الدرس في شرح مسائل الجاهلية 99، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل موضوع التعصب وذمه في الإسلام، حيث يشرح المؤلف أن التعصب لطائفة على الحق والباطل كان من صفات أهل الجاهلية ويحذر من هذه الظاهرة. كما يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يذم القتال تحت راية عمية بسبب العصبية.
يتناول هذا الفصل مفهوم التعصب وأمثلة عليه، ويحذر من خطورة الانتماءات العصبية والقبلية، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهى فيه عن الدعوة الجاهلية. كما يشرح أهمية الأسماء الشرعية مثل المهاجرين والأنصار ومعانيها الإيجابية.
يشرح هذا الفصل كيف أن التعصب يمكن أن يظهر في أشكال مختلفة مثل الانتصار المطلقة لبعض الأسماء أو الأشخاص أو الذوات، وعقد مبدأ الولاء والبراء على أشخاص أو أفكار أو أماكن. يحذر من أن مثل هذا التعصب مذموم شرعًا.
يؤكد هذا الفصل على أخوة المؤمنين ووحدة دينهم، ويطلب من الله النفع باتباع أحسن الأقوال. يُنهي بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشددًا على أهمية التمسك بالحق والوحدة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالثة والتسعون، أن تعصب الإنسان لطائفته على الحق والباطل أمر لا بد منه عندهم، فذكر الله فيه ما ذكر. أي أن من صفات أهل الجاهلية ومن خصائصهم ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى عنهم في هذه الفقرة، وما يتعلق بأمر التعصب أن تعصب الإنسان لطائفته على الحق والباطل أمر لا بد منه عندهم. فكانت هذه من المسلمات عندهم، أن الواحد من أهل الجاهلية لو طلب النصرة والمعونة والإعانة من أهله ومن قبيلته، فإنه ينصر ويناصر بغض النظر، أكان على حق أو كان على باطل. ومسألة التعصب إخواني في الله هي آفة خبيثة ودسيسة مميتة، متى ابتلي بها عبد من عباد الله، فاستشرى فيه ظاهرة التعصب، فكانت في فكره وجدانه، ستظهر ويظهر ذلك على أفعاله وفلتات لسانه. فحينها يا عبد الله لا تسأل عن ضلاله وهلاكه، إذ أن المتعصب إخواني في الله في حياته إنما يعاشر من حوله على هذه الظاهرة. وإن الإسلام إخواني في الله عندما جاء بهذا الدين كان من أعظم أعماله أن حذر الناس من هذه الظاهرة من ظاهرة التعصب. وكثير الأحاديث التي ذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم محذرًا فيها أصحابه من هذه الظاهرة، أن لا تكون يا عبد الله متعصبًا. فمن ذلك قول عليه الصلاة والسلام: «من قاتل تحت راية عمية يدعو عصبية ويقاتل عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية». من قاتل تحت راية عمية، تحت راية وعمية عنها ما يدري ما هي الراية التي ترفرف فوق رأسه، اللهم أنه دعي إليها فلبى، بغض النظر راية قائمة على حق، راية قائمة على باطل، ما يبالي بها، اللهم دعي من قبل طائفته، فإذا به بالسلاح في الصف الأول. فقال عليه الصلاة والسلام: «من قاتل تحت راية عمية يدعو عصبية وينصر عصبية»، دعوة ونصرته إنما قائمة على هذه الدعوة. قال عليه الصلاة والسلام: «فقتلة جاهلية»، أي المعنى أنه إن قتل تحت هذه الراية وعلى هذا المسلك، فإن قتلته شبيهة بقتلة أهل الجاهلية، لأنهم كانوا على هذا الوصف. فالعصبية إخواني في الله مذمومة بكل صورها وبشتى أنواعها. وقد ذكر العلماء أن للتعصب صورًا، أحيانًا قد يكون التعصب لأشخاص لذوات، وأحيانًا قد يكون التعصب لأفكار ومناهج، وأحيانًا يكون التعصب لبقاع لأراضي لأماكن وبلدان. فالصور إخواني في الله صور التعصب تختلف باختلاف الشيء الذي يتعصب من أجله العصبي يتعصب من أجله. والمؤلف رحمه الله تعالى هنا ذكر صورة من صور التعصب، قال رحمه الله تعالى: أن تعصب الإنسان لطائفته على الحق والباطل أمر لا بد منه عندهم. وهذا ما يتعلق بباب المناصرة والنصرة، فإن من صور العصبية إخواني في الله التي ذمها شارع ما يسميه العلماء بالنصرة المطلقة. وكان ذلك من أشهر صور التعصب عند أهل الجاهلية، حتى سارت الركبان بذاك البيت الجاهلي، والذي فيه بيان لهذه الصفة السمة والصفة الجاهلية قول القائل: «وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد». أي أنا ما أنا إلا تبع لغزية لهذه القبيلة، إن غوت وقع منها غواية فأنا غاوي مثلها، ما أخرج عن غوايتها قط، وإن كانت من أهل الرشاد فأنا راشد أسترشد برشدها، فأنا معها في الحق والباطل، معها في الغواية والرشاد، معها في الهداية والضلالة. فهذا إخواني في الله من صور التعصب، أي ذاكر المؤلف رحمه الله تعالى النصرة المطلقة، فلا يجوز لا يجوز يا عبد الله أن تقدم على مناصرة أحد من شخص مناصرة أي شيء، قد يكون نصر لشخص تناصره لا لشيء إلا لأنك تجل هذا الشخص أو كان من جماعتك أو كان من قرابتك أو كان من بني جنسك. فتناصره ولربما أنت تعلم أنه على خطأ أو كان على ضلالة أو أنك تجهل ما الذي فعله، اللهم دعاك فتدعو، فهذا فعلك يا عبد الله تعصب من أمور الجاهلية. وقد يكون تعصبك يا عبد الله على مناهج وعلى أفكار كما يفعل أهل الأهواء، أن يكون في قلبه وذهنه فكرة معينة، فماذا يفعل؟ فيقوم بمناصرتها يقوم بمناصرته، يحارب من حارب هذا الفكر. وهذا تعصب أو يكون تعصبه على أجل بقعة على أرضية على ملك، وعلى ما نراه في تلكم الأدعاوى القومية من الموطنية والشعوبية، تجد أن أحدهم منهم قد منى الله عليه ببقعة أرض تراب على تراب. فإذا به يناصرها بكل ما أوتي من قوة، فمن كان ينتمي إلى هذه الأرض فهو الذي يناصر، ومن لم يكن من أهل بلده ومن لم يكن من أهل وطنه فهذا ليس له إلا العداء وإلا السخط، هذا حاله. فهذا إخواني في الله من التعصب الذي يدخل في النصرة المطلقة. وقد حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك كما جاء في الصحيح، عندما سمع نبينا صلى الله عليه وسلم ذاك النداء الذي نادى به أحد الصحابة قائلاً: «يا للمهاجرين»، وقال الآخر: «يا للأنصار» في حادثة وقعت بينهما بين غلامين، ذاك ينتمي للأنصار وآخر ينتمي للمهاجرين. فإذا بأحدهم يستنجد بقومه قائلاً: «يا للمهاجرين»، وآخر استنجد بقومه وهم الأنصار فقال: «يا للأنصار». فخرج نبينا صلى الله عليه وسلم وأمرهم بإلغاء هذه الدعوة، قال: «أبي دعوة الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها منتنة». دعوها فإنها منتنة، يعني على ماذا تنادون وعلى ماذا؟ بل حتى يقال في رواية أنهم قد قاموا بعضهم وقالوا: «الحر الموعد، الحر الموعد» سيكون قتال هناك، ولم يستفصل أصلاً لم يستفصل أصلاً عن السبب الذي من أجله تم الهتاف وتم النداء. لم يستفصل وإنما هذا داع بعشيرته وذاك داع بعشيرته، فإذا بهم موعد القتال مباشرة. فلما رأى نبينا أن هذا مظهر مما كان عليه أهل الجاهلية، قال: «أبي دعوة الجاهلية»، سماها نبينا دعوة الجاهلية، ثم قال: «دعوها فإنها منتنة». ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى تحليل جيد لهذا الحديث، قال رحمه الله تعالى فيما معناه: فهذان الإسمان، المهاجرون والأنصار، إسمان شرعيان جاء بهم الكتاب والسنة، وسماهم الله جل وعلا به. انظر الآن هؤلاء الغلمة بمن استنجدوا باسم المهاجرين والأنصار؟ هل كلمة الأنصار والمهاجر هل هذه كلمات عادية؟ يعني مثل أي قبيلة: «يا فلان يا أهل بني فلان» أو «يا زيد يا عمر»؟ هل هذه الأسماء المهاجر والأنصار قيمتها كقيمة باقي الأسماء؟ لا، لماذا؟ لأن اسم المهاجرين والأنصار من الأسماء الشرعية. ليست من أسماء الوضعية التي وضعها الناس من أفكارهم ومن استنتاجات حياتهم، لا بل هذه أسماء شرعية جاء ذكرها في الكتاب والسنة مدحًا لها. وأيضًا قال شيخ الإسلام: وسماهم الله جل وعلا به، أي أن هذه التسمية ربنا جل وعلا هو الذي تكفل جل في علا بإنزال هذه التسمية من عنده. سمى هؤلاء بالمهاجرين وسمى هؤلاء بالأنصار. قال شيخ الإسلام: أن يبين لك رحمه الله تعالى خطورة هذه الدعوة، فقال: فهذان الإسمان شرعيان جاء بهم الكتاب والسنة، وسماهم الله جل وعلا به. قال: وانتساب الرجل إلى المهاجرين والأنصار حسن محمود عند الله وعند رسوله. الانتساب إلى هذه العشائر إلى نسبة المهاجرين والأنصار نسبة محمودة يحبها الله والرسول عليه الصلاة والسلام، لما لها من معاني شرعية مقصودة. ثم قال رحمه الله: ثم مع هذا، أي مع عظمة هذه الأسماء، قال: ثم مع هذا لما دعا كل واحد منهما طائفته مقتصرًا بها مستنجدًا بها، أنكر ذلك. أي شاهد ماذا أراد شيخ الإسلام؟ أراد إذا كانت هذه أسماء شرعية محبوبة عند الله وجعلت في موضع يدعى فيها لعصبية، ومع ذلك أنكر نبينا ذلك وسماه دعوة الجاهلية. ثم قال رحمه الله تعالى: فبين أن النبي عليه الصلاة والسلام بين أن المحذور هي النصرة المطلقة، فهي دعوة الجاهلية. معنى الكلام إخواني في الله: إذا كان اسم شرعي وضع فيه تعصب فهم ذموم، فما ظنك بأسماء ليست شرعية؟ ليست شرعية أحد يتدلع بوطنه وبقريته، وذاك بنسبه، وإذا نظرت إلى اسم بلده وإلى اسم قريته وإلى أسماء أجداده وسلالته. وإذا نظرت إلى البقعة الذي ينتمي إليها ويفتخر بها، تجد أن أسماء من وضع البشر، ليست أسماء شرعية وليست أسماء محبوبة عند الله، وما ذكرها ربنا في كتابه ولا جاءت في سنة نبينا. فبعد هذا وذاك إذا مثل هذه الأسماء وضعت في باب الانتصار والاستنجاد بها في حق أو باطل، فإنها من باب أو لا تذم. والشاهد إخواني في الله أنه لا يجوز الانتصار والاستنجاد ببعض الأسماء أو الأشخاص أو الذوات على سبيل النصرة المطلقة، إن كان حق فحق وإن كان باطل فباطل، فهذا لا يجوز. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». وهذه عبارة كانت يعرفها العرب قديمًا، حتى استشكل الصحابة هذا الحديث، يعني كيف أنصره ظالمًا أو مظلومًا؟ هذا الذي كنا عليه. فقال: «يا رسول الله ننصره مظلومًا قد عرفناه، فكيف هو ظالم؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه». تمنعه من الظلم، وهذا هو الموقف الذي ينبغي أن يقع، فليس الشأن كل الشأن يا عبد الله أنك تلبي أي نداء، لكن لب النداء إن كان على حق، فيه نصرة لمظلوم، فيه رفع مظالم عن أبرياء، لب الدعوة. أما أنك يا عبد الله تلبي لأي دعوة ولو كان فيها إزهاق لأنفس بريئة أو فيها وضع لظلم على أناس أبرياء، فلا يجوز. وإنما عليك العكس أن الذي طلب وناداك بهذا النداء أن هذا الذي ناداك تأخذ بيده، تحجزه، تمنعه، لأنك تجامله لأنك تسير معه، وإنما تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصرك إياه. وأيضًا إخواني في الله والشيء بالشيء يذكر أن من صور النصرة من صور التعصب قد مرت معنا النصرة المطلقة. من صور التعصب الصورة الثانية: عقد مبدأ الولاء والبراء، عقد مبدأ الولاء والبراء إذا وجد رجل من نفسه أنه قد عقد مبدأ الولاء والبراء الولاء يدخل فيها المحبة والرضا والقبول، ومبدأ البراء يدخل فيها المعادة ويدخل فيها كذلك الحرب ويدخل في ذلك العداء. إذا وجد رجل نفسه وجعل رجل نفسه أنه عقد مبدأ الولاء والبراء على شخص أو على فكرة أو على بقعة، فليعلم أنه دخل في صورة من صور التعصب. مثاله: مثل عنده شخص هذا الذي يجله ويعظمه، فيجعل هذا عقد الولاء والبراء عليه. فمن رأى من الناس يمدحه ويثني عليه فأنت مني وأنا منك، وإن رأى أحد من الناس لا يرتضيه ويذمه فإنه يعاديه ويهجره. وهكذا قل في باب الأفكار، عندي فكرة من رأيت أنه يثني عليها وقدم عليها بل وانصاع لها ومدحها، فهذا مني وأنا منه. وإن رأيت أنه عاداها وحذر منها، هذا هو العدو الشيطان المبين. وهكذا قل في حق البقاع والأراضي والبلدان، ولو كان تقيًا برًا فاضلًا فإنه من أخبث الناس عندهم، لأن عقد الولاء والبراء ليس لأجل دين الله وإنما من أجل هذه الأشياء التي وضعوها لأنفسهم. وكل ذلك إخواني في الله من التعصب الذي حذره الشرع. فإنما المؤمنون إخوة، فالذي يجمعنا عباد الله هو دين الله جل وعلا، بغض النظر بغض النظر عن بعد الشخص أو قربه، وبغض النظر كذلك عن انتمائه، بما أنه من أهل إسلام فلهم ما لهم من الحقوق وعليهم ما عليهم من الواجبات. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.