الدرس في كتاب الحج 2، ألقاها
يجب الحج والعمرة مرة في العمر على المسلم العاقل البالغ الحر المستطيع. يشترط الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة لوجوب الحج.
الاستطاعة تكون بالبدن أو بالمال أو بهما مع أمن الطريق، وتشمل وجود الزاد والراحلة وقضاء الدين ومؤنة النفس والأهل. وضابط الاستطاعة يختلف باختلاف الأحوال.
تنقسم شروط الحج إلى شرط للوجوب والصحة، وشرط للوجوب والإجزاء، وشرط للوجوب. يُفصل في أنواع الدين المؤقت والمطلق وتأثيرهما على وجوب الحج.
ينهي النص بدعاء لله تعالى بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر احترامًا وتقديرًا لهم. يُنهي النص بتأكيد على علو الله تعالى وعلمه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة رحمه الله تعالى: قال كتاب الحج: قال رحمه الله تعالى: يجب الحج والعمرة مرة في العمر على المسلم العاقل البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلا. والاستطاعة أن يجد زادًا وراحلةً بآلاتهما مما يصلح لمثله، فاضلاً عما يحتاج إليه لقضاء دينه ومؤنة نفسه وعياله على الدوام. قوله رحمه الله تعالى: يجب الحج والعمرة مرة في العمر، أما الحج فدليله قوله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا». فقال رجل: أفى كل عام يا رسول الله؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كررها ثلاثًا، فقال صلى الله عليه وسلم: «لو قلت نعم لوجبت، ولم استطعتم». ثم قال صلى الله عليه وسلم: «إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم أو قال: بكثرة سؤال واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه». الشاهد من أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة أمرهم وأخبرهم بأن الله تبارك وتعالى فرض عليهم الحج، ولما سأله الرجل: أفي كل عام؟ سكت، ثم قال: «لو قلت نعم لوجبت»، أي: لوجب الحج في كل عام، فدل ذلك على أن الحج واجب في العمر مرةً واحدة، وهذا بإجماع، إلى جانب السنة، هذا أمر مجمع عليه، أي: لا خلاف بين أهل العلم أن حجة الإسلام حجةً واحدة، وأن ما عداها فإنما هي من النفل، ليس من الواجبات، إنما هي من النفل وليس من الواجبات. وأما العمرة، فأولاً العمرة من حيث الوجوب من عدمه، وقع فيها خلاف بين العلماء، والراجح من قول العلماء رحمهم الله تعالى أنها واجبة، وأنها كذلك تجب في العمر مرةً واحدة، لما رواه الأئمة الخمسة: أحمد وأصحاب السنن الأربعة، بإسنادٍ صحيح عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه وأرضاه: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه، وأنه لم يحج ولم يعتمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حج أو حج عن أبيك واعتمر»، «حج عن أبيك واعتمر». وهذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، والأصل في الأمر أنه للوجوب. قال الإمام مسلم، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا أعلم حديثًا أصح ولا أصرح من حديث أبي رزين العقيلي في وجوب العمرة. فهي واجبة بهذا الحديث المذكور، وهي واجبة في العمر مرة واحدة. إذن قوله رحمه الله تعالى: يجب الحج والعمرة مرة في العمر، لما تقدم من أدلة. وقوله رحمه الله تعالى: على المسلم العاقل البالغ إلى آخر ما ذكره رحمه الله، هذه تسمى شروط وجوب الحج، هذه الأشياء المذكورة يسميها الفقهاء رحمهم الله تعالى شروط وجوب الحج. وشروط وجوب الحج يقسمها بعض الفقهاء إلى قسمين: شروط صحة وشروط وجوب، أو شرط صحة وشرط إيجاب، أو شرط للوجوب والصحة وشرط للإيجاب. ومنهم من يزيد ويقسم تقسيما ثالثا، فيجعل شرط للوجوب والصحة، وشرط للوجوب والإجزاء، وشرط للوجوب فقط. وهو الذي ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى وغيره في كتابه المغني. أول شروط الحج والعمرة الإسلام، لذا قال: يجب الحج والعمرة مرة في العمر على المسلم. فأول شرط الصحة في الحج والعمرة الإسلام. ومعنى هذا أن الكافر لو حج لم يصح منهم ذلك الحج، فشرطه الأول الإسلام. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾، فما نفعهم ما تصدق به لوجود مانع القبول، ومن باب أولى الصحة والإجزاء، وهو الكفر. وهذا في جميع العبادات، وهذا في جميع العبادات. شرط الإسلام في جميع العبادات وهو شرط مجمع عليه بين العلماء. الثاني العقل، قال: العاقل يجب على المسلم العاقل. فالشرط الثاني العقل، لأن العقل هو مناط التكليف، ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم المجنون حتى يفيق. فالمجنون مرفوع عنه القلم، ومن كان مرفوع عنه القلم فهو غير مخاطب، لأنه لا يعقل لأنه مجنون. وهذا كذلك مجمع عليه من الأمور مجمع عليها الإسلام والعقل. الأمر الثالث أو الشرط الثالث البلوغ، لذا قال: من المسلم أو على المسلم العاقل البالغ. والبالغ كما يقول الفقهاء رحمهم الله تعالى: خرج غير البالغ وهو الصبي. قالوا: لأنه إما أنه لا يعقل أو أن عقله قاصر. بخلاف البالغ، هذا من حيث المعنى والتعلين. ومن حيث الدليل قولهم: النبي صلى الله عليه وسلم «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: والصبي حتى يحتلم. والصبي حتى يحتلم. وهذا كذلك شرط من الشروط، لكن وقع فيه شيء من الخلاف، ونسب هذا الخلاف إلى أنه خلاف شاذ، وإلا جماعة من الفقهاء رحمهم الله تعالى نقلوا الاتفاق، نقلوا الاتفاق على أن شرط صحة الحج أو شرط الحج في كونه حجًا معتبرًا وحجة إسلام أن يكون الحاج بالغًا. والبلوغ يعرف بأمور: إما إن بات الشعر الخشن حول القبل، وإما بنزول المني، وإما ببلوغ خمسة عشر سنة. وهذه الشروط يجتمع فيها الذكر والأنثى. وزيد في الأنثى شرطان آخران أو وصفان أو علامتان: الأولى نزول الحيض، والثاني الحمل. فعلامات البلوغ بالنسبة للمرأة خمس: الثلاث الأول المشتركة مع الذكر، وتزيد عليه بالعلامتين: نزول الحيض أو بالحمل. وكما سمعتم الفقهاء رحمهم الله تعالى نقل منهم من نقل الاتفاق على أن الصبي لو حج به وليه فإنه لا يقزئه عن حجة الإسلام. وقد جاء ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «أيما صبي حج به أهله فإنه يجب عليه الحج متى احتلم»، أو قال: «متى بلغ»، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. وهذا الحديث روي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا وموقوفًا، والوقف أرجح، وهو الذي رجحه الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى وغيره. لكن جاء في مصنف ابن أبي شيبة أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خطب الناس فقال: «يا أيها الناس خذوا عني»، «أيما صبي حج به أهله فإن عليه حجة إذا بلغ»، «وأيما عبد حج به سيده فإن عليه حجة إذا عتق»، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. وهذا الأثر كما سمعتم ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه وموقوفًا. إلا أن الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه العظيم «نيل الأوطار» يقول: وهذا صريح في الرفع، أو يقول: وهذا ظاهر في الرفع، أي: أنه إن كان موقوفًا سندًا إلا أن له حكم الرفع، لأن ابن عباس يقول: «خذوا عني». وأيضا مما استدل به العلماء رحمهم الله تعالى ما جاء مرسلاً من حديث عبد الرحمن بن حاطب أو غيره رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى: أنه ذكر معنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما صبي حج به أهله فإن عليه الحج إذا بلغ»، «وأيما عبد حج به سيده فإن عليه الحج إذا عتق»، أو إذا أعتق، أو كما قيل. وهو حديث مرسل، إلا أنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والحديث وإن كان مرسلاً فإن الحديث المرسل إذا عمل به الصحابة فإنه حجة باتفاق. والأمر ها هنا كذلك، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كذلك اتفاق العلماء على اشتراط البلوغ والحرية في الحج، ونقل هذا الاتفاق غيره كابن عبد البر وابن قدامة وغيرهما من الأئمة رحمهم الله تعالى، وقالوا: وما خالف في ذلك إلا شذاذ، إلا شذاذ من الناس، أو كما قالوا. رضي الله عنهم ورحمهم الله. إذن الحج والعمرة يجب على المسلم العاقل البالغ الحر. البالغ لما تقدم، والحر كذلك لما تقدم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وما تقدم ذكره من الحديث المرسل، وما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله وغيره من الاتفاق على ذلك. إذن على المسلم العاقل البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيل. وهذا الشرط الخامس الاستطاعة. وهذا الشرط الخامس وهو الاستطاعة لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس»، وذكر منها: «وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا». فشرط الحج الاستطاعة. والإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى يقول: والاستطاعة أن يجد زادًا وراحلةً بآلاتهما، أي: بآلات الطعام والشرب وآلات الراحلة، مما يصلح لمثله، أي: مما يصلح لمثل ذلك الإنسان، كل بحسبه، بحسب ذلك الإنسان غنا وفقرا، وبحسب كذلك الأزمنة والأمكنة. قال رحمه الله تعالى: فاضلاً عما يحتاج إليه لقضاء دين، أي: ذكر مسألة أخرى سيأتي الكلام، ومؤنة نفسه وعياله على الدوام. مسألة الاستطاعة وضابط الاستطاعة ذكر العلماء رحمهم الله تعالى فيها أقوالاً، منهم من ذكر ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى ها هنا: من أن الاستطاعة تقدر بوجود الزاد والراحلة وما يحتاج إليه من قضاء دين ومؤنة نفس وأهل. ومنهم من ذكر أشياء فوق ذلك، ومنهم من قصر على ذلك. والأظهر، والله أعلى وأعلم: أن الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى، وهو الذي ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره: أن الاستطاعة تكون تارة بالبدن، وتارة بالمال، وتارة تكون بهما مع أمن الطريق، وما يحتاج إليه الإنسان في ذلك السفر. فهذا هو الأقرب، والله أعلى وأعلم. أي: أن الاستطاعة تارة تكون بالبدن، يعني: بالبدن مثل: يكون إنسان مثلاً في مكة، من كان في مكة من أهل مكة، هل يحتاج إلى زاد وراحلة؟ لا يحتاج إلى زاد ولا إلى راحلة، يكون ماذا؟ الحج واجب عليه ببدنه، كان عنده قوة بدنية يستطيع. آخر قد يكون في مكة أو في خارج مكة من بلاد الله الواسعة، لكن ليس عنده استطاعة أن يحج ببدنه، كان يكون كبيرًا هرمًا لا يستطيع أن يحج ببدنه، لكن عنده مال، لكن عنده مال يستطيع أن يحج بماله. فمثل هذا يحج أو يجب عليه الحج بماله، يجب عليه الحج بماله، لما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة، وفي رواية رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت المرأة: «يا رسول الله، إن فريضة الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟». والحديث متفق عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حج عنهم». «أرأيتك لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟». أرأيتك لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: فهذا الحديث استفيد منه أن الإنسان إذا لم يكن مستطيعًا ببدنه وكان مستطيعًا بماله فإن الحج يجب عليه بماله. فإن الحج يجب عليه بماله، أن ينوب غيره أن ينوب غيره بأن يحج عنه. هذا الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه الحج بالدين، وقضاء الدين واجب أو مستحب؟ واجب. «أرأيتك لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟». فدل ذلك كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، واستظهره الإمام ابن عبدالبر وطائفة من الأئمة رحمهم الله تعالى: إلى أن الحج واجب بالمال لمن لم يكن قادرًا ومستطيعًا بالبدن. فإذن الحج أو الاستطاعة في الحج قد تكون بدنية، وقد تكون مالية، وقد تكون بدنية مالية. كيف بدنية مالية؟ يكون إنسان قوي ببدنه وعنده مال، قوي ببدنه وعنده مال. فمثل هذا يجب عليه ماذا؟ يجب عليه الحج. لكن لو كان قويًا ببدنه، لكن في بلاد بعيدة لا يستطيع أن يحج، فهذا لا يجب عليه الحج، لماذا؟ لأنه ليس عنده القدرة والاستطاعة على الحج، لماذا؟ لأنه ليس عنده مال. وكذلك كما قال علماء رحمهم الله تعالى: أمن الطريق قد يكون رجل قويًا وعنده مال، لكن لا يستطيع الوصول إلى بيت الله الحرام بسبب الطاعة أو بسبب أن هناك فتن بين بلده وبين بلد الله الحرام. فمثل هذا أيضًا لا يجب عليه. فمن شرط الاستطاعة أو من الاستطاعة أمن الطريق. فإذًا الاستطاعة إما أن تكون بالبدن، وإما أن تكون بالمال، وإما أن تكون بهما مع أمن الطريق. مع أمن الطريق، هذا هو القول الأظهر في ضابط الاستطاعة، والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: فاضلاً عما يحتاج إليه لقضاء دينه. هذه مسألة يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى: إذا كان على الرجل دين وكان عنده مال الحج، فأيهما يقدم؟ رجل عليه دين ويريد أن يحج، فأي الأمرين يقدم؟ ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى في ذلك تفصيلاً، فذكروا أن الدين على قسمين: دين مؤقت، ودين مطلق. المؤقت كأن يكون له أجل معين، فترة معينة، يعني: يقول: سأعطيك مثلاً مئة ألف، لكن تدفعها مثلاً في شهر ذي القعدة. هل يسمى دين ماذا؟ مؤقت أو منجز. واضح جماعة إن جاء الأجل وجب عليك قضاء الدين، إلا أن يسمح لك صاحب الدين. واضح جماعة إن جاء الأجل أو قبل أن يأتي الأجل، فذهب الإنسان إلى صاحب الدين فقال: يا فلان أريد أن أحج، وما لك موجود، لكن إن قضيت الدين ما أحج. أفتأذن لي بكذا كذا شهر وأخر؟ إن أذن له حج، وإذا ما أذن له قضى الدين، لأنه ماذا يجب عليه قضاء الدين إذا حل الأجل. ومن الدين ما هو مطلق، أي: إنسان يستدين من إنسان دينا، يعطيني مئة ألف، فيقول له: خذ هذه المئة ألف، ما يذكر متى ستعيدها، لكن بينهم عرف واتفاق أنه متى ما يسر الله لك اقضها. فهذا الدين يسمى دينا مطلقًا. فمثل هذا استحب العلماء: أنه إذا أراد أن يحج أن يستأذن صاحب المال استحبابًا لا وجوبًا، استحبابًا لا وجوبًا، من باب أنه لو حصل له شيء، لو قدر الله عليه بأمر يكون قد أذن واستأذن من صاحب الحق، لأن الدين يبقى معلقًا في ذمته إذا مات حتى يقضى، كما في حديث أبي قتادة في الصحيحين. وقوله رحمه الله تعالى: ومؤنة نفسه، أي: مؤنة نفسه، أي: ما يتموله هو بنفسه في بلده إلى أن يرجع إلى سفره وبعد رجوعه. وكذلك وعياله، وكذلك عياله، أي: مؤنة عياله كذلك، لأنه يجب عليه أن ينفق على عياله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول». فيجب عليه إعالة من تجب عليه إعالته، والقيام بهم بحسب ما يحتاجون إليه عرفًا. فيضع لهم من المال ما يتزودون به في أثناء السفر حتى يرجع، واكتسب لهم ويرتزقون به بإذن الله تبارك وتعالى. فمتى توفر في الإنسان هذه الأمور وجب عليه الحج. وهذه الشروط كما سمعتم يقسمها العلماء رحمهم الله تعالى على ثلاثة أقسام. أي: هذه الشروط تنقسم إلى ثلاثة أقسام. شرط للوجوب والصحة، شرط للوجوب والصحة، للوجوب أي: أنه متى ما توفرت فيه وجب عليه الحج وصح منه الحج. وصح منه الحج. ومتى لم تكن موجودة لم يصح منه الحج ولا يجب عليه الحج. وهذه في الإسلام والعقل، فلا يصح الحج من كافر ولا من مجنون، لا يصح الحج من كافر ولا من مجنون، ولا يجب عليهما، إلا أن الكافر يجب عليه الإسلام وفروع الشريعة، لكن لا يجب عليه الحج حال ماذا؟ حال كفر، بمعنى أنه لا يصح منه ولا يصح إلا بالإسلام. والقسم الثاني من أقسام شروط الحج: ما هو شرط للوجوب والإجزاء. وهو البلوغ والحرية. ومعنى هذا أن الصبي إذا حج به أهله صح حجه، لكن لا يقزئه عن حجة الإسلام، بل إذا بلغ وجب عليه حجة الإسلام، لكن حجه صحيح عن باطل إذا حج به أهله وهو صغير. الجواب أن حجه صحيح، يدل على هذا ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه في الصحيحين: أن امرأة من خثعم قالت: «يا رسول الله، أحج أو ألي هذا حج لابن لها صغير رفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم»، فقالت: «يا رسول الله، ألي هذا حج؟». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم ولك أجر». «نعم ولك أجر». فالصحيح من أقوال العلماء، بل بعضهم نقل الاتفاق عليه: أن حج الصبي صح، لكن لا يقزئ عن حجة الإسلام. وإن كانت هناك تفاصيل في حج الصبي: كيف نيته، ومن ينوي عنه إذا كان عاقلاً أو لم يكن عاقلاً، أي: لم يكن مميزًا. تفاصيل ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى تذكر في الكتب المطولة. والمقصود ها هنا أن البلوغ هو شرط في حجة الإسلام، لكن إذا حج الصبي قبل الاحتلام صح حجه، ولكن ذلك الحج ليس على سبيل الوجوب. كذلك العبد إذا حج به أهله صح منه ذلك الحج، لكن لا يقزئ عن حجة الإسلام، بمعنى أنه إذا أعتق وجب عليه أن يحج حجة الإسلام، لما تقدم ذكره. والشرط الثالث كما ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى: شرط للوجوب. والشرط للوجوب هو الاستطاعة. أي: أن الاستطاعة شرط للوجوب، متى ما وجدت الاستطاعة فإنه يجب عليه، متى ما فقدت الاستطاعة فإنه لا يجب عليه. يقول: لكن لو أن إنسانًا ما عنده استطاعة الحج، ولكن جاهد وغامر وتعب وشق على نفسه حتى حج. واضح جماعة إنسان مثل: ما عنده قوة بدنية، لكن ما عنده مال، ترحل من بلد إلى بلد، من بلد إلى بلد، وبلغ به المتاعب ما بلغت، فحج. ما حكم حج هذا الإنسان؟ ما صحة حج هذا الإنسان؟ حجه صحيح. واضح جماعة حجه صحيح، لأنه أتى وشق على نفسه، فعل ما فعل. فحجه صحيح، وإن كان مثله لا يجب عليه ماذا؟ الحج، لأنه غير مستطيع. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.