الدرس في شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 13، ألقاها
يُعد العلم من أفضل أشكال ذكر الله، حيث يُعتبر طلب العلم النافع وتعليمه من العبادات التي تقرب العبد إلى الله. حلقات العلم تُعتبر من أعظم الذكر والتذكير بالله وتُربط العبد به.
العلم ضروري لتصحيح العبادات، والجهل يؤدي إلى العبادة بشكل غير صحيح. يُشدد على أهمية الاستخارة عند الاشتباه في الأمور الدينية والإكثار من الدعاء للتوفيق والسداد.
الدعاء عبادة تتطلب الإخلاص وتجنب موانع الإجابة، مع اختيار الأوقات الفاضلة للدعاء مثل الثلث الأخير من الليل وأدبار الصلوات. أوقات الاستجابة تشمل وقت نزول المطر وآخر ساعة من يوم الجمعة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر ما ذكر في فضل الذكر، قال رحمه الله: ثم يعلم أن كل من تكلم به، أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب إلى الله، من تعلم علم وتعليمه، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، فهو من ذكر الله؛ لأنه يذكر الله تبارك وتعالى بذلك، سواء كان ذكر القلب أو ذكر اللسان أو ذكر الجوارح. يذكر الله إذا تعلم العلم، فإن العلم يذكره بالله تبارك وتعالى، وإذا أمر بمعروف فإنه كذلك من الذكر؛ لأنه يقول: الله أمر بكذا، الله حث على كذا، وما شابه ذلك، هذا من الذكر؛ لأنه من التذكير بالله تبارك وتعالى والتذكير بما يحبه الله تبارك وتعالى، لذا قال: فهو من ذكر الله. قال: ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلسًا يتفقه أو يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقها، فهذا أيضًا من أفضل ذكر الله. وهو كما قال: العلم تعلمًا وتعليمًا هو من أفضل الذكر. وتعلمون ما جاء في فضائل حلقات الذكر، وأن الملائكة -الله تبارك وتعالى ملائكة سياحين- يلتمسون حلق الذكر، فإذا أتَوها جلسوا يستمعون الذكر، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه: أنهم يرجعون إلى الله تبارك وتعالى، فيقول لهم: كيف وجدتم عبادي؟ وهو أعلم بهم، فيقولون: أتيناهم وهم يذكرون، وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون -أي يذكرون الله ويدعون الله تبارك وتعالى-، فيقال لهم: فإني أشهدكم أني قد غفرت لهم. الحديث. وقال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، ومن أعظم الذكر والتذكير بالله تبارك وتعالى حلقات العلم؛ لأنها تذكر بالله تبارك وتعالى وتربط العبد بالله تبارك وتعالى، وتذكر العبد بعظمة الله وبحقوق الله وبأوامر الله تبارك وتعالى، فهي من أعظم ما يربط العبد بالله تبارك وتعالى. حلقات الذكر العلم النافع، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»، هذا من الخير، بل من الخير العظيم والعميم. لذا أثر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وثبت عنه أنه قال: لا أعلم عملًا أفضل بعد الفرائض من العلم. وقال رحمه الله تعالى: قال لمن خلصت نيته. وثبت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لأن أتعلم مسألة من مسائل العلم أحب إلي من فضل العبادة -أو كما قال- أي من التطوع بقيام الليل ونحوه. وثبت كذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: لأن أتعلم مسألة من مسائل العلم أحب إلي من قيام ليلة -أو قال: من صيام يوم وقيام ليلة-. وثبت كذلك عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه أنه قال لمجلس كنت أجلسه مع عبد الله -أي ابن مسعود- العالم الكبير من علماء الصحابة رضي الله عنه جميعًا، أبو موسى من علماء الصحابة، وعبد الله بن مسعود من علماء الصحابة، ومع هذا يقول أبو موسى رضي الله عنه وأرضاه: مجلسًا واحدًا أجلسه مع عالم من علماء الأمة مثل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، يقول: أحب إلي من عمل سنة، أحب إلي من عمل سنة. وهذا يدلنا على عظيم العلم وفضل العلم عند العلماء. وذكر الخليل رحمه الله تعالى -أو غيره من الأئمة- وهو يتكلم عن فضل العلم، قال: لا يعلم فضل العلم إلا أهل العلم؛ لأن من لم يعلم العلم، فكيف يعلم فضله؟ قال: إذا الجاهل لا يعلم للعلم فضلًا ولا يرفع له رأسًا؛ لماذا؟ لأنه جاهل، ومن جاهل شيئًا عاداه. لا يعلم الفضل لذي الفضل إلا ذووه، فأهل العلم يعلمون فضل العلم. لذا كما سمعتم وتسمعون كلام السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم: تعلوا مسألة أحب إلي من قيام ليلة، وماذا وصيامها وصيام نهارها. وهذا يقول: أحب إلي مجلس مع عبد الله بن مسعود أحب إلي من عمل سنة، في صلاة وفي صيام، وفيه ماذا؟ كثير من العبادات التي كان يؤديها؛ لماذا؟ لأنهم كانوا يقدرون العلم ويعلمون أن العلم -كما قال العلماء رحمهم الله تعالى- هو المصحح للعبادات. العلم هو المصحح للعبادات، كيف يتعبد إنسان ربه تبارك وتعالى من غير علم؟ لا يكون أبدًا. هل يتصور أن يأتي جاهل لا يعلم -مثلًا- أحكام الصلاة فيصلي على أي هيئة؟ سيصلي من غير طهارة، لا يدري على سجود، إلى غير ذلك؛ لماذا؟ لأنه جاهل، فهو يحتاج إلى علم. إذا قال من قال من العلماء في قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، قال: فيه تقديم الشرط على العمل، فمن شرط لا إله إلا الله العلم بمعناها ومقتضاها وما دلت عليه هذه الكلمة العظيمة، ثم العمل وهو ماذا؟ الاستغفار. فالعلم منزلة عظيمة ومكانة رفيعة عند أهله، عند أهله ممن يعرف قدر العلم ومجالس العلم. قال رحمه الله تعالى: أو جلس مجلسًا يتفقه فيه أو يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقها. «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»، هذا والفقه هذا هو الفقه في الدين، ما كان من كتاب الله تبارك وتعالى، وما كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، هذا هو الفقه. فالعلم -قال الله- قال رسوله، هذا هو العلم، قال الصحابة: كذلك هو من العلم، فقول الله، قول رسوله صلى الله عليه وسلم، أقوال الصحابة، هذا هو العلم الذي أمرنا الله جل وعلا بالتفقه به، والتعلم من ذلك العلم المستمد من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه سلف هذه الأمة رضي الله عنهم ورحمهم الله. قال رحمه الله تعالى: وعلى ذلك إذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبيرة اختلاف؛ لماذا؟ لأنه كما مر معنا يختلف باختلاف الأشخاص، باختلاف الأحوال، باختلاف الأزمنة، باختلاف الأمكنة، فقولهم لا يكاد يكون فيه اختلاف إلا باعتبارات. قال رحمه الله تعالى: وما اشتبه أمره على العبد، فعليه بالاستخارة المشروعة، الاستخارة المشروعة التي حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم علمهم الاستخارة كما علمهم الآية من القرآن، إذا هم الإنسان بأمر أن يصلي لله تبارك وتعالى ركعتين ويدعو بالدعاء المعروف: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك» الحديث، حديث جابر في صحيح البخاري، رحمه الله تعالى وغفر له. ومعنى الاستخارة المشروعة، الاستخارة معناها طلب الخيرة من الله تبارك وتعالى، إنسان إذا اشتبه عليه أمر -يعني أراد أن يفعل عبادة وعبادة- يقول: أيهما أفضل ما ظهر له الأفضل؟ فماذا يصنع؟ يقول الشيخ رحمه الله: يستخير الله، يستخير الله أن يطلب الخيرة من الله تبارك وتعالى في أي العملين أولى وأفضل، فما أعانه الله تبارك وتعالى عليه ودله عليه فهو خير وأفضل، فهذا عند الاشتباه. وكما سمعتم الأمر فيما هو فاضل وأفضل، وكما سمعتم كما مر معنا قد يكون الفاضل أفضل باعتبارات وأحوال، والعكس بالعكس. قال رحمه الله تعالى: ومشتبه أمره على العبد، فعليه بالاستخارة المشروعة، فما ندم من استخار الله تعالى، ما ندم، بل وربح، يربح ولا محالة؛ لأن الإنسان لو استخار، لو استشار إنسانًا عاقلًا، إنسان عاقل هل سيربح وسيخسر؟ هيا يا جماعة سيربح، استشار إنسانًا ذا رأي وذا حكمة وذا دين، أكيد سيربح ما سيخسر، فكيف إذا استخار رب العالمين تبارك وتعالى، وطلب الخيرة من الله رب العالمين جل وعلا الذي يعلم كل شيء ويعلم عواقب الأمور ويعلم ما ينفع العبد وما يضر العبد؟ فذلك أعظم وأجل. قال رحمه الله تعالى: وليكثر من ذلك ومن الدعاء، وليكثر من ذلك ومن الدعاء، أي يستخير الله تبارك وتعالى عند الاشتباه في الأمور، وكذلك يكثر من الدعاء أن يدعو الله تبارك وتعالى له بالتوفيق والسداد والعون والرشاد، إلى غير ذلك. قال: فإنه مفتاح كل خير، أي الدعاء، الدعاء مفتاح كل خير؛ لأنه من العبادة العظيمة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدعاء هو العبادة»، وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، هذا وعد من الله، إذا شبه عليك الأمر فادع ربك تبارك وتعالى. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، وقرب الله تبارك وتعالى في الآية هنا قرب قرب من عابده بالإثابة، وهو كذلك قرب من دعي بالإجابة، فقرب الله تبارك وتعالى هو قرب خاص، ما هناك قرب خاص وقرب عام، قرب الله تبارك وتعالى قرب واحد، بخلاف المعية المعية على قسمين عامة وخاصة، أما القرب فله معنى واحد وهو معنى ما تقدم ذكره، قرب الله تبارك وتعالى من العبد بماذا؟ من عابده بالإثابة، ومن داعيه بالإجابة. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وقال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، هذا وعد من الله أيضًا أن من دعا الله وهو مفتقر إلى الله، أظهر الحاجة الماسة والفقر والعجز إلى ربه تبارك وتعالى ومولاه، وفوض أمره إلى الله جل وعلا في اختيار الخير له، وفي إيصال الخير له، فإنه يوفق ويعان بإذن الله رب العالمين جل وعلا إذا أخلص في ذلك الدعاء وعمل بأسباب الاستجابة. وكذلك ابتعد عن موانع الإجابة، ومنها ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا بقوله: ولا يعجل، فإن العجلة في حصول الإجابة هذا من سبب أو هذا أحد موانع الإجابة، أحد موانع الإجابة أن يقول العبد: قد دعوت فلم يستجب لي، هذه من موانع الإجابة، ومن موانعها أيضًا الآكل الحرام والملبس الحرام إلى غير ذلك، كما جاء في الحديث: في الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، وملبسه حرام ومطعمه حرام ومشربه حرام، يرفع يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه يستجاب له؟» أي كيف يستجاب له؟ مع أن أحواله أحوال ماذا؟ أحوال استجابة، أي أشعث أغبر وهو مسافر، لكن هناك موانع، ما هي الموانع؟ أنه ماذا؟ أنه لا ينظر في مطعمه، بل يأكل الحرام ويشرب الحرام ويلبسه الحرام، فهذه الأمور من موانع إجابة الدعاء. فمن كان يدعو الله تبارك وتعالى ويرى أن الإجابة لا تكون، لم تحصل إجابة، فلينظر في نفسه وليحاسب نفسه، ثم ليعلم أن الإنسان إذا دعا ربه تبارك وتعالى دعوة صادق مخلص مفتقر محتاج إلى ربه جل وعلا، فهو في عباده هو دعاؤه لله تبارك وتعالى عبادة أمر عظيم. جاء عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: «والله إني لا أهم أمر الإجابة، ولكن الأمر عندي في أمر الدعاء، فإني إذا ألهمت الدعاء، فإنه يكون الإجابة» -أو كما قال- رضي الله عنه وأرضاه، أي يقول: إذا وفقني الله، ألهمني الله تبارك وتعالى إلى الدعاء، إلى دعاء رغبة محبة وتعظيم وإجلال لله رب العالمين جل وعلا وافتقار، فإن هذه الدعوة تكون قريبة من إجابة. ثم ليعلم العبد ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه إذا دعا ربه تبارك وتعالى، فإن الله تبارك وتعالى فإن دعوته تلك تكون بين أمور ثلاثة: إما أن يستجيب له ربه تبارك وتعالى، وإما أن يصرف عنه ربنا تبارك وتعالى بتلك الدعوة شرًا آخر لا يعلم هو، وإما أن يدخرها الله تبارك وتعالى له يوم القيامة، كما جاء في الحديث، فهو، في خير ما دعا الله تبارك وتعالى ولم يعمل ما يكون مانعًا من الاستجابة. قال رحمه الله تعالى: وليتحرى الأوقات الفاضلة، أي أنها من أسباب من أسباب الاستجابة، أن يتحرى الأوقات، وليتحرى الأوقات الفاضلة، كآخر الليل، في الثلث الآخر من الليل، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «ينزل ربنا تبارك وتعالى في الثلث الآخر من الليل، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» هذا الوقت من أسباب الإجابة. قال: وأدبار الصلوات، المقصود بها ما كان في آخر الصلاة متصلًا بها، ما كان في آخر الصلاة متصلًا بها، أي في آخر الصلاة قبل التسليم؛ لأن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يرجع هذا القول: أن دبار الصلاة ما كان بعد التشهد قبل التسليم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود: بعد التشهد. قال: وليتخير من الدعاء ما شاء، وليتخير من الدعاء ما شاء. قال: وعند الأذان، لحديث أنس عند أصحاب السنن: أن بين الأذانين الدعاء يكون مستجابًا. قال: ووقت نزول المطر كذلك، لما ثبت، ونحو ذلك، أي من أوقات الاستجابة، كآخر ساعة من يوم الجمعة، إلى غير ذلك من الأوقات التي جاء الشرع بذكر أنها من أوقات الاستجابة. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.