المحاضرة بعنوان أحكام زكاة الفطر، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٩ رمضان ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
وجوب زكاة الفطر على جميع المسلمين وتطهير الصائم من اللغو والرفث وإطعام المساكين. وهي فرض على كل مسلم صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد.
زكاة الفطر تكون طعمة للمساكين وتكفر الخطايا، ومقدارها صاع نبوي يعادل أربعة أمداد أو ثلاثة كيلو غرامات تقريبًا من غالب قوت البلد. يجب إخراجها طعامًا وليس نقدًا أو أثاثًا.
يجب إعطاء زكاة الفطر للمساكين والفقراء الآدميين وليس للدواب أو الأغنياء، ولها وقتان لإخراجها: وقت فضيلة بعد الفجر وقبل صلاة العيد، ووقت جواز قبل العيد بيوم أو يومين. تعطى للمساكين وليست هدايا للأغنياء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذا المقام وفي هذا اليوم بإذن الله، نقف عند موضوع مهم ينبغي النظر فيه، وحاجة الناس إليه، وما يتعلق بشعيرة عظيمة وبعبادة جليلة نبهت الشريعة إليها، وحرص نبينا صلى الله عليه وسلم على أدائها، ألا وهي زكاة الفطر. فهي إشارات، إخواني في الله، ولفتة سريعة، وعروج إلى أهم المسائل التي يحتاجها المسلم حتى يؤدي هذه الشعيرة على أكمل الوجوه، وعلى ما جاءت به السنة المطهرة. ويكون، إخواني في الله، المباء والتحدث حول مسألة زكاة الفطر مأخوذة من حديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام، هما رواه أبو داود في سننه، وابن ماجه بإسناد صحيح. وهذا الإسناد قال عنه الحاكم، رحمه الله تعالى، على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، بل قال الدارقطني، رحمه الله تعالى، «ليس فيهم مجروح، ليس فيهم مجروح». قال عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو ومن الرفث، وطعمة للمساكين». فهذا الحديث، إخواني في الله، فيه إجمال لبعض المسائل التي يحتاجها المسلم لأداء هذه الشعيرة. فقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «فرض رسول الله» فرض بمعنى حتم وألزم، فهي من صيغة الوجوب، من صيغ الوجوب. وقد ذكر من ذكر من علمائنا الإجماع على أن زكاة الفطر واجبة، حكى ذلك ابن المنذر، رحمه الله تعالى، والبيهقي، ونقل كذلك عن إسحاق بن راهويه، رحمه الله تعالى. وإن كان هناك خلاف عن بعضهم، أنه قال: منسوخ، وغير ذلك، إلا أنه خلاف ضعيف، وإلا فجماهير الأمة على أن زكاة الفطر تعتبر من الواجبات، ما ينبغي التهاون فيها. وكذلك لا يجوز التساهل في أدائها، بل على المسلم أن يسارع إلى فعلها، وإلا فإن الإثم يلحقه، وذلك لصراحة الأدلة. حديث ابن عباس: «فرض»، حديث ابن عمر: «فرض»، فكلها تدل على الوجوب. فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «فرض رسول الله زكاة الفطر»، إذن هي واجبة. لكن بقي تبيين حق من جاءت الأحاديث الأخرى توضح وتبين من هم الأشخاص الذين يلزمون بالإخراج عن الزكاة عن أنفسهم. فقد جاء في الصحيحين، من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، عن العبد والحر، والصغير والكبير، والذكر والأنثى من المسلمين». فبهذا التعداد لهذه الأصناف نعلم أن زكاة الفطر تشمل الجميع، تشمل جميع شرائح المجتمع. وكل فرض من أفراد الأسرة إن كان من أهل الإسلام، فزكاة الفطر تلزم الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعبد والحر، بشرط أن يكون من أهل الإسلام. فكل هؤلاء يلزمون بإخراج الزكاة. فقوله عليه الصلاة والسلام: «الصغير والكبير»، الكبير ولو بلغ سن الكهولة، والصغير ولو كان في سن المهد، ولو كان في سن المهد، عندك طفل صغير ليست له إلا أيام، فهذا يعد فردًا، وينبغي أن تخرج عنه زكاة الفطر. وهل يدخل في ذلك الجنين؟ على قول صحيح، وهذا الذي عليه عمل السلف، نعم، يستحب، وليس وجوبًا، يستحب الإخراج عن الجنين، الجنين الذي هو في البطن، فهذا يستحب، ولم تأت السنة بذكر ذلك، لكن هذا مما أثر عن سلفنا، كما نقل أبو قلابة، رحمه الله تعالى، أنهم كانوا يعطون عن الحمل، يعطون عن الحمل. ذكر ذلك عن السلف، وأصرح من ذلك ما ذكر عن عثمان رضي الله تعالى عنه، الصحابي الجليل والخليفة الراشد، أنه كان يخرج يخرج عن الأجنة زكاة الفطر، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وعلى هذا درج السلف إلى فعل عثمان، قالوا: الإخراج عن الصغير واجب، وأما عن الجنين فمستحب، عن الجنين فمستحب. بقي على قول من يقول باستحباب الإخراج عن الجنين، هل كل جنين يخرج عنه؟ بعض العلماء يفصل، يقول: لا بد أن ننظر إلى المدة، فإن كان أقل من أربعة أشهر، فهذا لا يخرج عنه، لا يخرج عنه، وإن كان أربعة أشهر فما فوق، فهذا يخرج عنه؛ لأن الحياة قد ثبتت فيه، وقد نفخت فيه الروح. فعلى هذا التفصيل في أمر الأجنة، وإلا كله حكم الأجنة الاستحباب. فالصغير والكبير ماذا يخرج عن نفسه؟ وهكذا الذكر والأنثى، وهكذا المرأة تزكي عن نفسها زكاة الفطر، ولو كانت هذه المرأة نفساء طيلة الشهر، دخل عليها رمضان وخرج وهي في سريرها، وهي في دمها نفاس، لم تصم يومًا واحدًا، ومع ذلك فإن زكاة الفطر تلزمها، زكاة الفطر فإنها تلزمها. إذن تجب زكاة الفطر تجب زكاة الفطر على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، وعلى العبد والحر من المسلمين. وهل يمكن لأحد من الناس أن يتكفل بالجميع؟ لا يمكن، إذا كان هناك أحد من رب الأسرة، أب يريد ماذا؟ أن ينفق عن الجميع، وإلا الأصل في القاعدة أن كل شخص ملزم بنفسه، هذا الأصل، كل شخص ملزم بنفسه. فإن وجد أحد يتطوع، كان يقول رب الأسرة: يقول أنا سأتكفل عن الجميع، عن الصغير والكبير، وعن الذكر والأنثى، عن البنات والأولاد والصغار، ففعل ذلك، فلا يضره ذلك شيء، أو العكس، أو الابن أراد أن يتطوع عن الجميع، أو الأخ، فإن فعل ذلك فلا شيء في ذلك، وهذا يجوز، وهذا من الإحسان للآخرين وللأقارب والأرحام. كذلك ما يتعلق بزك، قال ابن عباس: «فرض رسول الله زكاة الفطر، طهرة للصائم»، هذه الفقرة، إخواني في الله، في بيان الحكمة من زكاة الفطر، ما هي الحكمة من هذه الزكاة؟ الحكمة من هذه الزكاة، إخواني في الله، أن الشرعة أرادت أن تكون طهرة للصائم، طهرة للصائم من ماذا؟ قال: «من اللغو ومن الرفث». الصائم، إخواني في الله، لربما يعتريه النقص، يعتريه الخلل، يعتريه الخَجَل في صيامه، فتأتي زكاة الفطر فتطهرك من هذه العيوب، وتغسل عنك هذه الذنوب. فما معنى اللغو؟ وما معنى الرفث؟ اللغو، قال العلماء: هو الكلام الذي لا فائدة فيه، الكلام الذي لا فائدة فيه، قد يكون في حق الصائمين في صيامهم، وهذا يمكن ما منا من أحد، اللغة تورط في ذلك، أنه يتحدث بما لا ينفعه، لا في دين، ولا في دنيا، ولا في أخرى، يتكلم بكلام عادي: «فلان دخل، فلان خرج، فلان فعل ماذا فعل؟» يفضاحك مع إخوانه، قد يكون هناك شيء من اللغو قد يصدر منه. فهذا اللغو الذي متراكم عليك، تأتي هذه الزكاة فتطهرك من هذا اللغو، وما صدر من ذلك. وأما الرفث، فهو الكلام الفاحش. الصائم، إخواني في الله، لربما في حال صيامه قد تزل لسانه، فيأتي بسب، يأتي بلعن، يأتي بشتم أحد، يستثير غضبه فينفعل فيسب، ثم يتدارك ذلك، المهم قد يقع منك شيء من الفاحش، من سب ولعن وشتم. فماذا تفعل، عبد الله؟ فعليك بزكاة الفطر، فهذه الزكاة جعلها ربنا جل وعلا متكفلة بمسح العيوب، بتغسيل الذنوب، بتكفير الخطايا التي صدرت من الصائمين. وهذه رحمة، رحمة من الله سبحانه وتعالى، أراد ربنا جل وعلا من الصائمين الذين صبروا على صيامهم، أن لا يخرج من هذا الصيام إلا وقد استوفوا أجورهم كاملًا مكملًا. فكان من رحمة الله جل وعلا أن شرع زكاة الفطر، أن الله سبحانه وتعالى يسدد بها الخلل الذي صدر منك، والزلل الذي وقع منك. فقال عليه الصلاة والسلام: «طهرة للصائم من اللغو ومن الرفث». قال: «وطعمة للمساكين»، وهذه الحكمة الثانية. الحكمة الثانية، إخواني في الله، من حكمة زكاة الفطر أنها طعمة للمساكين. كم من الناس الله أعلم بحالهم، عندهم من الضيق وقلة المعيشة وشدة في المؤونة، ما الله به عليم، لو ربما يدخل عليهم العيد وهم في بؤس، لكن عندما تأتي هذه الزكاة، هذا يعطي، وذاك يعطي، وذاك يعطي، فيستغني، يستغني الغني بهذه الزكوات، بهذه النفقات، فيعتريه الفرح والسرور، ويفرح مع أمة الإسلام، فتكون الناس كلهم ماذا؟ على فرح، الغني والفقير والمسكين والبئيس، وكذلك صاحب البؤس. فكان من حكمة الله جل وعلا أن شرع زكاة الفطر في هذه الأيام، ماذا؟ مواساة للفقراء. وهنا مسائل، إخواني في الله. قال عليه الصلاة والسلام: «طعمة للمساكين»، إذن هو يكون طعامًا، هو يكون طعامًا، فما هو الطعام الذي يعطى في زكاة الفطر؟ المسألة في ذلك فيها خلاف، والراجح، والله تعالى أعلم، ما عليه جمهور العلماء، أن الطعام الذي يخرج كزكاة للفطر، ما كان من غالب قوة البلد، ما كان من غالب قوة البلد. فإذا كان هناك بلدة يتقوتون على طعام، ويقتاتون من أكل، فهذا الأكل الذي يأكلونه ويتقوتون به، يمكن أن يكون زكاة للفطر. فأهل الأمصار، البر ينفع، الشعير ينفع، الإقط ينفع، اللبن ينفع، كذلك الدقيق ينفع، الرز ينفع، بل من العلماء من رأى أن الرز أنفع من غيره، أن الرز في هذه الأزمان أنفع من غيره، لحاجة الناس إلى ذلك. وهذا الذي عليه جمهور العلماء، واستنصر لذلك، واستظهر، وشيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، ذكر ذلك وأيد، وقال: «هذا مذهب جماهير العلماء». وكان من أعظم استدلالات شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، لهذه المسألة، ما جاء في بعض الروايات: «أنها صاعًا من طعام»، صاعًا من طعام، فنبه شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، أن كلمة «طعام» كلمة عامة، كلمة عامة تشمل كل ما كان من جنس الطعام. وأيضًا ابن القيم، رحمه الله تعالى، استظهر معنى آخر، وبيّن ابن القيم، رحمه الله تعالى، بعدما نصر هذا المذهب، على أن زكاة الفطر ينبغي أن تكون من غالب قوة البلد، قال: «ولا يكون إلا هذا القول، ما ينبغي أن يكون قول آخر يزاحم هذا القول». وبيّن لماذا ذلك؟ قال، رحمه الله تعالى: «لأن الزكاة ما شرعت إلا لسد حاجة الناس، لسد حاجة الناس فيما هم يحتاجون إليه، فيما هم يحتاجون إليه». فربما الفقير في بلد فلاني اعتاد الناس على أن يأكلوا طعامًا معينًا، فهو ينتظر أن يأكل مما يأكل الناس منه، فتأتيه بصنف آخر مما لا يرغبه، مما لا يرغبه ولا ينفعه، فهو لم تأت سد الحاجة. فرأى ابن القيم، رحمه الله تعالى، أن من حكمة الزكاة أنك تخرج الزكاة مما يحتاج الناس إليه، مما يحتاج الناس إليه. ولهذا فالصحيح في هذا المساء، إخواني في الله، وإن كان مسألة فيها نزاع، لكن هذا الذي عليه جمهور العلماء، لدلالة اللفظية للنص، وللمعنى، النصوص على أن زكاة الفطر تخرج من غالب قوت البلد، قد يكون برًا، قد يكون دقيقًا، قد يكون شعيرًا، قد يكون رزًا، ونحو ذلك، وكل ذلك ينفع. كم مقداره هذا الطعام الذي يعطى المساكين؟ كم مقداره؟ السنة بيّنت، كما في حديث ابن عمر، في الصحيحين، أنها صاع، وهذا بالإجماع أنها صاع، وهذا بالإجماع. وما مقدار الصاع؟ الصاع، إخواني في الله، المقصود به هنا هو الصاع النبوي، وإلا الأصاع تختلف، الأصاع تختلف من زمان ومكان، من بلدة إلى بلدة. لكن قيد العلماء أن لفظ الصاع جاء في السنة، فإنه يقيد بالصاع النبوي عليه الصلاة والسلام، والذي قدر بما يملأ، والذي يكون ضابطه يكون بأربعة أمداد، يكون بأربعة أمداد، كل ما ملأ أربعة أمداد يكون صاعًا. وما هو المد؟ المد ما ملأ كفي الرجل المعتدل، ما ملأ كفي الرجل المعتدل، إذا كان رجل معتدل، ليس بالصغير، وليس بالضخم، ما يملأ كفيه يسمى مدًا، فواحد مد، والثاني مد، وثلاثة، وأربعة يكون لك صاعًا. فإذا أردت أن تخرج عن نفسك، يا عبد الله، صاعًا، فعليك بهذا الحساب، أنك تخرج أربعة أمداد، والذي يكون لك صاعًا. ومن علمائنا ومشائخنا المعاصرين من قرب المسألة، ومن استطاع أن يأتي بحجم قد يكون عمل تقريب للصاع، وهو أنه ما يوازي «قصعة»، وهذه «قصعة» مشهورة لدى البيوت، فـ«قصعة» ملؤها يساوي الصاع، كما قال مشائخنا، رحمهم الله تعالى، وحفظ الله الأحياء منهم. وطبعًا الأصل ليس بقصعة بكاملة، هي دون ذلك، لكن لو استوفيت القصعة، هذا معنى صاع بالراحة، هذا معنى صاع بالراحة. فإذا عندك ثلاثة نفر، أنت والزوجة معك، وابن، أردت أن تخرج الزكاة عنهم، فما عليك إلا أن تغرف غرفًا ثلاثة «قصاع» من هذه، فهذه ثلاثة أصع، وهكذا أربع، فأربع، والخمس فالخمس، وقس على ذلك. لكن المشكلة إذا أراد شخص أن يحسب الأوزان، فرق بين المكيال والموزون، المكيال عبارة عن غرف وانتهى، الإشكال الذي معك، إن كان تمرًا أغرف وضع، إن كان برًا أغرف وضع، فالمكيال أمره سهل، ما يسيء ولا إشكال فيه، الإشكال في الأوزان، وهنا اختلفت أنظار العلماء من المعاصرين: كم يوزن؟ كم مقدار الصاع؟ إلا أردنا أن نوزنه، هو ما يمكن، يصعب؛ لأنك لو تخيلت معك مكيال ملأته تمرًا، فضعه في الميزان، له سيكون وزن، لكن هذا الصاع خذ منه برًا وضعه في الميزان ووزنه يختلف، خذ مكيال وخذ منه دقيقًا وضعه في الميزان يختلف، فالأوزان تختلف، المكيال واحد، لكن الأوزان تختلف. ومن ثم اختلفت أنظار العلماء: ما هو الوزن؟ فمن العلماء من أحاط، وأعظم ما سمعنا من باب الحيطة في الأوزان ثلاثة كيلو، هذا أقصى ما سمعناه، وهذا الذي تبناه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله تعالى، وعلى هذا فتوى اللجنة الدائمة، على أن الصاع يحسب بثلاثة كيلو، وهذا أقصى ما سمعناه، ولا تزيد على ذلك. بل هناك من أهل العلم من يرى أقل من ذلك، من يرى أقل من ذلك، كما خرج ذلك الشيخ ابن عثيمين، رحمه الله تعالى، في عديد من كتبه، وحسب ذلك بالحساب العددي، وأنه دون ذلك. فالمسألة، إخواني في الله، من حيث الأوزان هناك حيطة، لكن في باب المكيال ليس هناك حيطة، فغرّف، يا عبد الله، غرفًا، ثم احسب في كل «قصعة» باعتبار أنها صاع عنك، وهكذا تحسب عن جماعة أسرتك. فهي «طعمة للمساكين»، تأتي مسألة يسأل بها البعض، بعض يقول: «يا أخي، أنا ما سأحسب، أنا معي كيس كامل بر أو كيس رز كامل سأخرجه، كيس دقيق سأخرجه، هل هذا ينفع؟ ما سأحسب، يعني هذا بالزايد، بالزايد». نعم، هذا ينفع، فقد صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، أن من أخرج بالزيادة فلا يضره ذلك، وعلى هذا كذلك فتاوى العلماء. قوله عليه الصلاة والسلام: «طعمة للمساكين»، هذه الفقرة، يا إخواني في الله، فيها كذلك فوائد، من هذه الفوائد أنها عبارة عن طعام يعطى، وقد بينا ما هو الطعام، وأنه على الصحيح أصناف، وقد يكون من غالب قوة البلد. نبه العلماء على أن من شروط زكاة الفطر أن تكون طعامًا. فأخرج هذا عدة أمور، الأمر الأول: أخرج ما إذا كان طعامًا للحيوانات، طعامًا للبهائم والدواب، هذا قد يقع، إخواني في الله، وخاصة في البوادي، خاصة في البوادي يكثر هذا عندهم بشدة، أنه يجعل زكاة الفطر، فإذا طرق عليه طارق الباب وأعطاه كيسًا من بر، أو كيسًا من شعير، أو نحو ذلك، يقول: «هذه الزكاة»، قل: «هذه الزكاة»، قل: «ما شاء الله، زكاة الله خير»، فيأخذه مباشرة إلى الحضيرة، إلى الشاء، قال: «هذه الغنم كيف؟» الغنم، خلي أخي، أنا ما سأأكلها، طبعًا إذا كيف ستستقبل ذلك؟ إذا أنت، يا مسكين، ما ستستقبل هذه الصدقة، وما سننتفع بها، فكيف تجعل الحيوانات؟ ما يجوز هذا، قال نبي: «طعمة للمساكين»، هل بهائم مساكين؟ هذا الآدمي، ومن هنا الفقهاء يشترطون أن تكون زكاة الفطر للآدميين، لا تكون للبهائم ولا للدواب. فإذا علمت، يا عبد الله، أنك ستعطي صدقة الفطر إلى أحد من الناس، ويغلب على ظنك أن هذا سيجعلها لدوابه، امسكها، أعط لشخص آخر، وأحوج، هو أحوج منها، يأخذ وينتفع بها. ولهذا ينبغي أن نتأدب، يا إخواني في الله، لهذه المسألة: «طعمة للمساكين»، فخرج بذلك الدواب والحيوانات، فلا تعطى، ولا يستحق أصحابها ذلك، إذا كان سيطعمونها إياها. الأمر الثاني: لا ينفع في زكاة الفطر أن تكون أثاثًا، أو يكون متاعًا. فبعض الناس مثلًا يقول: «يا أخي، أنا سأحسب زكاة الفطر مثل لو كان علي مثل كيس بر أو كيس دقيق، بما يقال بستة آلاف، أنا ستة آلاف هذه سأجعلها ثيابًا، سأجعلها ثيابًا أعطيها للفقراء، ثمنها سيجعلها ثيابًا». فهل تنفع إخراج زكاة الفطر ثيابًا؟ من باب المواساة للمساكين، لا، ما ينفع هذا، لا يجوز أن تجعل لا لباسًا، ولا أثاثًا، ولا متاعًا، ولا شيء من ذلك، وإنما تخرج طعامًا، السنة صرحت بأن تكون طعامًا. المسألة الثالثة كذلك في قوله: «طعمة للمساكين»، مسألة: وهل يجوز أن تخرج نقدًا؟ تخرج مالًا؟ بعض الناس يقول: «أنا أرى، والله تعالى أعلم، أن جاري، والمسكين الفقير، لو أني أعطيته مالًا لكان هذا أنفع له، أنفع له، يجعله في شراء حاجاته، في عياله، في أشياء كثيرة، ينتفع بها، فهل يمكن هذا؟ أني أجعل قيمة زكاة الفطر مثل خمسة آلاف، أربعة آلاف، أجعلها مالًا، أعطيها المسكين؛ لأنه ينتفع بها، هل هذا يجوز؟» هذا لا يجوز، هذا مذهب جماهير العلماء، لا يجوز إخراج زكاة الفطر مالًا؛ لأن السنة صرحت بأن تكون طعامًا، بأن تكون طعامًا. وعلى هذا كان السلف، إمام أحمد، رحمه الله تعالى، سئل عن زكاة الفطر: أتخرج قيمة؟ قال: «لا، لا تخرج قيمة». فقيل له: «يعني بلغنا أن عمر بن عبد العزيز أخرج القيمة». فغضب أحمد، رحمه الله تعالى، قال: «أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون لي: قال فلان وفلان، ما ينبغي، يا عبد الله، أن تعارض السنة، أو تصادم بقول الأشخاص، فلهم اجتهاداتهم، لكن السنة الصريحة صرحت، ونبي أعلم بحاجة الأمة، فذكر أن زكاة الفطر المصلحة العظمى أن تكون طعامًا، وأنت تواسي، وتسد حاجة بغالب قوتهم، بما ينفعهم، بما يكون أكلهم وماذا وإدامهم، ينفعهم بهذا الباب، أما أنك تغير السنة فلا يجوز». ومن الطريف ما ذكر عن إمام مالك، رحمه الله تعالى، أنه سئل عن زكاة الفطر، فقال: «تخرج طعامًا». فقيل له: «وجئ له بمسألة»، يعني قيل: «لو أن رجلًا في مكان لا طعام فيه، رجل يعني أراضي، يضيق على إمام مالك، رجل في مكان ما عنده طعام، ماذا سيخرج؟» فقال إمام مالك، رحمه الله تعالى: «يخرج طعامه الذي يأكل منه، ولا كيف سيعيش؟» يعني لقى: «أنا سأفترض معكم أن رجلًا في أرض قفر، ما عنده طعام، ما عنده طعام، طبعًا كيف يعيش؟ عنده طعام يأكل منه، طعامه». قال: «طعام يخرجه الزكاة، طعامه يخرجه زكاة». فقال: «يخرج من طعامه، وإلا كيف سيعيش؟» فأغلق عليه الباب، كما أراد أن يغلق عليه الباب، رحمه الله تعالى. حاصل، إخواني في الله، العلماء، جماهير العلماء، ضيقوا المقام على مسألة نقدية، وأن زكاة الفطر لا تكون إلا ماذا؟ تكون طعامًا، كما جاءت بذلك السنة. كذلك مسألة أخيرة، إخواني في الله، ولطيفة في هذا المجلس، ما يتعلق بقول نبينا: «طعمة للمساكين»، أين مصرف زكاة الفطر؟ مصرفوها إلى المساكين، أهل المسكنة، أهل الفقر، أهل الحاجة، من ضاقت عليه الأمور، من لم يسع ما ينفق عليه، أو يسع على عياله، فهذا يعطى له. والفقر والمسكنة قد كثروا في هذه الأزمان، فعليك، يا عبد الله، أن تبحث، أن تسأل، أن تعرف من الذي يحتاج، فتعطيه. وإياك، يا عبد الله، يكون حالك كحال بعض الناس ممن جعلوا زكاة الفطر هدايا، جعلوا زكاة الفطر هدايا، أصبح مثل العادات والعوائد، ليست عبادة يتعبدون الله بها، بحيث يجعلون في مصرفها، تجد بعض البيوت، الحمد لله، في بعض الأنحاء، الذي يعلوها الراحة، والناس الحمد لله على كفاية، وعلى غنى، بيت مع بيت جيران، وعندهم كفاية، أصحاب شركات، محلات، الله الحمد رب الله قد فتح عليهم، عندهم عادة في مثل هذه الأيام، زكاة الفطر، يجعلون على الباب، فيقول: «يا فلان، اذهب أعط دار فلان، وأعط دار فلان»، وهؤلاء بالمثل: «ايش عطونا؟ دار فلان عطونا»، الله يبارك، عطوهم، بسمتي، عطوهم بسمتي، يلا الرأس بالرأس، بسمتي بسمتي. فأصبح الجماعة تناقلون، ينتقل هنا، وينتقل هنا، وينتقل هنا، بين الأغنياء يدور، هذا ما يجوز؛ لأن زكاة الفطر ليست هدايا، ليست هدية تحبيها لجارك، لا، يا عبد الله، إن كان جارك مسكينًا فحيه، لا، أعط إياه، أما إذا كان مستغنيًا، إن كان مستكفيًا؛ لأن نبينا قال: «وطعمة للمساكين»، فإذا كان هناك مسكين تعرفه، وليس من شرط المسكين أن يكون معدمًا فقيرًا عاريًا، لا، ما عنده، كم يقال: «حاله كفاف»، حاله كفاف، هذا المسكين، وهذا الفقير، فتلتمس حاجات وتعطيه إياه، وتسلمه إياه. ومتى تسلم زكاة الفطر؟ لها وقتان، وقت فضيلة، تكون من بعد الفجر، قبل الذهاب إلى صلاة العيد، هذا وقت الفضيلة، وهناك وقت الجواز، قبل العيد بيوم أو يومين، كما جاء في البخاري عن ابن عمر: «أنهم كانوا يعطون زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين». وجاء كذلك عند أبي داود: «أن ابن عمر كان يفعل ذلك، كان يخرج زكاة الفطر مثل هذه الأيام، مثلًا قبل العيد بيوم أو يومين»، لك أن تخرج زكاة الفطر إلى أهلها ومستحقيها. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.