الدرس في كتاب الحج 18، ألقاها
يبدأ الدرس بتعريف الهدي والأضحية وأحكامهما، مشيرًا إلى أنهما سنة مستحبة وليستا واجبتين إلا بالنذر. هذا الرأي يستند إلى جماهير الفقهاء.
استعراض الأدلة الفقهية حول حكم الأضحية، حيث استدل البعض على وجوبها بينما استدل الجمهور على استحبابها مستندين إلى أحاديث نبوية وآيات قرآنية.
الأضحية والهدي سنة مؤكدة وليست واجبة إلا بالنذر، ويستحب أن تكون الأضحية سمينة وحسنة المنظر، مع تفضيل الإبل ثم البقر ثم الغنم.
الأضحية الأكمل والأعظم حجمًا يكون أعظم أجرًا ويدل على تقوى العبد، ونية التقرب لوجه الله تزيد من أثرها الإيجابي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فنظرًا لقرب العشر من ذي الحجة، والغالب في الناس أنهم يحتاجون إلى معرفة أحكام الأضاحي، رأيت أن أقدم باب الهدي والأضحية على الأبواب التي قبله؛ لأجل هذا المعنى. وإذا فرغنا منه بإذن الله تبارك وتعالى، رجعنا إلى الأبواب التي تركناها. قال الإمام موفق الدين أبو محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله: «باب الهدي والأضحية». باب: أي مدخل، كما مر معنا مرارًا. والمدخل هاهنا مدخل لمعرفة أحكام الهدي والأضحية. والهدي: من هدى يهدي هدية، والمراد بالهدي: هو ما يهدى إلى البيت الحرام من بهيمة الأنعام بقصد التقرب إلى الله تبارك وتعالى في أزمنة مخصوصة. والأضحية كذلك، يقال: إضحية وضحية، كما يقول علماء اللغة: مأخوذة من ذبح البهيمة أو من بهيمة الأنعام في الضحى، فسميت أضحية وضحية وما شابه ذلك. والأضحية شرعًا: هو ما ذبح من بهيمة الأنعام في أيام التشريق بأوصاف مخصوصة، سأتي ذكرها بإذن الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «والهدي والأضحية سنة لا تجب إلا بالنذر». وهذا عليه جماهير الفقهاء، فجماهير الفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون: بأن الهدي وكذا الأضحية بأنهما مستحبتان وليستا بواجبتين؛ لعدم الدليل الصحيح الدال على وجوب ذلك. أما الهدايا فقد تقدم الكلام عليها. وأما الأضحية، فقد جاءت في ذلك أحاديث استدل بها بعض أهل العلم على وجوبها. من ذلك ما جاء في مسند أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان ذا سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا». فاستدل به القائلون بالوجوب على أن الأضحية واجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فلا يقربن مصلانا»، وهذا زجر له إذا كان ذا سعة. وأيضًا استدل بحديث آخر: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق على كل مسلم أن يضحي أو قال الأضحية والعتيرة حق على كل مسلم». ولكنه حديث ضعيف. والجمهور أولًا يستدل على الاستحباب بعموم قول الله جل وعلا: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، فقال: هذا فيه دلالة على استحباب ذلك وعلى سنية ذلك وعلى مشروعية ذلك. واستدلوا كذلك بقول الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، قالوا: هذا فيه كذلك إرشاد لنبيه صلى الله عليه وسلم بالنحر، والمقصود بالنحر قالوا: النحر الأضحية أو الأضاحي، وهذا أحد التفسيرين في الآية. واستدلوا بما جاء في صحيح مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلت العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسن من شعره وأظافره شيئًا». قالوا: فقوله صلى الله عليه وسلم: «من أراد» دل على أن ذلك أي الأضحية عائدة إلى إرادة الإنسان، إن أراد أن يضحي ضحى وإن أراد أن لا يضحي لم يضح. والهدي والأضحية سنة لا تجب إلا بالنذر، ومعنى لا تجب إلا بالنذر: معناه أن من نذر أن يضحي أو أن يهدي هديا إلى البيت الحرام فإنه يجب عليه الوفاء، فيكون واجبًا عليه لا بأصل الشرع ولكن بالنذر. قال رحمه الله تعالى: «والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها». أي هذه مسألة يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى: ما هو الأفضل أن يشتري الإنسان أضحية فيذبحها ويوزعها على الفقراء أو أن يتصدق بثمنها؟ ذهب الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى أفضلية الأضحية لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك وللأدلة السابقة في فضل الأضحية. فالأضحية وإراقة الدم في يوم النحر أعظم وأجل عند الله تبارك وتعالى من مجرد الصدقة بالمال. قال رحمه الله تعالى: «والأفضل فيها الإبل». أي أفضل الأضاحي الإبل ثم البقر ثم الغنم. وهذه مسألة كذلك يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى: وهي ما هي أفضل الأضاحي؟ وكذلك الهدي، جماعة من أهل العلم ذهبوا إلى ما ذكرها هنا: أن أفضلها الإبل ثم البقر ثم الغنم. وبعض أهل العلم ذهب إلى أن أفضلها الغنم. القول الأول نسب إلى الجمهور، والقول الثاني نسب إلى الإمام مالك رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «ويستحب استحسانها واستسمانها». أي أن تكون حسنة كما يقول العلماء من حيث المنظر، حسنة من حيث المنظر أن ينظر إليها الإنسان إلى الشاة ينظر إلى البقرة ينظر إلى الإبل يراها حسنة المنظر، وتكون كذلك سمينة، تكون من حيث الجسم سمينة. فالحاصل أن الأضحية أو الهدي كلما كانت أكمل وصفًا وكذلك حجمًا كانت أعظم أجرًا ودلت على عظيم تقوى العبد، ولا سيما إذا أراد بها التقرب لوجه الله تبارك وتعالى. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.