الدرس في كتاب الحج 11، ألقاها
يتناول هذا الفصل تحريم استخدام الطيب على بدن المحرم أو ثيابه بعد الإحرام، ويستدل على ذلك بالأحاديث النبوية والإجماع. يشمل التحريم البخور والصابون المعطر، ويبين كيفية التعامل مع الطيب إذا نزل على ثياب الإحرام عن غير قصد.
يتناول هذا الفصل تعريف الصيد وأحكامه في الإسلام، حيث يشترط في الصيد أن يكون وحشيًا ومباحًا وغير مملوك وممتنعًا بنفسه. كما يوضح حكم صيد المحرم وغير المحرم داخل وخارج الحرم.
يتناول هذا الفصل بعض المحظورات على المحرم في الإحرام، مثل صيد البر وصيد البحر، وعقد النكاح، والمباشرة لشهوة فيما دون الفرج. يُوضح أن صيد البر محرم على المحرم، بينما صيد البحر مباح، وعقد النكاح لا يصح ولا فدية فيه، والمباشرة لشهوة دون الفرج لها أحكام مختلفة حسب حالة الإنزال.
تمت مناقشة صحة حجة معينة واكتفى بالحديث عنها حتى هذا الحد. تم اختتام الدرس بالدعاء والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد موفق الدين بن قدامة رحمه الله في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الحج منه، في باب محظورات الإحرام، وقد ذكر أنها تسعة. علماء رحمهم الله تعالى، هو كل ما يعد للشم مما يتطيب به الإنسان من أي نوع كان من أنواع الطيب. وقوله رحمه الله تعالى: "الطيب في بدنه وثيابه" أي بعد الإحرام. أما قبل الإحرام، فكما مر معنا لا بأس للرجل أن يتطيب، أن يطيب لحيته، وأن يطيب شيئًا من جسده قبل الإحرام، لا بأس، لقوله عائشة رضي الله عنها وأرضاها، كما في الصحيحين، قالت: "طيبت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف". فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى بهذا الحديث على جواز الطيب لمن أراد الدخول في الإحرام قبل إحرامه. أما بعد الإحرام، إذا أحرم فإنه لا يجوز له أن يتعاطى الطيب، لا يجوز له أن يتطيب بالطيب، سواء جعل الطيب على جسده أو جعل الطيب على ثوبه. ويدخل في الطيب كذلك، كما قال علماء رحمهم الله تعالى، البخور. البخور المعروف عند الناس، هذا كذلك لا يجوز للمحرم أن يتبخر، لا أن يبخر جسده، ولا أن يبخر ملابس الإحرام. وهنا يعلم خطأ بعض الناس الذين إذا أرادوا حجا أو عمرة، تجدهم يبخرون ثياب الإحرام، هذا خطأ، وهذا من محظورات الإحرام. فمن فعل في ثياب إحرامه هذا الفعل، فإنه يجب عليه أن يغسلها، حتى يذهب ما بها من ريح. والشيء بالشيء يذكر، مما نبه عليه العلماء وذكره العلماء من الأخطاء الشائعة في الحج، ما يفعله بعض الناس ظنًا منهم أنه قربة، وهو أن بعض الناس ربما إذا وصل إلى الحجر الأسود، ربما صب عليه أنواعًا من الطيب، بل من أجود أنواع الطيب، يظن أن ذلك الفعل قربة وطاعة لله رب العالمين. وما درى ذلك المسكين أنه بفعله ذلك يؤثم من بعده ممن يريد أن يمس الحجر، لأنه إذا مس الحجر سيمس معه طيبًا. فالحاصل أن من محظورات الإحرام الطيب في بدن المحرم وثيابه، وهذا أول دليل على هذا السنة والإجماع. دليل هذا المحظور السنة والإجماع، فأما السنة، فما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ذلك الرجل الذي وقصته ناقته فمات: "ولا تحنطوه". والحنط نوع من الطيب. وفي رواية لمسلم، قال: "ولا تمسوه بطيب". وكذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما ذكر ما لا يلبسه المحرم، قال: "ولا يمس زعفران، ولا كذلك الورس". وهي كذلك أنواع من الطيب فيها أنواع من الطيب. وهنا مسألة يذكرها العلماء كذلك من المسائل المعاصرة، وهي ما كان من الصابون الذي فيه رائحة معطر، الصابون المسمى بالصابون المعطر، أو الشامبو كذلك الذي هو من أنواع الشامبو المعطر، هل يدخل في هذا الحكم أم لا؟ العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب مختلفون. فمنهم من رأى الإلحاق للعلة الجامعة، وهي أنه ذو رائحة وأنه يستخدم كذلك للشم. والآخرون قالوا: لا، إنما المقصود من هذه الصوابين ونحوها هو تصفية الجسد وتنقية البشرة، وإنما الرائحة تبعًا، لذا رأوا الإباحة. ولا شك ولا ريب أن المسلم يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، فالأحوط والأحرى أن يفتعد المحرم عن كل شيء فيه رائحة جميلة معطرة، لأجل أن يحافظ على إحرامه. والله أعلى وأعلم. بقي من المسائل المذكورة، قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن إنسانًا مثلًا طيب لحيته ويسد قبل إحرامه، ثم لما أحرم نزل من الطيب على ثيابه، فماذا يصنع؟ قال العلماء: إن كان يسيرًا لا أثر له، فلا عبرة به. وما كان له أثر، فإنه يغسل. فالحاصل من هذا أن من محظورات الإحرام، كما سمعتم، الطيب في بدن المحرم أو ثيابه بعد دخوله في الإحرام. السادس من المحظورات قتل الصيد. قال: وهو ما كان وحشيًا مباحًا. وأما الأهلي فلا يحرم. وأما صيد البحر فإنه مباح طيب. قوله رحمه الله تعالى: "قتل الصيد" الضابط في الصيد عند العلماء رحمهم الله تعالى، هو ما ذكره الإمام بن قدامة رحمه الله تعالى، وهو ما كان وحشيًا مباحًا. وبعضهم على سبيل التفصيل قالوا: إنما يسمى الحيوان صيدًا، أو يسمى الصيد صيدًا إذا توفرت فيه شروط. الأول: أن يكون مباحًا. والثاني: أن يكون غير مملوك. والثالث: أن يكون ممتنعًا بنفسه. قالوا: هذا يسمى صيدًا. أما إذا فقد شرطًا من الشروط، فإنه لا يسمى صيدًا. يعني الأول، كما سمعتم، أن يكون حلالًا. فلو أن الصيد لم يكن حلالًا، لم يكن حلالًا، مثل السباع، يستبع بصيد. فلو أن الإنسان رمى على سبع فقتله، هل يقال بأنه قتل صيدًا؟ الجواب لا. فالصيد لا بد أن يكون مباحًا، كذلك أن يكون غير مملوك. لو كان ذلك الحيوان وإن كان أصله وحشيًا، إلا أنه مملوك لإنسان، يعني مثلًا موجود في مكان مزرعة في محيط لرجل. فلو أنه أخذه فقتله، أي ذبحه، هل يكون قتل صيدًا؟ الجواب لا، لأنه مملوك. الأمر الثالث كذلك، أن يكون ممتنعًا بنفسه، أن يستطيع أن يدفع عن نفسه، إما بقوته أو بما آتاه الله جل وعلا من الأمور التي يستطيع بها التخلص والبعد عن أن يؤذى. فمثل هذا يسمى صيدًا. فإذا فقد هذا الوصف، فإنه لا يسمى صيدًا. لو كان الحيوان على هذه الصورة، ولكنه لا يستطيع أن يمتنع بنفسه، كالحيوان الأهلي، لا يمتنع بنفسه، يأتي هذا يأخذه ويأتي هذا يذهب به يمينًا وشمالًا. فمثل هذا لا يسمى صيدًا. وإذا علم هذا، علم أيضًا أن إنسانًا إذا كان إنسان غير محرم، فصاد صيدًا وباعه، هل يقوز أن يشتريه المحرم منه؟ أم لا؟ وهل يقوز أن يذبحه أم لا؟ واضح. صورة: جماعة، يعني رجل صاد أرنبًا، رجل غير محرم خارج الحرم، صاد أرنبًا، دخل إلى مكة، رأى جماعة من الحجاج، قال: من يشتريه مني هذا الأرنب؟ فهل للحجيج أن يشتريه منه هذا الأرنب الذي اصطاد ذلك الرجل أم لا؟ وهل يكون هذا صيدًا أم لا؟ عند من؟ الجواب: نعم يكون صيدًا، أو لا؟ لماذا؟ لأنه غير مملوك، أو لأنه مملوك؟ لأنه صار مملوكًا. ومن شرط الصيد، قلنا: أن يكون مباحًا، أن يكون غير مملوك، أن يكون ممتنعًا بماذا؟ بنفسه. هذا صار ماذا؟ مملوكًا. قوله رحمه الله تعالى: "قتل الصيد وهو ما كان وحشيًا مباحًا". قال العلماء رحمهم الله تعالى: قتل الصيد له أي باعتبار الإحرام والحرم. فصيد الحرم، فما كان من الصيد في الحرم، فإنه لا يصاد. وما كان من صيد خارج الحرم، فإن المحرم لا يقوز له أن يصيده. "حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرم". فالمحرم لا يحل له أن يصطاد، لا داخل الحرم ولا خارج الحرم. وغير المحرم، لو أن يصطاد خارج الحرم، وليس لو أن يصطاد داخل الحرم. واضح جماعة، الدليل على هذا أن أبا قتادة جاء في الصحيحين، أن أبا قتادة رضي الله عنه وأرضاه اصطاد حمارًا وحشيًا ولم يكن قد أحرم بعد، فأكل منه وأتى للنبي صلى الله عليه وسلم بشيء منه، فأكله النبي صلى الله عليه وسلم، أو أكل منه النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه صيد، لكنه صيد ماذا؟ حلال في حلال. واضح جماعة، فهو حلال. وجاء في الصحيحين من حديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه وأرضاه، أنه صاد كذلك حمارًا وحشيًا، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فرده النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما في وجهه، قال: "إنا لم نرده عليك إلا لأننا حرم". قال العلماء: ومعنى هذا أن صيد الحلال، أي من لم يكن محرمًا، لا يخلو من أحوال. الحالة الأولى: أن يصيده في الحرم، هذا محرم. الحالة الثانية: أن يصيده في الحلال، هذا حلال، كما في حديث أبي قتادة. أن يصيده في الحلال لنفسه، هذا حلال لحديث أبي قتادة، وللمحرم أن يأكل منه. الحالة الثالثة: أن يصيده في الحل، لكن لأجل المحرم، أن يصيده في الحل ولكن لأجل المحرم، فإن هذا لا يأكله المحرم، لماذا؟ لأنه صيد صيد لأجل ذلك المحرم، كما في حديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه وأرضاه: "إنا لم نرده عليك إلا لأننا حرم". قوله رحمه الله تعالى: "قتل الصيد وهو ما كان وحشيًا مباحًا، وأما الأهلي فلا يحرم". ومعنى هذا أن إنسانًا لو أنه قتل، أي ذبح مثلًا شاة في الحرم، أو دجاجًا، أو ضبيًا، أو غير ذلك، أو جملًا، بقرة مما يباح أكله، فإنه يحل له، ولو كان محرمًا، إذ أن هذه الأشياء لا يقال فيها بأنها ماذا؟ صيد. لماذا؟ لأنها غير ممتنعة بنفسها من جهة، ولأنها في الغالب الأكثر تكون مملوكة. واضح جماعة، فلو أن إنسانًا مثلًا في الحرم اشتهى أن يأكل، أن يذبح شاة فيأكلها، فهل له أن يذبح شاة فيأكلها وهو محرم؟ الجواب: له أن يذبحها وأن يأكلها، لماذا؟ لأنه ليس بصيد، وإنما حرم عليه ربنا تبارك وتعالى الصيد حال كونه ماذا؟ محرمًا. قال رحمه الله تعالى: "وأما الأهلي فلا يحرم، وأما صيد البحر فإنه مباح". إذن صيد البحر مباح مطلقًا للمحرمين ولغير المحرم. وصيد البر محرم على المحرم صيده حال إحرامه، وكذلك إذا كان في الحرم. وهنا مسألة يذكرها العلماء على سبيل الفرض، لو أن مكة مثلًا حصل فيها بحيرة فيها ماء، وكانت تلك المياه اجتمع فيها أسماك، فهل للمحرم أن يصطاد من تلك البحيرة أم لا؟ هيا جماعة، واضح المسألة أم لا؟ بحيرة في مكة، قريبًا من الحرم، في الحرم، لن أقول قريبًا، في الحرم، فيها صيد، فهل للمحرم أن يصطاد منها أم لا؟ يجوز له أن يصطاد منها، نعم يجوز، لماذا؟ لأنه صيد إيش؟ صيد البحر، لأنه من صيد البحر. قوله رحمه الله تعالى: "قتل الصيد وهو ما كان وحشيًا مباحًا، وأما الأهلي فلا يحرم، وأما صيد البحر فإنه مباح". طيب لو كان حيوان مشترك بحري بري، لو كان حيوان بريًا بحريًا، مثل السلحفاة ونحوها، تعيش في البحر وتعيش في البر، فهل للمحرم أن يصطاده أم لا؟ ما هو الجواب يا جماعة؟ الجواب: أن هنا قاعدة يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهي أن الشيء إذا كان يدور بين الحل والحظر، فإنه يغلب جانب الحظر، يغلب جانب المنع. قوله رحمه الله تعالى: "السابع عقد النكاح لا يصح منه ولا فدية فيه". السابع من محظورات الإحرام عقد النكاح لا يصح منه ولا فدية فيه، بمعنى أن الإنسان المحرم، لو كان محرمًا، فإنه لا يجوز له أن ينكح، ولا أن ينكح. لما جاء في صحيح مسلم، بل في الصحيحين من حديث عثمان رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب". فلا يحرم المحرم أن يفعل هذه الأفعال، فهذه من محظورات الإحرام. إلا أنه كما ذكر الإمام بن قدامة رحمه الله تعالى: من فعل ذلك، فإنه لا فدية عليه، لعدم الدليل على ذلك. قوله رحمه الله تعالى: "الثامن المباشرة لشهوة فيما دون الفرج". المباشرة لشهوة فيما دون الفرج، فإن أنزل بها، أي بتلك المباشرة، أنزل بها، الضمير عاد على ماذا؟ المباشرة. فإن أنزل بها، فعليه بدنة، وإلا ففيها شاة. وحجه صحيح. طيب هذا المحظور الثامن، وهو إذا باشر المحرم أهله، إذا باشر المحرم أهله في غير ماذا؟ في غير الفرج. فلا يخلوا، لا تخلوا هذه المباشرة، كما يقول علماء رحمهم الله تعالى، من إحدى حالتين، إما أن ينزل بسبب تلك المباشرة التي ليست في الفرج، وإما أن لا ينزل. فإن أنزل، فإنه يجب عليه بدنة، قياسًا على ماذا؟ على المجامع في الفرج. وقد أفتت صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، أن من جامع أهله في فرجها، فإن عليه بدنة، وإلا فلا. وهذا قول للعلماء. وذهب آخر بأنه لا دليل على هذه الفدية، والتغليظ فيها. قالوا: إذ العبرة في إيجاب البدنة فدية لمن جامع، إنما هو الجماع، وليس الإنزال. فالعلة الجماع. فلو أننا المحرم جامع ولم ينزل، فإنه يجب عليه بدنة. قالوا: فدل على أن علة البدنة هو الجماع لا الإنزال. وهذا القول أقرب، إذ الفدية إيجاب الفدية تحتاج إلى ماذا؟ إلى دليل. ولا دليل. وقياسه على الجماع ليس بصحيح، إذ لا يقاس الأدنى على الأعلى. قال: "فعليه بدنة وإلا ففيها شاة وحجه صحيح". والله أعلم، أي أن حجه من حيث الصحة وعدم حجه ماذا؟ صحيح. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.