المحاضرة بعنوان استقبال رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 29 شعبان 1433هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يجب استقبال رمضان بالنية الصالحة والعزم على الطاعات، وكان السلف يدعون الله لبلوغ رمضان ويتغير حال النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان للعبادة والجود. ينبغي مضاعفة الأعمال الصالحة في رمضان.
يتضاعف الأجر في رمضان، ويجب التميز عن الأيام العادية، لكن المخاصمة والمقاطعة تعتبر معصية وتؤثر على قبول الأعمال الصالحة. يُحَذِّر الحديث من الشحناء والتشاحن بين المسلمين.
يُستثنى المُشاحن من المغفرة يوم الإثنين والخميس، ويجب الصلح والإصلاح بين المتخاصمين لرفع الأعمال وقبولها. يُحث على مد يد الصلح وترك الخلافات والخصومات.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَإِخْوَانِي فِي اللَّهِ، كَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ كَادَ وَأَوْشَكَ أَنْ يُضِلَّنَا شَهْرٌ عَظِيمٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ لَطَالَمَا اشْتَاقَتْ إلَيْهِ نُفُوسُ الصَّالِحِينَ وَالْمُصْلِحِينَ، أَلَا وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ. وَهَذَا الشَّهْرُ حَقِيقٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُبْتَهِجَ، وَأَنْ يَفْرَحَ بِقُرْبِهِ وَقُدُومِهِ، وَكَيْفَ لَا، وَهَذَا الشَّهْرُ قَدْ جَاءَ بِمَا فِيهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. أَعَدَّهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا، وَمَيَّزَهُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْفَضَائِلِ وَالْمَنَاقِبِ وَالْكَرَامَاتِ وَبِعُلُوِّ الدَّرَجَاتِ. وَقَدْ كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ -رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِمْ وَشَوْقِهِمْ لِهَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ فِي أَنْ يُبَلِّغَهُمْ رَمَضَانَ، كَمَا صَحَّتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ. وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَسْتَقْبِلُ بِهِ هَذَا الشَّهْرَ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- هُوَ النِّيَّةُ الصَّالِحَةُ، أَنْ يُعَقِّدَ الْوَاحِدُ مِنْا الْعَزْمَ، وَيُعَقِّدَ النِّيَّةَ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَنَّ اللَّهُ جَلّ وَعَلَيْهِ بِحُضُورِ هَذَا الشَّهْرِ، وَأَنْ يَتَفِيَّأَ بِظِلَالِهِ، أَنْ يَسْتَقِلَّهُ حَقَّ الِاسْتِغْلَالِ، وَذَلِكَ بِاغْتِنَامِ لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ بِمَا يَسْتَطِيعُ مِنْ طَاعَةٍ وَمِنْ عِبَادَةٍ. وَقَدْ قَالَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ: «النِّيَّةُ أَبْلَغُ مِنْ الْعَمَلِ، النِّيَّةُ أَبْلَغُ مِنْ الْعَمَلِ»، فَرُبَّمَا عَلَى نِيَّتِكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْ، لَكِنْ عَلَى نِيَّتِكَ مَعَ صِدْقِ الْعَزِيمَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجَازِيكَ أَجْرَ نِيَّتِكَ وَأَجْرَ قَصْدِكَ. فَيَنْبَغِي أَنْ نُحَدِّثَ أَنْفُسَنَا مِنْ الْآنَ عَلَى أَنَّهُ إذَا حَلَّ رَمَضَانُ عَلَيْنَا، فَإِنَّنَا سَنَعْمَلُ كَذَا وَنَعْمَلُ كَذَا وَنَعْمَلُ كَذَا، طَبْعًا لَيْسَتْ أَمَانِيَ، إنَّمَا نِيَّاتٌ مَعَ صِدْقِ الْعَزِيمَةِ، صِدْقِ الْعَزِيمَةِ عَلَى أَنَّنَا إذَا وُفِّقْنَا إلَى حُضُورِ الشَّهْرِ، سَنَفْعَلُ هَذِهِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ. وَيَنْبَغِي -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- أَنْ يَكُونَ شِعَارُ الْمُسْلِمِ فِي رَمَضَانَ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- فِي قَوْلِهِ قَالَ: «وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صَوْمِكَ سَوَاءً». وَهَذِهِ كَلِمَاتٌ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- تَكْتُبُ مَاءَ الذَّهَبِ، وَهِيَ بِحَقٍّ يَنْفَعُ أَنْ تَكُونَ شِعَارًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ فِي رَمَضَانَ، أَنْ لَا تَجْعَلَ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صَوْمِكَ سَوَاءً. أَيَّامُ الْفِطْرِ قَدْ مَرَّتْ، وَأَيَّامُ الْفِطْرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْا بِرْنَامَجٌ مُعْتَادٌ قَدْ اعْتَادَ عَلَيْهِ، لَكِنْ إيَّاكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- أَنْ تَجْعَلَ هَذَا الْبَرْنَامَجَ الَّذِي أَنْتَ قَدْ اعْتَدْتَهُ عَلَيْهِ، أَنْ تَجْعَلَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ يَكُونُ مَعَكَ وَمُصَاحِبًا لَكَ فِي رَمَضَانَ، لَا، لَا يَكُونُ هَذَا حَالُ مُؤْمِنٍ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَالُ الْمُسْلِمِ عَلَى هَذَا الْحَالِ، قَالَ: «وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صَوْمِكَ سَوَاءً»، إذَا كَانَ الْفِطْرُ لَهُ مِيزَةٌ، فَاجْعَلْ الصَّوْمَ لَهُ مِيزَةٌ أُخْرَى، وَطَعْمٌ آخَرُ، وَلَذَّةٌ أُخْرَى مِنْ التَّعَبُّدِ وَالْعِبَادَةِ وَالتَّفَقُّهِ، وَكَذَلِكَ الْمُسَارَعَةُ إلَى الطَّاعَاتِ وَالْخَيْرَاتِ. وَلَنَا أُسْوَةٌ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- بِنَبِيِّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ فِي فِطْرِهِ، وَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ إذَا حَلَّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ. الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ قَدْ تَوَاطَأَتْ وَتَكَاثَفَتْ وَتَوَاتَرَتْ عَلَى أَنَّ نَبِيَّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يَتَغَيَّرُ حَالُهُ فِي اللَّيْلِ، يُحْيِي لَيْلَهُ، وَشَرَعَ لِلصَّحَابَةِ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ وَصَلَاةَ التَّهَجُّدِ وَالْقِيَامِ كَذَلِكَ. وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنَّهُ يُقْبِلُ عَلَى الْقُرْآنِ، بَلْ كَانَ يُدَارِسُ جِبْرِيلَ فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً. وَهَذِهِ مِيزَةٌ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ. وَأَمَّا عَنْ الْجُودِ وَعَنْ الْإِنْفَاقِ، فَحَدِّثْ وَلَا حَرَجَ، فَقَدْ بَلَغَ مِنْ جُودِهِ وَمِنْ إنْفَاقِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ كَانَ أَجْوَدَ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ بِالْخَيْرِ. فَهَذَا حَالُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مَعَ أَنَّهُ فِي فِطْرٍ عَلَى خَيْرٍ، لَكِنَّ فِي رَمَضَانَ يَزْدَادُ خَيْرُهُ، وَيَزْدَادُ مَنْفَعَتُهُ لِلْآخَرِينَ. وَهَكَذَا كُنْ -يَا عَبْدَ اللَّهِ-. لِلْأَسَفِ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ، وَمِنْ الصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ، لَرُبَّمَا مَا اعْتَادُوهُ فِي الْفِطْرِ هُوَ هُوَ بِنَفْسِهِ يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، الصَّلَوَاتُ الْمُعْتَادَةُ هِيَ هِيَ، لَا زِيَادَةَ فِي النَّوَافِلِ، وَلَا زِيَادَةَ فِي الطَّاعَاتِ، مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِنْفَاقِ مُقْتَصِرٌ وَمُؤَقَّتٌ بِأَشْيَاءَ مَحْدُودَةٍ وَمَعْدُودَةٍ، لَا يَتَجَاوَزُهَا فِي رَمَضَانَ. إنْ سَأَلْتَ كَذَلِكَ عَنْ قِرَاءَاتِهِ لِلْقُرْآنِ فِي أَيَّامِ فِطْرِهِ، قَدْ حَافَظَ أَوْ حَفِظَ عَلَى أَوْرَادٍ مُعَيَّنَةٍ، وَعَلَى أَجْزَاءٍ مِنْ أَحْزَابٍ مَخْصُوصَةٍ، فَهُوَ هُوَ بِنَفْسِهِ يَسِيرُ عَلَيْهَا فِي رَمَضَانَ، لَا، هَذَا مَا يَنْبَغِي. مَا يَنْبَغِي الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ فِي فِطْرٍ، حَاوِلْ أَنْ تُضَاعِفَهُ، أَنْ تُضَاعِفَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً فِي رَمَضَانَ. وَقَدْ كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ -رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ- مِنْ سَلَفِنَا الصَّادِقِ، كَيْفَ كَانَ أَمْرُهُمْ؟ وَمَنْ نَظَرَ، وَمَنْ تَتَبَّعَ، وَمَنْ قَرَأَ فِي سِيرَةِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، يَرَى الْعَجَبَ الْعُجَابَ فِي تَغَيُّرِ أَحْوَالِهِمْ فِي رَمَضَانَ. فَإِخْوَانِي فِي اللَّهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شِعَارُ الْمُسْلِمِ فِي رَمَضَانَ أَنَّكَ لَا تَجْعَلُ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوَجَوْمَ صَوْمِكَ سَوَاءً، اجْعَلْ هُنَاكَ فَرْقًا. وَهَذِهِ عِبَارَةٌ عَنْ فَتْرَةٍ مُحَدَّدَةٍ، بَلْ سَمَّاهَا رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا «أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ»، فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ سَتَمُرُّ عَلَيْنَا -عِبَادَ اللَّهِ-، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ كَأَيِّ أَيَّامٍ، بَلْ أَيَّامٌ فَاضِلَةٌ مُعَظَّمَةٌ، يَنْبَغِي لِلْوَاحِدِ أَنْ يَتَسَابَقَ بِهَا وَيَتَسَارَعَ فِيهَا. وَلَا يَخْفَاكُمْ أَنَّنَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَالْأَيَّامُ تَنْقَضِي بِسُرْعَةٍ، بِسُرْعَةٍ. فَنَحْنُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ نَسْتَقْبِلُ رَمَضَانَ، وَمَا هِيَ وَمَضَةُ عَيْنٍ إلَّا وَنَحْنُ فِي نِهَايَةِ رَمَضَانَ نُوَدِّعُهُ، فَالْأَيَّامُ تَنْدَرِجُ سَرِيعًا جِدًّا. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَيِّعَ عَلَيْنَا الشَّيْطَانُ أَوْ صِغَارُ الشَّيَاطِينِ فِي رَمَضَانَ، أَوْ كَذَلِكَ أَنْ نَغْتَرَّ بِالدُّنْيَا وَبِالْمُلْهِيَاتِ، أَنْ نَتَزَحْزَحَ عَنْ هَذَا الْفَضْلِ الَّذِي مَاذَا أَعَدَّهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَلِلسَّابِقِينَ فِي الطَّاعَاتِ. وَيَكْفِيكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- وَمِنْ أَعْظَمِ الْحَوَافِزِ الَّتِي إنْ جَعَلْتَهَا نُصْبَ عَيْنَيْك كُلِّ صَائِمٍ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ الْخَيْرُ لَهُ، أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْأَجْرَ فِي رَمَضَانَ يَتَضَاعَفُ، الْأَجْرُ فِي رَمَضَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَضَاعَفَ هَذَا -يَا أَخَوَانِي- فِي اللُّبِّ، أَنْ كُلُّ وَاحِدٍ اسْتَيْقَنَ اسْتَيْقَنَ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ، لَكَانَتْ أَحْوَالُنَا عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ. تَسْتَيْقِنُ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَيْسَتْ الَّتِي الصِّيَامَ بَلْ أَيُّ عِبَادَةٍ، عَلَى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، أَيُّ عِبَادَةٍ تُفْعَلُ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ أَجْرَهَا يَضَاعَفُ، حَتَّى قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ سَلَفِنَا الصَّالِحِ: «رَكْعَةٌ فِي رَمَضَانَ بِأَلْفِ رَكْعَةٍ فِيمَا سِوَاهُ، وَتَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ بِأَلْفِ تَسْبِيحَةٍ فِيمَا سِوَاهُ». وَهَذَا مَا أَخَذَ مِنْ قَوْلِ نَبِيِّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ»، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ﴾. فَأَدْخَلَ عُلَمَاءُ الصِّيَامِ، وَأَدْخَلَ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ لَهَا نَفْسَ الْأَجْرِ الْمُضَاعَفِ. التَّسْبِيحَةُ فِي رَمَضَانَ عَلَى تَقْدِيرِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَتَقْدِيرِ -يَعْنِي تَمْثِيلٌ تَقْرِيبِيٌّ- بِأَلْفِ تَسْبِيحَةٍ، وَرَكْعَةٌ فِي رَمَضَانَ بِأَلْفِ رَكْعَةٍ. إِذَا كَانَ هَذَا الْحَالُ -يَا أَخَوَانِي فِي اللَّهِ- فِي الْعِبَادَاتِ الْهَيِّنَةِ، وَالْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ، فَكَيْفَ حَالُ مَنْ نَوَّعَ فِي الْعِبَادَاتِ؟ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، تَسْبِيحٌ، اسْتِغْفَارٌ، نَوَافِلُ، قُرَبَاتٌ، أَرْحَامٌ، وَكَذَلِكَ إنْفَاقٌ وَجُودٌ وَدَعْوَةٌ وَتَعْلِيمٌ وَإِرْشَادٌ، فَحَدِّثْ وَلَا حَرَجَ عَنْ الْأَعْمَالِ الْعَظِيمَةِ وَالْأُجُورِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي يَتَحَصَّلُ عَلَيْهَا الصَّائِمُونَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ، وَفِي شَهْرٍ هَذَا فِي هَذَا الشَّهْرِ الْفَاضِلِ. وَكَذَلِكَ نُنَبِّهُ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَوْعُ إِيضَاحٍ، وَهُوَ أَنَّ رَمَضَانَ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- هُوَ شَهْرُ الْمَغْفِرَةِ وَشَهْرُ التَّوْبَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا يَتُوبُ عَلَى عِبَادِهِ، وَيَجْعَلُهُمْ عُتَقَاءَ مِنْ النَّارِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُ مِنْ عِبَادِهِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فِيهَا. لَكِنْ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- لَرُبَّمَا يُبْتَلَى الْمُسْلِمُ يُبْتَلَى الْمُسْلِمُ بِبَعْضِ الْمَوَانِعِ، وَبِبَعْضِ الْعَوَائِقِ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ أَجَلِ الصَّوْمِ، هُنَاكَ مَوَانِعُ تَمْنَعُ مِنْ اسْتِيفَاءِ أَجَلِ الصَّوْمِ، وَكَثِيرَةٌ وَلَيْسَ عَلَى الْمَقَامِ لِذِكْرِهَا، لَكِنْ حَسْبُنَا أَنْ نُسَلِّطَ الْأَبْوَابَ عَلَى مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَقَارِبَ وَأَرْحَامٍ وَجِيرَانٍ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِعُمُومٍ، وَبَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُخَاصَمَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُقَاطَعَةِ الَّتِي فَشَتْ وَانْتَشَرَتْ وَطَمَتْ وَعَمَّتْ فِي مُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمِينَ. إِخْوَانِي فِي اللَّهِ، يَنْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الْمُخَاصَمَةَ وَالْمُشَاحَنَةَ إنْ كَانَتْ عَلَى دُنْيَا، فَمَعَ أَنَّهَا إثْمٌ، مَعَ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، مَعَ أَنَّهَا جَرِيمَةٌ شَنِعَاءُ فِي حَقِّ الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ، إلَّا أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مُصِيبَةٌ أُخْرَى. وَمَا هِيَ الْمُصِيبَةُ الْأُخْرَى؟ أَنَّ مِنْ آثَارِ وَمِنْ ثِمَارِ الْمُقَاطَعَةِ وَالْمُشَاحَنَةِ أَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، تَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا، وَفِي يَغْفِرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا»، وَانْظُرْ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- إلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ، إلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ، «أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِجَمِيعِ الْمُذْنِبِينَ مَا عَدَا الْمُشْرِكَ»، فَيَغْفِرُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا «إلَّا لِمُشَاحِنٍ»، هَذَا الْمُسْتَثْنَى مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، يُسْتَثْنَى هَذَا الْوَصْفُ «إلَّا لِمُشَاحِنٍ»، يَقُولُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا: «إلَّا الْمُتَشَاحِنِينَ»، يَقُولُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا: «انْظُرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، انْظُرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، انْظُرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا»، كَرَّرَهَا ثَلَاثًا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «انْظُرُوا هَذَيْنِ»، أَيْ انْتَظِرُوهُمَا، أَيْ أَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تُرْفَعُ، وَالْأَعْمَالَ لَا تُقْبَلُ، وَإِنَّمَا تَبْقَى مُعَلَّقَةً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، هَذَا فِي حَقِّ مَنْ؟ فِي حَقِّ الْمُشَاحِنِ، تَشَاحَنْتَ، تُخَاصِمُ مَنْ؟ مَعَ أَخِيكَ، مَعَ جَارِكَ، مَعَ زَمِيلِكَ، مَعَ أَحَدٍ مِنْ قَرَابَتِكَ، مَعَ أَحَدٍ مِنْ أَرْحَامِكَ. وَإِلَّا -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- فَمَا يَنْفَعُكَ أَنْتَ تَتَعَبَّدُ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا بِعِبَادَاتٍ عَظِيمَةٍ مِنْ صَلَاةٍ وَمِنْ صِيَامٍ وَمِنْ زَكَاةٍ وَمِنْ قِيَامٍ وَمِنْ إنْفَاقٍ وَمِنْ اسْتِقَامَةٍ وَمِنْ صَلَاحٍ، وَأَنْتَ -عِبَادَ اللَّهِ- مَا سَلِمْتَ مِنْكَ، قَاطَعْتَ هَذَا، وَهَجَرْت ذَاكَ، وَتَشَاحَنْت مَعَ ذَا، وَتَخَاصَمْت مَعَ ذَا مِنْ أَرْحَامٍ وَمِنْ أَقَارِبَ. وَنَرْكِّزُ عَلَى أَنَّ الشِحْنَاءَ وَالْعَدَاوَةَ الَّتِي هِيَ الْهِجْرَةُ أَوْ الْهِجْرُ الْغَيْرُ الْمَشْرُوعِ، إذَا كَانَ عَلَى الدُّنْيَا، إذَا كَانَ عَلَى الدُّنْيَا. أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الدِّينِ فَلَا، هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي الْمَذْمُومِ، بَلْ إذَا كَانَ الْقَطِيعَةُ إنْ صَحَّحْنَا الْقَطِيعَةَ، أَوْ الْمُفَارَقَةُ أَوْ الْهِجْرَانُ إذَا كَانَ مِنْ أَجْلِ الدِّينِ، فَهَذَا أَمْرٌ مَحْمُودٌ. يَعْنِي مَثَالُهُ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكَ مَثَلًا بِقَرِيبٍ مِنْ أَقَارِبِكَ، أَوْ بِجَارٍ مِنْ جِيرَانِكَ، أَوْ صَاحِبٍ مِنْ أَصْحَابِكَ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَلَى ذَنْبٍ وَعَلَى مَعْصِيَةٍ، تَارِكٍ لِلصَّلَاةِ، أَوْ شَارِبٍ لِلْخَمْرِ، أَوْ مُفْرِطٍ فِي جَنْبِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَذَكَّرْتَهُ وَذَكَّرْتَهُ وَذَكَّرْتَهُ، وَحَاوَلْت مَعَهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ إلَى أَنْ تَدُلَّهُ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَحَذَّرْتَهُ مِمَّا غَبِطَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَنْفَعُ، بَلْ وَجَدْت أَنَّ وُجُودَك وَأَنَّ مُصَاحَبَتَك مَعَ هَذَا، يُؤَثِّرُ عَلَيْكَ، وَأَنَّهُ قَدْ أَضْعَفَكَ وَأَضْعَفَ دِينَكَ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْمُجَامَرَةُ مَعَهُ شُبْهَةً فِي حَقِّكَ. فَحِينَئِذٍ إذَا وَصَلْت إلَى هَذَا الْبَابِ الْمَسْدُودِ، فَتَتْرُكُهُ، تَتْرُكُهُ أَوْ تَرَى أَنَّ الْهِجْرَ لِحَقٍّ أَصْلَحَ، وَأَنْفَعَ، وَأَسْجَرُ، لَا تَتْرُكْهُ. فَتَرْكُكَ لِهَذَا الرَّجُلِ، وَعَدَمُ مُصَاحَبَتِهِ وَهُوَ إنْ كَانَ مِنْ بَابِ الْهِجْرِ، لَكِنَّ هَذَا مِنْ أَجْلٍ مَحْمُودٍ؛ لِأَنَّكَ هَجَرْت لِلَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. أَمَّا هِجْرَانٌ عَلَى دُنْيَا، هِجْرَانٌ عَلَى دُنْيَا، تَتَقَاطَى -كَمَا نَسْمَعُ مِثْلًا- عَلَى مُسْتَوَى دَوْلٍ عَلَى أَجْلِ قِطْعَةِ أَرْضٍ، أَوْ عَلَى مُسْتَوَى قَبَائِلَ عَلَى بَعْضِ الْوِدْيَانِ، عَلَى بَعْضِ الثِّمَارِ، عَلَى بَعْضِ نَخِيلٍ، نَخِيلٍ، هَلْ هَذَا الدَّاخِلُ لِلْقَبِيلَةِ الْفُلَانِيَةِ أَوْ هَذَا النَّخْلُ التَّابِعُ لِلْقَبِيلَةِ الْفُلَانِيَةِ؟ فَصَاحَ الْقَوْمُ وَضَجَّ الْآخَرُونَ، ثُمَّ قَامَ الْجَمْعُ، السِّلَاحُ السِّلَاحُ، هَذِهِ الدُّنْيَا. أَوْ مَا يَقَعُ بَيْنَ الْجِيرَانِ، بَيْنَ امْرَأَةٍ وَبَيْنَ جَارَتِهَا سَنَوَاتٍ قَطِيعًا عَلَى مَاذَا؟ عَلَى صِبْيَةٍ، عَلَى أَطْفَالٍ، أَوْ ذَاكَ عَلَى دُنْيَا، عَلَى أَمْوَالٍ، فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ أَجْلِ الدُّنْيَا. فَإِذَا وَقَعْت -يَا عَبْدَ اللَّهِ- فِي شَيْءٍ مِنْ التَّزَاحُمِ أَنْتَ فِيهَا مَظْلُومٌ، دَعْ الدُّنْيَا لِصَاحِبِهَا، قُلْ: خُذْ الدُّنْيَا وَسَتَلْقَانِي بِهَا عِنْدَ الرَّبِّ جَلّ اللَّهُ وَعَلَا. أَمَّا تَبْقَى الْمُصَاحَبَةُ، تَبْقَى: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، أَمَّا قَطِيعًا وَهِجْرَانًا وَتَرْكًا لِلسَّلَامِ، وَتَرْكًا لِلْكَلَامِ، وَإِذَا مَرِضَ لَا تَزُورُهُ، وَإِذَا مَاتَ لَا تُشَيِّعُهُ، تَقْطَعُ حَقَّ الْإِسْلَامِ عَلَى أَجْلِ الدُّنْيَا، لَا -يَا عَبْدَ اللَّهِ-. فَحَقُّ الدِّينِ مُقَرَّبٌ، مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الدُّنْيَا، فَكَيْفَ إذَا عَلِمْت أَنَّهُ إذَا انْضَافَ إلَى الْقَطِيعَةِ أَنَّهَا تُؤَدِّي إلَى هَذِهِ الثَّمَرَةِ الْخَبِيثَةِ، أَنَّكَ مَهْمَا تُصَلِّ وَمَهْمَا تَصُمْ وَمَهْمَا تُؤَدِّ الْعِبَادَاتِ، فَإِذْ بِأَعْمَالِكَ مُعَلَّقَةٌ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يَرْضَى عَنْهَا الرَّبُّ جَلّ وَعَلَا حَتَّى تَأْتِيَ بِالصُّلْحِ: «انْظُرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا». الَّذِي عَلَيْكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- أَنَّك تُسَارِعُ إلَى مَدِّ يَدٍ، وَإِلَى فَتْحِ الصَّدْرِ، وَإِلَى فَتْحِ أَبْوَابِ الْخَيْرِ وَالصُّلْحِ، تَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، يَا جَارُ، يَا قَرِيبُ، يَا زَمِيلُ، كَفَانَا خُصُومَةً، كَفَانَا مُعَادَاةً، الشَّيْطَانُ قَدْ انْدَسَّ بَيْنَنَا، وَكَفَانَا قَطِيعَةً، هَذِهِ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ، الدُّنْيَا تَافِيَةٌ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ نَبْقَى، وَهَذِهِ يَدِي وَضَعَهَا فِي يَدِكَ، وَعَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، وَصَفْحَةٌ جَدِيدَةٌ، وَنَحْنُ أَخَوَانٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ. فَأَنْتَ تَبْدَأُ بِهَذَا، بِهَذَا الْبِدَاءِ. وَلِلْأَسَفِ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- أَنَّ النَّاسَ يَظُنُّونَ مِثْل