رمضان شهر الخيرات

المحاضرة بعنوان رمضان شهر الخيرات، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 27 شعبان 1437هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الاستعداد لشهر رمضان وتعلم أحكامه

يجب على المسلمين الاستعداد لشهر رمضان بتعلم أحكامه وآدابه، والالتزام بالأوامر والابتعاد عن النواهي. هذا الاستعداد يضمن صحة صومهم وامتثالهم لأحكام الدين.

فرضية الصيام وحكم تركه وأحكامه

الصيام واجب وركن من أركان الدين، وتركه جحوداً يعتبر كفراً، كما أن التهاون في أداء الصيام له عقوبات، وتشريعه مر بمراحل في الإسلام. يجب على المسلمين الالتزام به وأدائه بشكل صحيح.

شرعية الصيام في الإسلام والأمم السابقة

الصيام فرض على الأمم السابقة كما فرض علينا، واختلف العلماء في تحديد هؤلاء الأمم، واستدل بحديث عن يحيى بن زكريا عليه السلام. هذا يبين استمرارية شرعية الصيام عبر الشرائع السماوية.

التفريغ النصي الكامل

نعوذ به ونستغفره شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إخواني في الله، ها قد أظلنا شهر عظيم مبارك، شهر لكم اشتاقت إليه نفوس الصالحين والمصلحين والعارفين، وإنه على كل مسلم، إخواني في الله، وخاصة ونحن مقبلون على هذه الأيام المباركة، ينبغي أن نعد العدة في استقبال هذا الشهر المفضل. ومر معنا في خطبة اليوم ما ينبغي على المسلم أن يستعد له، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ فأين العدة إخواني في الله لهذا الشهر العظيم؟ وإن أعظم ما يستقبل به هذا الشهر التفقه والتبصر والتعلم لأحكام الصيام ولأحكام رمضان، فللأسف تجد أن الكثير من الناس ربما تتوالى عليهم الرمضانات ويكونون من أهل الصيام والقيام، إلا أنهم في عماية تامة عن تعلم أحكامه. فتجد منهم القصور وتجد منهم الخمول، بل ما هو أعظم من ذلك، تجد منهم بطلان الصيام لكثير من أيام الصيام، وذلك لعدم معرفتهم لأحكامه. وحسبنا إخواني في الله أن نقف على آية يكثر تكرارها في أيام رمضان، ويقولها سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هذه الآية الكثير منا تطرق على مسامعه، إلا أن أحكامها ربما تفوته، فوقفوا إخواني في الله مع هذه الكلمات لهذه الآية العظيمة وما فيها من مسائل وعظات. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا خطاب يسميه العلماء بخطاب المدح، كما ذكر ذلك السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الإتقان. خطاب مدح، وما الذي يستفيده المسلم؟ يستفيد المسلم من هذا الخطاب أنه يتحلى بهذه الصفة إذا علم أن الله إذا خاطب قوما بصفة مدح، فأنت تنبري لهذه الصفة حتى تدخل في أهلها، فيصيبك ما أصابهم من المدح. فإذا علمت أن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب مدح، هذا حري بك يا عبد الله أن تتصف بهذه الصفة. وأيضا من فوائد قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيها ما ذكره البيهقي رحمه الله تعالى بإسناده إلى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا سمعت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأَعِرْهَا سَمْعَكَ. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إذا سمعت قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأَعِرْهَا سَمْعَكَ، لِمَا؟ قَالَ رضي الله تعالى عنه: ﴿فَإِنَّهُ إِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُونَ بِهِ وَإِمَّا شَرٌ تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. وهذا بالاستقراء ما من موطن تجد فيه هذا النداء إلا ويتبع بأمر أو نهي، فأنت ملزم بأن تأتي بالأمر، أو أن تكف عن النهي. فينبغي التأمل والتنبه لكل نداء بهذا الوصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَعِرْهَا سَمْعَكَ، فإما خير تؤمر به، عليك أن تلتزم به، وإما شر تنهى عنه، عليك أن تكف عنه. كذلك إخواني في الله من فوائد هذا النداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه أن هذا الخطاب هو خطاب لأهل الإيمان، وليس المقصود به أن أهل الإسلام ليسوا مخاطبين بهذا النداء، لا، بل يقول علماء أن النداء هنا لأهل الإيمان، يدخل فيه أهل الإسلام. والقاعدة عند أهل العلم أن الإسلام والإيمان كلمتان إذا اجتمعتا تفرقتا، وإذا افترقتا اجتمعتا، فقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا تظن يا عبد الله أن الخطاب للمؤمنين، وأن من دونهم من أهل الإسلام ليسوا ملزمين بهذا الخطاب، لا، وإنما قال علماء هنا النداء لأهل الإيمان، يدخل فيه أهل الإسلام. فإذا رأيت اللفظ بلفظ الإسلام، فإن أهل الإيمان يدخلون فيه، وإذا رأيت في موطن النداء بوصف الإيمان، اعلم أن أهل الإسلام يدخلون فيه. فمن هم ضابطهم؟ كما قال علماء: هو كل من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، هذا هم أهل الإيمان والإسلام. كل من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وهناك ضابط آخر يقول علماء: هو كل من التزم بالشهادتين ولم يأت بناقض، فهؤلاء هم أهل الإسلام، وهم كذلك أهل الإيمان. قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سيأتي معنا ما يتعلق بأحكام الصيام، إذن علمنا أن هذا النداء لفئة معينة، وهم أهل الإسلام والإيمان، هم مخاطبون. ومن خرج بهذا الوصف خرج بهذا القيد، الكفار، الكفار غير مخاطبون، ونعني بالكفار بعموم أهل الكفر، سواء من كان الكافر الأصلي أو من كان الكافر المرتد، فكل هؤلاء لا يدخلون في خطاب الإيمان. الكافر الأصلي هو الذي لم يذعن أصلا للإسلام، وأما الكافر المرتد هو من دخل في الدين وخرج بناقض، فهذا يكون مرتدا، وهذا حكمه كحكم الكفرة، لا يخاطب بالدين، ولا ينفعه أن يؤدي هذه الطاعات والعبادات. فمن صور الردة مثلا أن الرجل يستغيث بغير الله، أن يلتجأ إلى غير الله، أن يصف الطاعات لغير الله، فمن كان هذا حاله، ومن والاه أنه أدخل العبودية لغير الله، فهذا مشرك، فمهما صلى ومهما صام، فأمره مردود على وجهه. وهكذا مما يكون من النواقض ترك الصلاة، تعلق الجماعة من العلماء العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر، فالكافر إخواني في الله تارك الصلاة يكون كافرا، علق الجماعة من المحققين. فإذا كان هناك رجل ومن أمره أنه تارك للصلاة، فأراد أن يصوم، فلا ينفعه صومه، أو أراد أن يزكي، فلا تنفعه زكاته، فمهما عمل من عمل صالح، فإنه يرجع إليه مردودا على وجهه، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. حتى هناك ما هو أعظم من ذلك، ذهب جماعة من العلماء إلى أن من ترك فرضا واحدا متعمدا حتى يخرج وقته، فقد كفر، وقد ذكر ذلك ابن حزم رحمه الله تعالى في المحلى، ونسب هذا القول إلى جماعة من الصحابة. فإذا تأملنا هذا يا عبد الله، علمنا عظم البلية التي تلحق بها الكثير من الناس في مثل هذه الأزمان، وخاصة في رمضان، تجد من الناس من ربما يتحرى ويتجشم عناء الصوم، ويتكبد عناء الصيام، إلا أنه بالمقابل تارك للصلاة. فالحاصل إخواني في الله، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الخطاب لأهل الإيمان، فخرج من ذلكم الكفار، سواء من كان كافرا أصليا أو من كان كافرا مرتدا. مع القول بأن الكافر لا يطالب بتأدية العبادات، إلا أنه يوم القيامة سيحاسب عليها، انتبه لهذا، الكافر مثلا لو جاء كافرا في هذه الأزمان ورأى الناس يصومون، يقول: أنا سأصوم معكم، أتعود على ترك الطعام والشراب؟ يقول: إذا فعلت هذا لا تؤجر، لأنك كافر. يعني يقول: ما أصوم، يقول: لا تصوم، ومع ذلك نقول له: إذا بعثت عند الله وأنت كافر، فإن الله سيحاسبك على ترك الصيام، سيحاسبك ربك سبحانه وتعالى على ترك الدين، وعلى هذه الأصول، وعلى هذه المسائل من التشريعات. والدليل على ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُنْ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُنْ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. هم كفرهم وكذبهم، كذبوا بدين الله سبحانه وتعالى، فعاقبهم ربنا على تكذيبهم، وعلى كفرهم، وعاقبهم ربنا أيضا على تركهم للصلاة، وهكذا قال العلماء وسائر الطاعات، يحاسب عليها الكافر. وكذلك سدل العلماء بدليل عقلي، دليل عقلي من ذلكم، قال العلماء: لو أن الله عز وجل يوم القيامة سيحاسب المسلم الخاضع، يحاسبه على ترك الأعمال الصالحة، فقال: أليس من باب أولى أن الله يحاسب الكافر المتكبر؟ صحيح هذا من باب أولى، وهذا القياس أولى. إذا كان المسلم هو الذي أذعن لله بالتوحيد، وأذعن لله بالإسلام، وتقع منه هنات وأشياء وقصور وتفريط وإفراط في جنب الله، ويحاسبه ربنا عليها، فقالوا: إذا كان هذا معاملة الرب مع المسلم الخاضع لدين الله، فما ظنك بالمتمرد الكافر يترك هكذا لا يحاسبه ربنا كما حاسب المسلم على ترك الأعمال؟ وهكذا قياس آخر عقلي وصحيح، قال علماء: إذا كان الله سبحانه وتعالى سيحاسب الكافر يوم القيامة على النعم، على شربة ماء، سيحاسب ربنا الكافر عليها، شربة ما منى الله من نعم الأرزاق، نعم الحياة، من نعم الصحة والأولاد والزواج والمتعة، هذه النعم سيحاسب ربنا الكفار عليها. أليس من باب أولى أن يحاسبه ربنا على شرائع الدين؟ أي نعم هذا أولى، ولهذا فالقول الصحيح في هذا الباب على أن الكافر كما أنه لا يخاطب بشرائع الدين لأنه ليس أهلا للخطاب، إلا أنه يوم القيامة سيحاسب على تركها، يحاسب على تركها. قول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ قول سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ﴾ هذه الآيات أو الكلمات من هذه الآيات المباركة فيها مسائل. قول سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ﴾ ما معنى كتب؟ ذكر أبو العباس المقرئ رحمه الله تعالى أن كتب في القرآن تأتي على عدة معان، أن كتب وما تفرع منها وما اشتق منها تأتي في القرآن على عدة معاني. فمن معاني كتب بمعنى فرض، وهذا المراد من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ بمعنى فرض عليكم الصيام. وأيضا تأتي معنى كتب أو كتب وتصرف منها تأتي بمعنى جعل، كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كُتِبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانُ﴾ كتب بمعنى جعل في قلوبهم الإيمان. وتأتي كذلك أيضا كتب بمعنى قضى، بمعنى قضى، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، أي قضى الله لأغلبن أنا ورسلي، فهذه المعاني الذي تدور عليها معنى كتب وما تفرع منها. ويهمنا المعنى الأول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ كتب بمعنى فرض، ومن هنا سميت الصلوات المفروضة بالصلوات المكتوبة، خمس صلوات كتبها الله على العبد. وهكذا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ بمعنى فرض عليكم القتال، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي ماذا؟ فرضا، فرضا لزما حتما. فمعنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ بمعنى فرض عليكم الصيام، وأما معنى كلمة صيام، الصيام في لغة العرب بمعنى الإمساك، بمعنى الإمساك مطلق الإمساك. كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ بمعنى صمتا، فلن أكلم اليوم إنسيا، فسمي الانكفاف عن الكلام صياما. ويقول العلماء على أن أصل الصيام مأخوذ من صيام الخيل، مأخوذ من صيام الخيل، ومعنى صيام الخيل أي هي الخيل الممسوكة عن الحركة وعن العلف، فتسمى خيل صيام. كما في قول النابغ الذبياني: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تلعك اللجمة، خيل صيام، خيل صيام أي ممسوكة ممسوكة عن السير، ممسوكة عن الحركة. فولهذا يقول أبو عبيد رحمه الله تعالى: قال كل إمساك عن كلام أو عن طعام أو عن سير يكون صوما، قال أبو عبيد رحمه الله تعالى: كل إمساك عن طعام أو سير أو كلام يكون صياما. فمطلق الإمساك يسمى صوما، ويهمنا إخواني في الله ما معنى الصيام في لسان الشرع؟ معنى الصيام في لسان الشرع هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية، طبعا هذا مبحث آخر. والتوسع فيه ليس هذا مقامه، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إذن كتب الصيام بمعنى فرض الصيام، تأتي مسألة ما حكم الصيام؟ الصيام بالآية واجب من الواجبات، وركن من أركان الدين، دل على فرضيته القرآن والسنة والإجماع، أما من القرآن هذه الآية التي بين أيدينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ بمعنى فرض وحتم ولزم، فهو فرض واجب. ومن السنة أحاديث كثيرة منها الحديث الشهير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: "بني الإسلام على خمس"، ومنها "وصيام رمضان"، فصيام رمضان من مباني الإسلام العظام، من مباني الإسلام العظام. وأما الإجماع فقد قام إجماع العلماء على فرضية الصوم، اتفق العلماء سلفا وخلفا على وجوب الصوم على أهله. بقي مسألة تلحق بهذا الباب ما حكم من ترك الصيام؟ ما حكم من دخل عليه رمضان فما صام؟ حكمه ينقسم إلى قسمين، وذلك بالنظر إلى الدافع، ما الدافع إلى ترك صيام رمضان مع المسلمين؟ إن كان من ترك الصيام تركه جحودا له وإنكارا لفرضيته، مثل يأتي من بعض الفرق اللادينية أو هكذا الباطنية كالإسماعيلية والإمامية والناصرية، وبعض الفرق المرتدة ممن يتعبدون الله بترك الصوم، ويرون أنه لا صوم في الإسلام. وإنما آيات الصيام في القرآن وفي السنة تحمل على بمعنى الكتمان لأسرار الأولياء، هكذا يتدعون، أو كذلك بعض الفرق اللادينية من العلمانية والماسونية الذي يرون أن الصوم عبارة عن تثقيل للكاهل، وأن هذا إرهاق للأنفس، وأن المسلم غير مكلف بهذا. فمن كان هذا أمره يعاني شرع الله عز وجل وينكر فرضية الصيام، فهذا كافر، هذا كافر مرتد، خرج من الدين والملة، خرج من الدين والملة لأنه أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة. فإذا وجد رجل هذا حاله يتهجم على باب الصيام وينكر فرضيته ويجحد ركنيته، فهذا كافر، أما إذا كان مسلما على خلاف ذلك، يعتقد بوجوبه، يعتقد بركنية الصيام، إلا أنه نزغه الشيطان ووقع في تكاسل وتثاقل، وتلاعب به الهوى ففرط في الصيام، فأفطر، فهذا عاصي، هذا عاصي فاجر فاسق. وليعلم حتى لا يستهين بالذنب، يعني بعض الناس يسأل: يقول: أنا كافر، يقول: أنا متى كافر؟ فيتنفس الصعداء، فيسترسل بفعل الذنب، يقول: إذا معصية، يقول: يا أخي معصية، يقول: يعني مش كفر، فيحاول أنه يتهرب من كلمة الكفر. فإذا وجد هناك مخرجا اسمه معصية، دخل في جهر المعصية، ويستهين بهذا الجهر، لا تستهين يا عبد الله بجهل خاصة في فرضية الصيام، الأمر فيه عظيم. قال الذهبي رحمه الله تعالى: قال ومن أفطر أياما من رمضان بغير عذر، فهو شر من الزاني ومن مدمني الخمر، قال الذهبي رحمه الله تعالى: من ترك أياما، ليس شهر رمضان بأكمله، لا، أيام من ترك أياما من رمضان بغير عذر، ليس مرض، ليس سفر، ليس هناك مانع من ترك رمضان. من أفطر أياما من رمضان بغير عذر، فهو شر من الزاني، شر من الزاني ومن مدمني الخمر، يعني هذا الذي يستهن به الكثير من الناس، للأسف تجد بعض الناس، ولا أقول أنهم صغار السن، ولا أقول كبار السن، بل شباب. يكفيك أن الواحد منهم ولو ربما يطلع البحر ما يخوض غمار البحار إلا الرجال، يتشجم عناء الأمواج العاتية والحرارة المتهبة في سبيل الرزق، تجد هذه العضلات المفتولة إنما يجعلها في الدنيا. فإذا جاء الصيام أفطر أو آخر ربما يرعى يرعى الإبل ويرعى الغنم في مساحات شاسعة، يذهب هنا وهنا، ويهرول خلف هذه البهائم العجماوات في سبيل دنيا، فإذا جاء رمضان وهو في تلكم الساعة أفطر، لماذا؟ ما أستطيع، ما تستطيع في دين الله. ما تستطيع في هذه التباحيات التي يبتدعها في البر وفي البحر وفي الجبال والسهل، عامر عادي، لا، يا عبد الله إذا أفطرت أيام من رمضان، اعلم أن شرك، وأن ذنبك أخبث وأشد وأضر من مدمن الخمر ومن الزاني. ويؤيد هذا المعنى وهذا التهديد ما رواه ابن خزيمة وابن حبان من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: "بينما أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فقالا لي انطلق". قال: "فانطلقت فأتي بي جبلا وعرا فقال لي اصعد فقلت إني لا أطيقه فقال سنسهله لك قال فصعدت فإذا أنا بسواء الجبل إذا بأصوات شديدة صراخ وعويل". فقلت: "ما هذه الأصوات؟ قال هذا عواء أهل النار، عواء أهل النار، قال ثم قيل لي انطلق فانطلقت فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أجذاعهم، معلقين بعراقيبهم أي على رأس على عقب الرؤوس في الأسفل والعراقيب معلقين بها". معلقين بعراقيبهم مشققة أجذاعهم تسيل أجذاعهم دما، فقلت: "من هؤلاء؟ سأل نبينا الذي اصطحباه من هؤلاء؟ قالوا هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم، يفطرون أن يتعجلوا الفطر قبل تحلة صومهم". أي قبل أن يأتي وقت الإفطار يتعجلوا، مثلا وقت الإفطار مثلا الساعة السادسة، فإذا بهم أولا يتعجلوا في الساعة الخامسة تهاونا، قال: "كم باقي من الإفطار؟ قال يبقى ساعة، صمنا ما شاء الله عشر ساعات، ساعة واحدة". فيتعجلوا، انظر هؤلاء صاموا هم صاموا إلا أنهم تهاونوا في هذه السويعات، فأفطروا قبل تحلة صومهم، فماذا كان ذنبهم؟ هذا جزاؤهم، معلقين بعراقيبهم مشققة أجذاعهم تسيل أجذاعهم دماء. إذا كان هذا في حق من صام، فما ظنك بالذي لم يصم؟ فكيف عذابه؟ كيف ذنبه؟ فاحذر يا عبد الله، احذر يا عبد الله من أن تفرط في أمر الصيام، فأمره عظيم، عظيم، فهو من مباني الإسلام وأركانه العظام الذي يجب على كل مسلم بالباء أن يقوم بهذا الأمر. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ هذا ما يتعلق بفرضية الصيام، هنا فائدة، كتب عليكم الصيام كيف كتب الصيام على أهل الإسلام؟ هل بهذه الشاكلة لا؟ ليس كذلك، الصيام لكونه شاق على الأنفس، فإن الله سبحانه وتعالى راعى فيه النفس البشرية، فكان على التدريج، أول ما فرض الصيام على أهل الإسلام كان بصيام يوم عاشوراء، بصيام يوم عاشوراء فقط. هذا الذي يصام، هذا الذي يصام، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنهم: "أنهم أمروا بصوم عاشوراء"، وهذه الفرضية إخواني في الله كما قال العلماء الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى لم تستمر سوى سنة واحدة فقط. سنة واحدة هي التي فرض فيها صوم عاشوراء، لأنه كان صوم عاشوراء في بداية السنة الثانية، صوم عاشوراء كان في بداية السنة الثانية، ثم في نفس السنة جاء فرضية ماذا؟ نزول رمضان. فما أمر الناس بفرضية عاشوراء إلا في سنة واحدة فقط، طيب هذه المرحلة الأولى، أول ما نزل من الصيام صيام عاشوراء، المرحلة الثانية نزول شهر رمضان، لكن كان نزول رمضان لم يكن الناس يلزمون بصيامه. لم يكن هناك إلزام، وإنما هناك خيار، من أحب أن يصوم صام، أو يطعم عن كل يوم مسكين، وعلى الذي يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيرا فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم. وكان الصيام أفضل من الإطعام، لكن كان هذا بالخيار، كما جاء ذلك عن عائشة وجاء ذلك عن ابن عمر كما في الصحيح: "أنا من شاء صام ومن شاء أفطر"، فهذه المرحلة الثانية من مراحل إنزال رمضان. الأولى صام عاشوراء، الثانية إنزال رمضان لكن بالخيار، المرحلة الثالثة وماذا؟ المرحلة الثالثة كان الإلزام بالصيام، ليس هناك خيار، إنما إلزام الكل، من كان قادرا مستطيعا على الصيام، وجب عليه أن يمسك. لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ كما جاء في صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه: "أنهم كانوا في عهد نبينا صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا حتى نزل قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾". إذن كان رمضان صيامه كان عن ثلاث مراحل، مرحلة بعد مرحلة حتى وصل إلى هذه المرحلة الأخيرة، هناك مسألة كذلك في كيفية تشريع الصيام، كان يذكر من أول تشريع الصيام من أحكامه. على أن الصائم إذا دخل عليه وقت الإفطار، الصائم إذا دخل عليه وقت الإفطار فنام لا يستطيع بعدها أن يفعل شيئا من المفطرات، يصوم لليوم الثاني، يصوم لليوم الثاني. إذا دخل وقت الإفطار فنام الرجل نام، فإنه إذا استيقظ بعد ذلك لا يتناول شيئا وإنما يمسك يمسك لليوم الثاني، وغيرو ذلك أبو داود في سننه في قصة ذاك الصحابي صرم بن قيس رضي الله تعالى عنه. أنه كان دخل على أهله وكان صائما، فقال: "هل عندكم من طعام حتى يفطر؟ فقالوا لا، ولكن نطلب لك شيئا"، فخرجتم تطلب طعاما حتى يفطر زوجها على شيء. فبينما هو جالس إذ غالبته عيناه لأنه كان يعمل وكان منهكا، فبينما ينتظر الإفطار نام، ماذا نام؟ ما يتناول شيء، فدخلت امرأته فرأته على هذه الحال، وقالت: "خيبة لك خيبة لك"، يعني ما يمكن أن تتناول شيء. فقاموا أمسك إلى الليل إلى اليوم الثاني، انظر الأيام متواصلة، اليوم الأول ثم أدخل اليوم الثاني، وما تناول شيئا حتى انتصف النهار، فغشي عليه غشي عليه من شدة الجوع والظمأ والتعب. فأخبر ورفع أمره للنبي عليه الصلاة والسلام، فأنزل ربنا سبحانه وتعالى تلكم الآيات: ﴿فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. قال الصحابة: "ففرح الصحابة فرحا شديدا بهذه الآية، فرحا شديدا بهذه الآية، أنه رخصة أي إذا دخل وقت الإفطار تنام أو لا تنام، المجال مفتوح إلى وقت السحر حتى يظهر الفجر الصادق من الكاذب، حينها تكف عن الطعام". وهذا الحديث قال عنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى حديث صحيح، حديث صحيح. يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ اختلف العلماء من هم الذين كانوا من قبلنا والذين أمروا بالصيام مثلنا؟ على أقوال من أهل العلم، من ذهب إلى أن هذه الآية خاصة بالنصارى، وهذا مروي عن السدي وعن أصباط وهكذا عن الشعبي رحمهم الله تعالى، ذهبوا إلى أن هذه الآية متعلقة ومختصة بالنصارى، هم الذين كانوا يصومون مثل صومنا. والقول الثاني قول من قال بأنهم هم أهل الكتاب، أي اليهود والنصارى، اليهود والنصارى، وهذا القول ذكره وعطاء الخرساني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. والقول الثالث قول من قال بأن هذه الآية عامة لجميع أهل الملل، أن هذه الآية عامة لجميع أهل الملل، فيدخل في ذلك اليهود والنصارى، وغيرهم من من كانوا قبلهم، وغيرهم من العرب، فإنهم يدخلون في هذه الآية. ولعل هذا الأظهر، وهذا قول جماعة من السلف، ذكره نافع بن حاتم رحمه الله تعالى أيضا عن ابن عباس، ذكره نافع عن ابن عباس، وقول بالعالية وجماعة كذلك من السلف، ولعل هذا القول هو الأظهر. أن قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أن من قاموا قبلنا هو الأمم الماضية، الأمم الماضية، ويدل على ذلك أولا عموم الآية، الآية عامة ما قيدت ولا خصصت ديانة عن ديانة ولا ملة عن ملة. الأمر الثاني التاريخ الموجود، إذا أن العرب كانوا يصومون كما جاء ذلك في السيرة، كانوا يصومون وكانوا يعظمون أمر الصيام، ولعل هذا كان مأخوذا من بقايا دين إبراهيم عليه السلام، من بقايا دين إبراهيم عليه السلام. وهكذا من تتبع إلى أديان السالفة فكان الصيام مشروعا عندهم، ومن باب الفائدة أيضا يذكر ما ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. من أن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، إلا أن يحيى بن زكريا عليه السلام كأنه تأخر في إخبار بني إسرائيل بهذه الكلمات الخمس. فقال عيسى عليه السلام: "يا يحيى إن الله عز وجل أمرك بخمس كلمات أن تعمل بها وأن تأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم"، فقال يحيى: "لا تفعل"، فقال عيسى عليه السلام: "إني أخشى إن سبقتني أن يعجل الله بعقوبتي". فحينها دعا الناس إلى بيت المقدس، دعا الناس إلى بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، وقعد الناس على الشرف، في حديث طبيعي حديث الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه، ثم وفيه الشاهد، وفيه قال: "وآمركم بالصيام". دل ذلك على أن شريعة الصيام كانت معروفة في الأمم السابقة، السابقة، وهذا دليل على أن قوله سبحانه وتعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يدخل فيه جميع الأمم. بقي مسألة كذلك، كما كتب على الذين من قبلنا، صيام من كان قبلنا، هل كان كصيامنا؟ على أقوال من أهل العلم، من يقول بهذا، من يقول أن صيام من كان قبلنا كان كصيامنا من حيث الوقت ومن حيث القدر. إلا أن الأمم الماضية ما استقرت على شريعة الله، ما استقرت على شريعة الله، فاليهود مثلا تلاعبوا وتحايلوا على شرع الله حتى جعلوا الشهر بكماله وتمامه يعوض عنه بيوم واحد، تحايلوا وأكلوا من هنا وأكلوا من هنا. حتى تركوا من الشعير يوما واحدا، فقال: "يصومون هذا اليوم"، وأما النصارى وهم على خلاف اليهود أهل التشدد والغلو،