الدرس في كتاب الحج 1، ألقاها
يعرف الحج لغة وشرعًا بأنه ركن من أركان الإسلام وواجب على من استطاع إليه سبيلًا، مستدلًا بالكتاب والسنة والإجماع. كما يبين فضائل الحج وأجره العظيم عند الله تبارك وتعالى.
اختلف العلماء في وجوب الحج على الفور أو التراخي، حيث ذهب الجمهور إلى التراخي بينما ذهب أحمد وأبو حنيفة إلى وجوبه على الفور مستدلين بالأدلة الدالة على ذلك. كما استدل الإمام أحمد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد الحج فليتعجل».
اختلف العلماء في حكم تعجيل الحج، حيث ذهب الإمام أحمد إلى وجوبه على الفور بينما ذهب الإمام الشافعي إلى جواز التراخي. يرى الشيخ أن الأظهر هو وجوب الحج على الفور لحديث ابن عباس والأدلة العامة الدالة على ذلك.
يتضمن الدعاء للنبي بالصلاة والسلام والبركة، وامتداد هذا الدعاء لآله وصحبه، ختامًا للدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فنظرًا لقرب موسم الحج، رأينا أن نقدم كتاب الحج من كتاب عمدة الفقه على كتاب الجنائز والزكاة والصوم، وذلك لمسيس الحاجة إلى معرفة أحكام الحج ممن أراد الحج. فنسأل الله تبارك وتعالى التوفيق وسدادًا، وأن يعلمنا ربنا تبارك وتعالى ما جهلنا، وأن يذكرنا من العلم ما نسيناه. إنه قريب مجيب. أن يجعل ما علمنا نافعًا لنا في ديننا ودنيانا ويوم لقائه تبارك وتعالى. قال الإمام أبو محمد ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه عمدة الفقه: كتاب الحج. والكتاب كما مر معنا مرارًا بمعنى المكتوب، وهو مأخوذ من الكتب أي الجمع، لذا يقال للرمل المتجمع كتيب رمل، ويقال كذلك لطائفة من الجنود المجتمعة كتيبة من الجنود. وهكذا قول المصنفين في كتبهم كتاب، أي مكتوب، وهو من جمع المسائل بعضها إلى بعض. وقوله رحمه الله تعالى: كتاب الحج، أي كتاب جمع فيه أحكام ومسائل الحج. والحج يقال بفتح المهملة وبكسرها، لغتان. يقال الحج بالفتح ويقال الحج بالكسر، وكلاهما صحيح. وعلى كلا الوجهين قرأ السبع، أي أنها من قراءات السبعية بالفتح وكذلك بالكسر. والحج في اللغة بمعنى القصد، وذكر الإمام الخليل الفراهيدي رحمه الله معنى أخص في الحج، فذكر أنه بمعنى القصد المتكرر إلى معظم. فهذا معنى الحج لغة. والحج شرعًا هو القصد إلى بيت الله الحرام لأداء عبادة الحج بأوصاف مخصوصة في أزمنة مخصوصة. عرفوا بعضهم فقال: هو التعبد لله بأداء المناسك على الوجه المشروع، أي الذي شرعه الله تبارك وتعالى لعباده. والحج كما هو معلوم ركن من أركان الإسلام، فهو واجب من واجبات الإسلام، ودل على وجوبه الكتاب والسنة والإجماع. قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وقال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلًا». وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا». فدل الكتاب والسنة على وجوب الحج، وهو كذلك واجب بإجماع، لا خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى: أن من توفرت فيه شروط وجوب الحج أنه يجب عليه الحج. نقل الإجماع غير واحد من الأئمة رحمهم الله تعالى، كابن المنذر وابن قدامة وآخرين. والحج كما هو معلوم، إلى جانب أنه ركن من أركان الإسلام وواجب من واجباته العظام، كذلك جعل ربنا تبارك وتعالى في الحج من الفضائل الأمر العظيم. فمن ذلكم أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». وقال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أيضًا قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم أي؟ قال: «جهاد في سبيله». قيل له: ثم أي؟ قال: «حج مبرور» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. إلى غير ذلك من الفضائل العظيمة التي أودعها الله جل وعلا في ذلك الموسم العظيم المبارك الذي هو شعيرة من شعار الإسلام، بل هو ركن من أركان الإسلام. واتفق العلماء رحمهم الله تعالى وأجمعوا على أن من أنكر وجوب الحج فإنه كافر بالله العظيم. لقول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ومن كفر أي كفر بوجوبه، معنى كفر أي كفر بوجوبه، أنكر وجوبه وجحد وجوبه. وأما من أقر بوجوب الحج ولكنه لم يحج مع قدرته واستطاعته على ذلك تهاونًا وتكاسلًا، فالجمهور على أنه لا يكفر. وعن أحمد رواية القول بأنه يكفر، والصحيح قول الجمهور لعدم الدليل الدال على كفر من أخره أو من ترك الحج تهاونًا. قوله رحمه الله تعالى: كتاب الحج. أولًا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الحج أول ما فرض اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في زمن الحج ومتى فرض الحج. فذهب أو استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى استنباطًا لطيفًا من حديث كعب بن عجرة: أن فرضية الحج كانت في السنة السادسة من الهجرة. وذهب بعضهم إلى أنه لم يكن كذلك، بل كان في زمن متأخر عنها. وما ذكره الشافعي رحمه الله تعالى استنباطًا قول قوي. وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا إلى أن الحجة المعتبرة التي شرعها ربنا تبارك وتعالى كما تدل عليه الأدلة العامة، وكذلك أدلة خاصة: أن الحج الذي حجه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أمته أن تحج فيه كان في السنة العاشرة. كان في السنة العاشرة حينما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحج معه أزواجه وعامة أصحابه رضي الله عنهم أجمعين. وسيأتي الكلام على هذا في المسألة التالية، وهي: هل وجوب الحج على الفور أم على التراخي؟ يعني تقدم معنا أن الحج واجب، لكن هل يجب على الفور أم أن الإنسان له أن يؤخره السنة والسنتين والثلاث؟ يعني الصورة متصورة في رجل قادر مستطيع على الحج، رجل عنده استطاعة عنده مال عنده قوة بدنية يستطيع أن يحج، لكن يقول: لن أحج هذا العام، سأحج العام الآخر أو سأحج بعد ثلاث سنين أو بعد أربع أو إلى غير ذلك، وهو قادر وهو مستطيع. فهل الحج على الفور، أي يجب على الفور لمن كان قادرًا مستطيعًا، أم أنه على التراخي؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة قولان. الأول وهو قول الجمهور رحمهم الله تعالى: أنه على التراخي. ذهب إلى هذا كثير من العلماء، وهو مشهور عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. لكن ذهب أحمد وأبو حنيفة وفي آخرين إلى أن الحج على الفور. مستدلين بظواهر الأدلة الدالة على وجوب الحج. قالوا: والأصل في الأمر أنه للفور. وهذه مسألة أصولية، وهي: هل الأصل في الأمر أنه على الفور أم أنه على التراخي؟ قولان للعلماء. والصحيح فيه التفصيل، وهو: أن من العبادات ما وقتها موسع، فما كان وقتها موسعًا فالأمر فيها موسع. وما كان الأمر أو الوقت فيها مضيقًا فالعبادة أو الأمر فيها على الفور. وإذا قيل: الأصل، فالأصل كما ذهب إليه طائفة من المحققين: أن الأصل في الأمر أنه على الفور. فاستدل هؤلاء بما تقدم ذكره من أن الأوامر تدل على الفور، فإذا يجب على الفور. واستدل كذلك بما رواه أحمد بإسناد فيه مقال، لكن يرتقي بغيره إلى الحجية. ورواه الطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة». قالوا: فهذا دليل على الوجوب، أي على الوجوب في قوله صلى الله عليه وسلم: «فليتعجل». والأمر في هذا ظاهر، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «فليتعجل» دليل على وجوب التعجل الذي يدل على الفور. الإمام الشافعي رحمه الله تعالى استدل بأن الحج على التراخي، استدل بأمور أشهرها وأقواها: أن الحج فرض في السنة السادسة، كما تقدم في استنباط من حديث كعب بن عجرة. قال: وما حج النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه إلا في السنة العاشرة. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة في السنة الثامنة، وبقي فيها إلى شوال، بعد أن فتح الله عز وجل عليه ما فتح، وأدى العمرة في شوال، وانطلق رجع إلى المدينة ولم يحج. قال: ولو كان الحج واجبًا على الفور لفعل، ولا سيما والمسافة والمدة قصيرة، ولم يكن مشغولًا بقتال ولا غزو، وكان أمرًا متيسرًا. قال: فدل ذلك على أن الحج على التراخي لا على الفور. والأظهر والله أعلى وأعلم ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره، لحديث ابن عباس السابق، ولما تقدم من الأدلة العامة الدالة على وجوب الحج مع القاعدة: أن الأصل في الأمر أنه على الفور. وما استدل به الإمام الشافعي رحمه الله تعالى استدلال قوي، ولكن يرد هذا الاستدلال ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكذلك ذكره تلميذه ابن القيم رحمه الله: من أن الحج المفروض في زمانه المخصوص وفي أحواله وأوصافه التي شرعها الله تبارك وتعالى على نبيه لم يكن إلا في السنة العاشرة. قال: ويدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم أن خلق الله السماوات والأرض». بمعنى أن الزمان حصل فيه بسبب تلاعب المشركين بالنسيء في الأشهر حصل تلاعب في الأشهر، يقدمون شهرًا ويؤخرون شهرًا. فكانت من حكمة الله جل وعلا أن أخر حج نبيه صلى الله عليه وسلم، فلم يحج إلا في العام الذي استدار فيه استدارت فيه الأيام والأزمان، ورجع الأمر كيوم أن خلق الله السماوات والأرض. فدل ذلك على أن ذلك الزمان وتلك الحجة هي الحجة التي شرعها الله جل وعلا وأوجبها الله تبارك وتعالى على أمته في ذلك الزمان المخصوص وبالأوصاف المخصوص. لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما حج، قال لأصحابه صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». علمهم الحج تفصيلًا. فدل على أنهم قبل ذلك كانوا يحجون حجة على غير الحجة التي حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. هذا أمر، وأمر آخر ما ذكره جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى ردًا على استدلال الإمام الشافعي رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم لأن الحج قبل حجة الوداع كان يقصد البيت الحرام أخلاط من الناس، فالمشركون كانوا يحجون. بعد فتح مكة فلما كان في السنة التاسعة بعث نبينا صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرًا على الحج، ثم أتبعه بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وبعثه نبينا صلى الله عليه وسلم بأن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. فكانت السنة التاسعة سنة تطهير المسجد الحرام من حج المشركين أو حج العراة منهم. فلما انتشر الأمر وفاض واستفاض، وعلم الناس أنه لا يحج بالبيت إلا مؤمن أو مسلم، كانت الحجة للنبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة، أي بعد أن بعث عليًا بأن يقول ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: أن لا يحج بعد اليوم مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان. فلما كانت في السنة العاشرة حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته المشهورة المعلومة الملقبة بحجة الوداع، وحج معه أكثر من مئة ألف، وأخذ عنه صلى الله عليه وسلم مناسكهم. والله تعالى أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.