاني، إلا أن الحارث حصل بينه وبين عتبة ضربتان، ضربة بضربة، ومات على إثرها واستشهد رضي الله تعالى عنه، وأما عتبة فقد أجهز عليه حمزة وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم. ثم التحم الصفان، وحصل ما حصل من القتال. قتل في هذه المعركة أكبر صناديد قريش: قتل أبو جهل، وقتل كذلك أمية بن خلف، هؤلاء من كبار صناديد قريش. أبو جهل جاء إليه عبد الله بن مسعود، وكان به قليل من الرمق، لم يمت بعد، فقال له: «ما صنع الله بك يا عدو الله؟ أخزاك الله يا عدو الله». قال أبو جهل: «لما أخزاني؟ لا عار على رجل قتله قومه». ثم قال أبو جهل لعبد الله بن مسعود: «لمن الدائرة اليوم؟» قال: «لله ولرسوله». وارتقى عبد الله بن مسعود صدر أبي جهل، فقال أبو جهل: «لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رويعي الغنم». فأجهز عليه عبد الله بن مسعود، وجز رأسه، وجاء به للنبي عليه الصلاة والسلام، فكبر عليه الصلاة والسلام فرحًا. جاء في بعض الروايات قال: «هذا فرعون هذه الأمة»، أي أبو جهل. حصل من الكرامات لأهل الإسلام في هذه الغزوة: أمد الله جل وعلا المؤمنين بالملائكة: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9]. وهكذا أكرمهم الله عز وجل، وأكرم رسوله أن يأخذ شيئًا من التراب فيلقها على المشركين، فما من أحد دخل في عينه التراب إلا هلك. وفي هذا يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17]. وهكذا هناك من الصحابة من خرجت عينه، فردها النبي عليه الصلاة والسلام، فكانت أحسن مما كانت عليه. وهكذا عكاشة بن محصن رضي الله عنه كان يقاتل بسيفه فانكسر، فأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام عودًا من حطب، وقال: «قاتل بهذا». فأخذه فصار سيفًا عظيمًا، كسر به هامات المشركين، كرامات من الله جل وعلا. العباس بن عبد المطلب كان من أسر بدر، جاء به من أسره، فقال: «يا رسول الله، إني أسرت هذا». فقال عباس: «لا، ليس هذا الذي أسرني». والصحابة يقولون: «أنا أسرت يا رسول الله». قال: «لا، ليس هذا الذي أسرني». فقال: «لقد أيدك الله بملك كريم»، الملائكة قاتلت مع المسلمين. نصر الله جل وعلا المسلمين على ما كانوا عليه من القلة، قلة العدد والعتاد، لأن العبرة بالقوة الإيمانية وبالثقة بوعد الله عز وجل. وماصاب أهل الإسلام اليوم من الضعف والذل والتسلط من قبل أعداء الإسلام إلا بسبب ضعف اعتزازهم بدينهم، ولما هم فيه من الذنوب والمعاصي والمخالفات، وإلا فلو رجع أهل الإسلام إلى دينهم وتمسكوا به تمسكًا عظيمًا، وعملوا بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونبذوا الحزبيات والعصبيات والقبليات الجاهلية، واعتزوا بدينهم، لأعزهم الله سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، وينصر الإسلام والمسلمين. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.