الدرس في شرح مسائل الجاهلية 131، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول تعريف الطيرة في لغة العرب وفي الشرع، حيث كانت العرب تعتمد على التطير وتشاؤموا ببعض الحركات والأصوات. عرف العلماء الطيرة في لسان الشرع بأنه التشاؤم بكل مرء أو مسموع أو معلوم.
يشرح مفهوم الطيرة والتشاؤم في الإسلام، ويبين أن التشاؤم يكون بمرئي أو مسموع أو معلوم، ويقدم أمثلة على التشاؤم في الجاهلية. الإسلام يرفض هذه العادات ويعتبرها من الجاهلية.
الطيرة محرمة وهي من الشرك، إما شرك أكبر أو أصغر، وقد نهى النبي عنها. يمكن للمسلم التخلص منها بالتوكل على الله.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وأما بعد، فلا زال الكلام إخواني في الله حول الفقرة الأخيرة من فقارات مسائل الجاهلية، وفيها أن المؤلف رحمه الله تعالى عدد لنا مجموعة من الخصال، فذكر من أولاها العيافة ثم الطرق. وفي هذا المقام إخواني في الله الكلام عن الطيرة، والطيرة خصلة من خصال أهل الجاهلية. والطيرة إخواني في الله بكسر الطاء، وهو مصدر تطير، ومصدر تطير وعلى وزنها تحير ومصدر تحير حيرة، وهكذا الطيرة تحير حيرة وتطير طيرة، هذه النصاد القليلة في اللغة العربية على هذا النحو. وأيضا يقال عنه التطير، يقال طيارة ويقال عنه التطير، التطير كذلك مصدر مصدر تطير يتطير تطيرا. والطائر في لغة العرب بمعنى الحظ، الطائر في لغة العرب يأتي بمعنى الحظ، ويسميه بعضهم بالبخت، وإلا البخت أصلها كلمة فارسية لكنها معربة، واستخدمها العرب، فيقال الحظ ويقال البخت، وهو كذلك يسمى بالطائر، فهذه تسميات. إلا أن بعضهم، أي بعض العرب، كان يفرقون بين كلمة الطائر وبين كلمة حظ، يفرقون بين هذا وبين هذا، فيجعلون الحظ للخير، الحظ للخير، ويجعلون الطائر للشر، الطائر للشر. والعلماء رحمه الله تعالى فسروا الطيارة أو التطير في لسان الشرع بعدة تفاسير، وقبل الدخول في تفاسير العلماء يتعرف إلى ما كان يعتقده أهل الجاهلية والعرب القدامى في أمر التطير وفي أمر الطيارة. العرب كانوا يعتمدون على التطير اعتماداً عظيماً، فكان الواحد منهم إذا أراد أن يهم بأمر استخدم التطير، أو أراد أن يعرف مثلاً ما يتعلق بمستقبله وما تخبئ له الأيام على حد زعمه، كان يستخدم التطير. فكانوا ينظرون إلى حركة الطير، إما ينظرون نظر الاعتيادي أو أنهم يهيجون الطائر على الحركة، يهيجون الطائر على الحركة، فينظرون بعد ذلك إلى حركة الطائر، فإذا رأوا أن الطائر تحرك إلى ميمنة، فكانوا يتيامنون بهذا الأمر الذي هم عليه والذي هم قادمون عليه، يتيامنون به ويسيرون ويمضون قدماً إلى ما عزموا على المضي عليه، هذا متى إذا تحرك طائر يمنة. وأما إن تحرك يسرةً، فكانوا يتشاؤمون ويتضجرون، بل ربما تركوا ما قدموا عليه وما أرادوا أن يقدموا عليه. وكان لهم في ذلك الأسماء، كانت هذه الحركة من حركات الطيور لها أسماء عندهم، فهناك البارح وهناك السارح، فالسانح هو ما ولاك يمينه، السانح ما ولاك يمينه، وأما البارح ما ولاك يساره، فهم ينظرون إلى حركة الطائر بين السوانح والبوارح، فالسوانح يتيامنون بها والبوارح كانوا يتشاؤمون منها. وكان العرب لهم في ذلك مجالس، هناك أناس من العرب في الجزيرة اشتهروا بالتطير، فكان العرب القبائل العربية تركن إلى مثل أمثال هؤلاء ممن يتطيرون بحد زعمهم أن هؤلاء عندهم علم بأمر الطير. فهناك عرافة اليمامة وهناك فلان وفلان ممن ذكرهم أهل التاريخ في جزيرة العرب، أن القبائل العربية كانت ترجع إلى هذه الشخصيات ممن يزعمون أنهم عندهم معرفة بحركة الطير ويستخلصون منها ما يريدونه في حياتهم اليومية. وإلا أن العرب توسعوا بعد ذلك، لم يقتصر الأمر على السوانح والبوارح في أمر الطير، بل أيضا كانوا يستخلصون مثل هذه المعاني ويتشاؤمون حتى من الأصوات، من أصوات بعض الطيور، فكانوا يتشاؤمون منها، أو حتى كذلك من بعض مظاهرها ومن أشكالها، فكانوا يتشاؤمون من رؤية الغراب ويتشاؤمون أيضا ويتطيرون برؤية البومة، وذلك كانت تسمع بالهامة. حتى أن الأمر بلغ إلى أنهم خرجوا عن عالم الطيور إلى عالم الحيوانات، فكانت الضباء، الضباء بتلك الحيوان البري، كان العرب كذلك يتيمنون به وتشاؤمون به، فكان عندهم الضباء قد يكون من السوانح وقد يكون من البوارح، المهم أن العرب توسعوا في باب التطير، فأصبحوا ماذا يرقبون في بعض الهيئات وفي بعض الشخصيات وفي بعض الذوات، وينظرون إلى حركاتها وإلى هيئاتها، وربما إلى أسمائها، فكانوا يستخلصون منها ما يكون فيه شؤم، ما يكون فيه شؤم على حد زعهم. فبقي اسم التطير، لأن هذه الحركات التي وقعت منهم كان مصدرها من أمر طير، فأبقي الإسم، إلا أن معناه أوسع، إلا أن معناه أوسع من ذلك. وكان هناك من عقالاء العرب من كان يأبى ذلك، وإن كان جاهلي، لكن مهما كان، فبعض أهل الجاهلية عندهم عقول، عقولهم تنفر مثل هذه السلوك، فكان بعضهم يرى أن ما عليه العرب من هذه الأفعال هذا هو الضلال. يعني يقول كيف أنا الآن أمضي في مشروع أو أريد أن أعرف ما مستقبلي، فأجعل عقلي في عقل هذا الطائر، إذا ذهب يمنة أقدم وإذا ذهب يسرة أحجم، وما علاقة حركة الطير بمشروعي؟ فكان بعضهم يشمئز من هذه الأشياء ولا يجاري مجتمع على ذلك. حتى أن بعض الشعراء من العقالاء من قال في أبيات لها ينفر عن هذا، قال: الزجر والطير والكوهان كلهم، الزجر أي العيافة وقد مر ذلك معنا، والطير هذا التطير الذي بين أيدينا، والكهان وسيأتينا، قال: الزجر والطير والكوهان كلهم مضللون، ودون الغيب أقفالوا، أي هؤلاء ليسوا ذريعا لعلم الغيب، مع أنه جاهل لكن عقله أداه إلى قبح هذا الصنيع، وأن هذا الصنيع ليس له حقيقة. وهذا الصحيح ليس له حقيقة، فالطائر مثلاً ها هو الطائر يجول في الجو يمنة ويسرة، يروح هنا ويجئ هنا، ليس له علاقة بتأثيره في الحياة البشرية، إنما هو يسير في حياته الاعتيادية، فهذا الأصل، لكن هو تلاعب الشيطان بعقول هؤلاء وتزين إبليس لفعلهم، فكانوا يذهبون إلى هذه الكائنات ويتعلقون بها ويتكئون عليها من دون الله سبحانه وتعالى. إذن هذه حقيقة الطيرة في أصلها وما كان عليه العرب، بقي ما معنى الطيرة في لغة الشرع وعند العلماء، العلماء في ذلك تعاريف، منهم من عرفوا الطيرة بقوله: الطيرة هو أن يخرج لأمر، فإذا رأى ما يحب مضى، وإن رأى ما يكره صرف. وهذا لذكره البغوي رحمه الله تعالى في شرح السنة، بأن طيرة هو أن يخرج لأمر، بأي أمر كان، سفر، ذهاب وإياب، تجارة، أو قدوم على أمر ما كالزواج ونكاح. قالوا: أن يخرج لأمر، فإذا رأى ما يحب، إذا رأى ما يحب، ما الذي رأى؟ سيأتي قد تكون رؤية، وقد تكون موعة من ذلك، إذا رأى ما يحب مضى قدما في أمره الذي عزم عليه، وإن رأى ما يكره صرف، معنى صرف أي ترك هذا الذي مشى عليه. وهناك تعريف أوضح من هذا، وهو كذلك أعم، وهو ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى، حيث عرف الطيرة بقوله: هو التشاؤم بكل مرء أو مسموع أو معلوم، هو التشاؤم بكل مرء أو مسموع أو معلوم. وهذا تعتبر من أفضل التعاريف، ومن أوضحها، وكذلك من أوسعها، لأنه جمع لنا شاتات الطيرة في كل صوره. فقوله ابن القيم رحمه الله تعالى: الطيرة هي التشاؤم، وما معنى التشاؤم؟ التشاؤم أخوه من الشؤم، وما معنى الشؤم؟ ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه التمهيد ذكر أن شؤم في لغة العرب بمعنى النحس، إذن هذا معنى التشاؤم، معنى التشاؤم هو النحس، إذن قال ابن القيم: التشاؤم هو النحس بكل مرئي، معنى مرئي أي في رؤيته شخص يتشاؤم برؤية شيء مرئي، أو مسموع، أو بشيء له أصوات يتشاؤم عن طريق الأصوات، قال أو معلوم، أو شيء علمي، شيء علمي من معلومات يتشاؤم منها. فهذه إخواني في الله مدارك التشاؤم، وهي مدارك التطير، التطير يا عبد الله، والتتشاؤم تتشاؤم بماذا؟ إما أن تتشاؤم بمرئي، معنى مرئي أي أنك تنظر لشيء، وهذا الشيء يبعث عليك بالتشاؤم، يبعث عليك بالتشاؤم. هذا قد وجد في أيام الجاهلية، ولا زال المفعول ساري إلى هذه الأزمان، بعض الناس يتشاؤم ببعض المرئيات. مثل قديما كان يتشاؤمون من الغراب، إذا رأى أحد منهم الغراب، تتشاؤم منه، إذا ربما يمشي في طريق أراد إلى سفر، فإذا به يرى غراب في طريقه، إيش هذا الغراب؟ يرجع مباشرة، لا يتكلم أبداً، يرجع مباشرة، إيش ما لقى؟ انظر هذه الداهية غراب؟ قالوا إيش غراب؟ هذا غراب أسود في أسود، هذا ظلام في ظلام، يرجع مباشرة لا يتكلم مع أحد. فكان يتشاؤم بمرئيات، بل كذلك ليس هذا خاص بالحيوانات، بل حتى في الأوادم، يتشاؤمون بالأوادم، وخاصة إذا كان شخص على هيئة قبيحة، كما يحكي البعض. مثل بعضهم كان إذا رأى أعور أو رأى أحول أو رأى أعرج أو رأى متسول، يقول يتشاؤم، أعوذ بالله، هذا موجود حتى إلى هذه الأزمان، تجد بعض الناس يذهب إلى محله، أول ما يفتح المحل، يجد أمامه أعور، أمامه، بسم الله الرحمن الرحيم، إيش فتحنا على هذا الرجل؟ طيب إيش فيه؟ يقف في المحل ويمشي، أو إذا فتح المحل يكون في وجه، يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، إيش مالك يا أخي؟ اللهم إنا فتحنا على واحد صفته كذا وكذا، هذا لا يجوز، هذا من صفات أهل الجاهلية. ومن طريف ما يذكر أن والي من الولاة أراد أن يخرج في نزهة أو في صيد، فبينما هو خرج مع أصحابه، فإذا به لقي رجلا أحول، وقيل أعور، تشاءم، تطير به، أعوذ بالله، إيش هذا؟ إيش فعل الوالي؟ قام وألقى القبض على هذا الرجل، ما له علاقة، رجل مار الطريق، لكن هذا التشاؤم، الوالي عنده نزعة من نزعات الجاهلية، فأمر به فألقي في الحبس، ثم ذهب إلى نزهته. وهذا الوالي وبعدما رجع أمر بإطلاق سراحه، إلا أن هذا الرجل الأعور رجع إلى الوالي، قال: ما الذي حملك أن تفعل بي ما فعلت؟ يعني إيش ذنبي؟ هل لي من جرم؟ قال: لا جرم لك، ما لك جرم إلا أني تطيرت بك، إيش مأذت منك؟ تشاءمت منك، إلا أني تطيرت بك. فقال هذا الرجل، وهو من ذكائه، قال: يا أيها الأمير انظر، انظر، قال: أنا خرجت من بيتي، من منزلي، ومن بين أهلي، فلقيتك، فكان يومي شر وحبس. وأنت خرجت من منزلك، فرأيت، وطبعا فيه قصة قبل أنسى، لما قال له الأعور، قال لهذا الوالي: ما الذي حملك على حبسي؟ قال: تشاءمت منك، قال: هل وجدت شيء، يعني أنت رأيتني فتشاءمت، ثم مضيت إلى أمرك، هل وقع لك شيء؟ قال: ما وقع لي شيء، الحمد لله، استطرد ومر اليوم. جاء الأعور الآن بعد ذلك يحاكي هذا الأمير، قال: يا أمير، أنا خرجت من بيتي ومن منزلي، بين عيالي وأهلي، فلقيتك، فلقيت في يومي شر والحبس، وأنت لقيتني في هذا اليوم، فكان من يومك السعادة والخير، فأيهما أيهما أشأم على الآخر؟ أيهما أشأم؟ يعني من الذي وقع فيه الشؤم؟ أنا وقع فيه الشؤم، أنا لما لقيتك، أنت وقع عليه الشؤم، يعني أنا مثلي أتطير بك، أنا أتشاءم بك، أما أنت لما لقيتني مر يومك عادي، ما وقع فيه مشاكل. فاستحى الوالي، استحى الوالي من هذا الكلام، هذا الصحيح، يعني أيهما أشأم؟ من؟ الأعور خرج في بيته لما لقي الأمير، وقع في يومه هذا الشر، وبينما الأمير الذي خرج من بيته ولقي الأعور، ما أوصابه شيء، أيهما؟ فقال أيه الوالي أيهما أشم على من؟ أجب، فعلم الوالي أنه أشم على الفقير، على هذا الأحول، فقال: فأمر بإطلاقه وإيصاله، وأعطاه مالا ليكفي يسكته عن هذه الحكاية. فالحاصل إخواني في الله، فهذا لا يجوز، وما عليه كثير من الناس في هذه الأزمان، ولا زال هذه الأشياء تجد بعض الناس، لو ربما إذا رأى البعض على صفة غير معهودة، أو على صفة كذا، لو ربما تشاءم ممن. وذكر الإمام أحمد في مسنده أن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد أسبل إزاره، فقال الراوي: فأسرع إليه نبينا صلى الله عليه وسلم، وقال: يا هذا اتق الله وارفع إزارك، اتق الله وارفع إزارك. فقال الرجل: يا رسول الله إني أحنف، إني أحنف، وإن ركبتا يدي تستك، يعني أحنف، ومرض في القدمين، يكون فيه عجز، يكون فيه ماذا؟ تصادم في الرجلين، فما أراد أن يخرج للناس بهذه الهيئة، فأسبل إزاره حتى يغطي عن العوار الموجود في قدميه، قال: يا رسول إني أحنف وإن ركبتا يدي تستك، فقال عليه الصلاة والسلام: اتق الله وارفع إزارك، فإن كل خلق الله حسن، فإن كل خلق الله حسن. أي فأمر نبينا بهذا رجل أن يكون على طبيعته، وأن خلق الله كله حسن، وبهذا رد إخواني في الله على من يتشاءم ببعض مخلوقات الله سبحانه وتعالى. هذا الذي كان عليه الحول، أهذا بيده هو الذي أراد أن يكون على هذا الحال؟ هذا بأمر قضاه الله سبحانه وتعالى، أو ذاك الأعرج، أو ذاك الأفطس، أو ذاك الذي بهيئة بتلك الهيئة الرثة، أو ذاك الفقير، أو ذاك المسكين، أو ذاك، هل الأسل الذي على هذه الصفات هم الذي أرادوها لأنفسهم؟ لا، إنما ذاك بخلقة من خلق الله أرادها الله لحكمة، وكل خلق الله حسن، وكل خلق الله حسن. فما ينبغي إخواني في الله أن تعتريكم مثل هذه العادات الجاهلية، فأن تشاؤموا بأشياء، الحاصل إخواني في الله أن من التشاؤم التشاؤم بمرئي، وهي الرؤية بأشياء، أو التشاؤم بأصوات مسموعات، بعض الناس يتشاؤم بأصوات، كما كان عليه أهل الجاهلية، يتشاؤمون بأصوات البومة، بأصوات البومة، فإذا كان أحد مثلا في ليل وسمع صوت بومة أو الهامة، تشاءم، ما طول طيلة ليلة، يقول: سيصيب للليلة شيء من الشر، أو كان في سفر وأسمع بهذا الصوت رجع، فهذا لا يجوز. فالتشاؤم بالأصوات لا يجوز، مثل كذلك هذه الأزلام، ربما رجز مع أصوات مخيفة، فيشمئز ويتشاءم من هذا اليوم، يقول: يا فتاح يا مطلوب، لا يعبد الله، تجعل التشاؤم متعلقة بأصوات، بل هذه من خصال أهل الجاهلية. قال: أو بمعلوم، أو شيء مما يعلم، فبعض الناس يتشاؤمون به، يتشاؤمون منه، مثل التشاؤم بالأعداد، التشاؤم بالأرقام، التشاؤم بالأسماء، التشاؤم بالأيام. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن بعضهم كان يتشاؤم بالأيام، فإذا علم أن رجلا ما دخل في أمر في موضوع في مشروع، سأل عنه في أي يوم أبرمت هذا الأمر؟ فإن قاله في يوم الأحد، قاله: حدة وقوة، وإن قاله في يوم الجمعة، قال: اجتماع وألفة، وإن قال في يوم السبت، قال: فرقة، انتبه لا تفعل هذا، فيتشاؤمون، كان من يوم السبت، فإذا أحدهم أمضى يوم أمراً في يوم السبت، كي يتشاؤم من هذا اليوم، وهكذا في هذا الأيام. وعندنا الأربعاء، بعض الناس في بعض النواحي في هذه البلدان، يتشاؤمون من الأربعاء، ما هو اليوم؟ يقولك اليوم الربوع والشر مرفوع، ماذا قصدهم؟ أن في هذا اليوم شر، وبعضهم يتشاؤم من الأربعاء، يحاول أنه يفر من هذا اليوم، لا يبرم أبرم في يوم الأربعاء، وهكذا يقول في الأرقام، الأرقام كذلك بعض الناس يعني يتشاؤم بعض الأرقام، وهذا موجود حتى عند النصارى، ولا زال. أذكر أن في أظن ما ذي رغم 12 أو 13، هذا معروف عند من عاصر النصارى، أظن 12 أو 13، هذا الرقم يتشاؤمون منه، ما يحبونه، ولا يذكرونه، بل حتى أذكر أن بعضهم حكى أن في بعض الفنادق، يعدد لهم كم يقال المقامات أو ما يسمى بالأدراج، المدرج الأول، الثاني، الثالث، إذا كان 12 قفزوا عليه مباشرة، يقفزون على هذا، بل حتى قيل أن في بعض المستشفيات، الغرف 1، 2، 3، 10، 10، 13، 14، يقفزوا على 12 و13، ما يذكرونه أبدا، ما هذا؟ تشاؤمون من هؤلاء أصحاب التطور، أصحاب التكنولوجيا، ولا زالت هذه النعرات الجاهلية موجودة فيهم. فلا تتشاؤم يا عبد الله بشيء من المعلومات، بل كل ذلك من خصال أهل الجاهلية، فالحاصل إخواني في الله أن طيرة من أمور الجاهلية، وما حكم الطيرة؟ الطيرة هي منهية عنها، كما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: لا عدوى ولا طيرة، نهى نبي على الطيرة، وأن الطيرة من أمر الجاهلية. أما حكمها فهي شرك، جاء ذلك مصرحا من قوله عليه الصلاة والسلام: الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا وإلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل، فقوله عليه الصلاة والسلام: الطيرة شرك، يدل على أن الطيرة شرك، وما معنى الشرك هنا؟ قال علماء: يحتمل أنه من الشرك الأكبر، ويحتمل أنه من الشرك الأصغر. متى ذاك؟ إذا اعتقد هذا الذي تطير بالذي تطير به، أن هذا الذي تطير به يجلب له النفع والضر، فهذا هو الشرك الأكبر، لأنه جعل النفع والضر في غير ذات الله سبحانه وتعالى، وفي ليس لله سبحانه وتعالى مع أن النافع والضار هو الله سبحانه وتعالى، لكن لما اعتقد أن هذا بحركة يمنة أو بحركة يسرة، أو بشكله أو بصوته، هو الذي يجلب لك الخير، هذا شرك بالله سبحانه وتعالى، وهو شرك أكبر. وكذلك إذا اعتقد بعض الناس أن هذا العائف أو هذا الذي يتطير بطيوره يستطيع عن طريق الطير أن يعلم الغيب، هذا كذلك من الشرك الأكبر، ويكون كذلك التطير من الشرك الأصغر، يكون من الشرك الأصغر إذا جعل ذلك سبب، يقول: أنا أعرف أن هذا لا يضر ولا ينفع، لكن هذه أمارة، وهذه إشارة على وجود شر، لقال: أمارة وإشارة، هذا من الشرك الأصغر، لماذا؟ لأنه جعل ما ليس سبباً جعله سبباً، وهو ليس سبب، لا شرعي ولا كوني. وهذا من القواعد الذي تعرف بها وتميز بين الشرك الأكبر والأصغر، أن من جعل شيئاً سبباً وهو ليس سبب، لا شرعي ولا كوني، فإنه قد دخل في الشرك الأصغر، إذا نعلم إخواني في الله أن الطير بكل أشكالها أنها من المحرمات، قد تصل إلى الكفر، وقد تصل ماذا إلى الشرك الأصغر. ومن المناسب أن ينقل ما ذكره من مفلح رحمه الله تعالى، أنه ذكر عن بعض الناس من العلماء، ومن ينتسب إلى بعض المذاهب، من قال: أن التطير مكروه، وأنكر من مفلح رحمه الله تعالى ورحمة واسعة، أنكر على أمثالها، وقال: وكيف يكون التطير مكروها، هم من الشرك الذي حكى نبينا أنه من الشرك، فهو أقل أدراجه وأقل رتب، أنه محرم، ولو من كبائر الذنوب. أم إن اعتقدت أنه ينفع ويضر، أو بإمكانك أن تعلم من خلاله علم الغيب، فهذا من الشرك الأكبر، وأما تمام هذا الحديث في قول ابن مسعود، وقول نبينا: طيرة الشرك، وطيرة الشرك، وما منا وإلا، وما منا وإلا، معناه: أن ما منا من أحد إلا وقد يقدح في نفسه شيء، يقدح، هذا يقع، مثل الأصوات، مثال، وأنت داخل إلى عمل، فإذا سمعت في صباح اليوم انفجارات، أنت يأتيك شيء، أقول: أعوذ بالله، إيش هذا اليوم؟ بسم الله، طب إيش تفعل؟ يقع في نفسك شيء، هل هذا تطير؟ امشي في أمرك، قال: وما منا إلا أن يقع منه في قلب الشيء، قال: ولكن يذهبه الله بالتوكل، استعذ بالله وامشي قدما، فهذا لا يضرك، هذا لا يضرك. صحيح بعض الناس قد يأتيه شيء، يعني قد يكون هنا صحيح، أحيانا أجد أعور، أنصدم، إذا أصابك شيء، أمضي، أمضي، فإذا أنضيت وتوكلت عن الله، ذهب عنك شر هذا الفعل، وشر إثمه، فقال: وما منا وإلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل، فتسريع عبد الله وتمشي في أمرك، ولا يضرك شيء، مع التنبيه إخواني في الله على أن هذه اللفظة من الحديث: وما منا وإلا إلا أن الله يذهبه التوكل، الصحيح من أقوال الحفاظ أن هذا من قول ابن مسعود، فهو مدرج من قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وليس من قول الرسول صلواته ربي وسلامه عليه. وقد صرح بذلك جمع من العلماء، كالحافظ والصيوطي والمنذري، وهكذا البخاري، ذكروا أن هذا موقوف من كلام مسعود، لكن المعنى صحيح، فإن التوكل إخواني في الله هو الذي ينبغي أن ينضي عليه المسلم، وأمر طير إخواني في الله صور كثيرة ومقامات عديدة، لكن هذا ما يتعلق في فهم هذا المصطلح الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وأنه عاد من عادات أهل الجاهلية أنهم كانوا يتشاؤمون إما بمرئيات أو بمسموعات أو بماذا بمعلومات. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.