العلم والعلماء صمام أمان للأمة

المحاضرة بعنوان العلم والعلماء صمام أمان للأمة، وكانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية ١٦ ذو الحجة ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الفتن وطرق النجاة منها

يتحدث الخطيب عن الفتن التي تنزل بالأمة الإسلامية ويحذر من عواقبها، ويشير إلى أهمية التمسك بعلماء الدين والاقتداء بهديهم للنجاة من هذه الفتن.

أهمية الرجوع إلى العلماء في زمن الفتن

يؤكد الخطيب على أهمية الرجوع إلى العلماء في حل الفتن، مشيرًا إلى أن طاعة العلماء من طاعة الله ومعصيتهم من طاعة الشيطان، مستدلًا بآيات القرآن وتاريخ الأمة.

خطورة الابتداع والتمسك بغرس العلماء

يتناول المقطع قصصًا تاريخية تُظهر خطورة الابتداع في الدين وأهمية الاستماع للعلماء، ويشدد على ضرورة التمسك بغرس العلماء كصمام أمان للأمة من الفتن.

العلم الشرعي وضرورته في مواجهة الفتن

يُبين أهمية العلم الشرعي في هداية الناس ووقايتهم من الفتن، ويُحذر من مخاطر الابتعاد عن العلماء واتباع الآراء الشخصية دون الرجوع إليهم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقا تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله وإخواني في الله، إنه لا يخفى على أحد منكم ما يجري في واقعنا المعاصر من نزول الفتن وتتابع المحن على وطننا الإسلامي وفي عالمنا العربي، فتن طلاطم أمواجها وطار شررها واستفحل خطرها، وهي تنذر بخطر عظيم جسيم على الأمة. وهذا الذي أخبر عنه صلوات ربي وسلامه عليه من ظهور الفتن وتشويها، وخاصة ما يكون في آخر الزمان من استفحالها وعظيم أمرها، كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان ويغبض العلم وتظهر الفتن ويكثر الهرج»، قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: «القتل القتل». وأخبر عليه الصلاة والسلام أن من علامات الساعة ومن قرب دنوها أن تظهر الفتن، وهكذا ما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن هذه الأمة قد جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، فتجيء الفتن يرقق بعضها بعضا، تجيء الفتن يرقق بعضها بعضا، أي كلما جاءت فتنة كانت أعظم من التي تقدمت حتى أصبحت هذه رقيقة بالنسبة لما سيأتي بعدها وهكذا». وهكذا ما جاء في الصحيح من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، قال: «طلع نبينا على أطم من آطام المدينة فقال: هل ترون إلى ما أرى؟ قالوا: يا رسول الله ما نرى شيئا، قال: إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر»، وهذه كناية عن كثرة الفتن في آخر الزمان وكيف أنها إذا وقعت انتشرت وعمت حتى يكون أمرها كأمر المطر الذي ما ينزل في الأرض حتى يعمها بالماء. فاللهم سلم سلم، فهذه إخواني في الله أحاديث أخبر بها نبينا صلى الله عليه وسلم في زمنه عن ظهور الفتن، ولهذا إخواني في الله، المسلم إذا نزلت به هذه الفتن والفتن بمعناها العام بأي صورة من صورها، سواء كانت من فتن الشبهات والشهوات أو كانت من فتن الدماء والقتل والقتال أو كانت من فتن الاختلافات والنزاعات والتفرقات أو كانت من فتن الفرق والملل والجماعات، فهذه الفتن إخواني في الله بأي صورة من صورها ينبغي على كل مسلم إزاءها أن يوطن نفسه وأن يعمل فكره ووجدانه كيف الخروج من ذلك. وما هي الطرق والسبل الداعية إلى الخلاص من هذه المهالك، لأن الفتن إخواني في الله متى ما وقعت فإنها أفسدت ودمرت وضيعت على الناس دينهم ودنياهم، والواقع خير شاهد، ها هي الفتن هنا وهناك طاشت وهاجت وماجت، ما الذي خلفته على أهلها؟ كم من أرواح زهقت؟ كم من أنفس سفكت؟ كم من أموال سلبت؟ كم من محارم دنست؟ كم من أعراض انتهكت؟ ناهيك يا عبد الله عن مظاهر الخوف والذعر والفزع وعن حالات الخوف والقلق والهلع، كل ذلك إخواني في الله مصائب حلت في مجتمعات استهان أهلها بالفتن، تلاعبوا بها، عبثوا بها، خاضوا فيها، دخلوا في غمارها، فإذا بها أحرقتهم والعياذ بالله. نبينا صلوات ربي وسلامه عليه كم كان يحذر ويحذر أصحابه من الفتن، ثبت في صحيح مسلم من حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، كان يقول عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن»، تعوذوا بالله من الفتن، إخواني في الله ليست محل فرح، ليست محل قرب أن تبهج لها القلوب وأن تنشط لها النفوس وأن تستروح لها الصدور، لا يا عبد الله، الفتن على خلاف ذلك تحتاج إلى خوف، تحتاج إلى قلق، تحتاج إلى استعاذة منها ومن شرها. لتظل منك أن تكثر من التجاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن لا يجعلك من أهلها ولا من حطامها، الخلاصة إخواني في الله علينا في خضم هذه الفتن والتي قد عصفت بهذه الأمة في هذه الأزمان خاصة أن نبحث إخواني في الله عن السبل التي تؤدي إلى النجاة من هذه الشرور ومن هذه المخاطر. ومن أعظم إخواني في الله من أعظم الطرق التي ينبغي أن يستمسك بها كل مسلم ومسلمة في مثل هذه الأزمان أن يستمسك بغرز العلماء، وأعني بالعلماء العلماء الذين رسخت أقدامهم في العلم وزادهم الله جل وعلا بسطة في الفقه والفهم وتضلعوا بعلم الشريعة حتى أصبحوا من أعلم الناس بمراد الله في أحكامه وأوامره وفي شريعته. قال إمام أحمد رحمه الله تعالى مبينا فضيلة العلماء، قال: «الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يدعون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». فالعلماء يا عبد الله هم صمام أمان الأمة، زكى ربنا جل وعلا أهل العلم، وكان من أعظم تزكية الله سبحانه وتعالى لأهل العلم أن الله سبحانه وتعالى حكم عليهم بأنهم من أعلم الناس بطرق النجاة، قال جل وعلا: «ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد». قال إمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: «وهذه منقبة لأهل العلم، أهل العلم خاف الله بما آتاهم الله جل وعلا من بصيرة في دينه، أصبح من أعلم الناس بمواطن الحق من أماكن الخلل والباطل»، فإذا كان أمر كذلك يا عبد الله فلا محالة من الاستمساك بغرسهم والاقتداء بهديهم. وإن من تأمل في أحوال الناس في هذه الأزمان وكيف أحوالهم مع علمائهم لا يرى البون الشاسع، فأقل الناس حالا والعياذ بالله من هذا الذي لا يبالي بأهل العلم، من لا يلتفت إليهم أصلا فلا يرفع لهم بالا ولا يلقي لهم رأسا أبدا، كأنهم لا شيء في هذه المجتمعات. وأقبح من هذا الصنف من يتطاول على العلماء ويطعن في عقولهم ويطعن كذلك في نياتهم ومقاصدهم، لربما شمت بهم، شهر بهم، جعلهم أضحوكة أمام القاصي والداني، أجعلهم نكتة يتنكت عليهم أمام الملأ كما يفعل أهل العلمنة ومن لا دين له. فالسعيد من يتعظ بغيره، ربنا جل وعلا جعل العلماء في هذه الأمة حجة على خلقه، العلماء هم حجة الله على خلقه، ومن تأمل في تاريخ الأمة وكفى بتاريخ الأمة عبرة، دعاك يا عبد الله أقوال الناس، دعاك يا عبد الله هذه الترهات التي تلقفها فلان عن فلان، دعاك هذا وتمعن في التاريخ، التاريخ لا يكذب أبدا، التاريخ قد سطر، قد كتب بأرواح الموتى وبدماء الشهداء. اقرأ ما الذي كتب في التاريخ؟ كم من فتن وفتن وفتن قد وقعت، تصد لها العلماء، تصد لها العلماء بما أمرهم الله جل وعلا بأن يحكموا به، فكان الناجي في تلكم الأزمان، وانظر في كتب التاريخ، فكان الناجي من سلم أمره لهم وأخذ بإرشاداتهم وتمسك بتوجيهاتهم، وما خرج عن طريقتهم ولا عن إرشاداتهم كان هذا الناجي، وهذا الذي سلمه الله. وأصبح الشقي المحروم هو الذي خرج عن فتاواهم وعن إرشاداتهم، وكيف لا إخواني في الله لأن طاعة العلماء هي من طاعة الرحمن، ومعصية العلماء هي طاعة للشيطان، قال ربنا جل وعلا: «وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا». فأخبر ربنا سبحانه وتعالى وكما قال المفسر: «وهذا تأديب من رب العالمين لعباده أن متى ما ضاقت الأمور وهاجت الفتن في أزمان الخوف فما ينبغي أن تلقى في الأخبار هنا وهنا، لا يا عبد الله، وإنما ترجع الأمور إلى نصابها إلى الرسول وإلى أولي الأمر منا، وهم العلماء والأمراء والعلماء في الدرجة الأولى». تحال إليهم الأمور، وتمعن في نص القرآن: «لعلمه الذين يستنبطونه»، الاستنباط ما هو؟ الاستنباط ما أخذ من النبط، والنبط في لغة العرب هو إخراج الماء بشدة، إذن هذا صنف خاص من أهل العلم، وهذا إخواني في الله فيه تنبيه لبعض الناس في أيام الفتن، بعض الناس هرعون إلى العلماء، هرعنا إلى فلان وهرعنا إلى فلان. طيب أخي بقي بقي نبحث من هؤلاء العلماء الذين تدعون بأنهم علماء، فهذه فرقة ذهبت إلى من تسميه عالم لكن في حكم الشريعة ليس بعالم، حقه أن يسمى داعية، فرق بين عالم وبين داعية، وآخر إلى أين ذهبتم؟ إلى مفكر، مفكر من المفكرين ما شاء الله، وذاك مرشد مرشد لأحدى الجماعات، وهذا لربما حسب أن ذهب إلى بعض المحللين السياسيين. دينك يا عبد الله تأخذه من محلل سياسي؟ أيام الفتن، أيام استحلال الدماء، أيام القتال، إزهاق الأرواح، سلب الأعراض، انتهاك الحرمات والمقدسات، تأخذ من محلل سياسي؟ هذا الذي يعتكف على تلك القناة، وذاك يعتكف على تلك التقارير، من الذي يرجع إلى العلماء؟ ليس هؤلاء العلماء الذين أمر ربهم بالرجوع إليهم: «لعلمه الذين يستنبطونه»، أهل الاستنباط بين قوسين، أهل الاجتهاد من شابت لحيته يا عبد الله في ممارسة العلم، من كان على منهج صحيح على معتقد صحيح، هذا الذي يرجع إليه في النوازل في مسائل الفتن في الملمات. ليس لكل من هب ودب كما نرى في هذا الأزمان إلى مفكر إلى محلل إلى داعي، لا يعرض الله هذا ليس مآله عجب العجاب، الواحد منكم إخواني في الله لو جاءته بلية في مسألة شائكة من مسائل الطلاق أو من مسائل الدماء، لو ما ترضى بأحد ما ترضى بأحد حتى تسأل المفتي العام. سبحان الله في مسألة الطلاق والأعراض تتحرى لدينك في هذا المساء وتذهب إلى المفتي العام، بينما في مسألة النوازل والدماء ترضى بإمام مسجد أو بداعية أو بمفكر أو بمرشد أو صاحب مذيع في قناة أو محلل سياسي يفتيك في دينك وفي النوازل؟ هذا حلال وهذا حرام؟ هذا يجوز وهذا لا يجوز؟ لا يعرض الله، أمور الفتن تغلق تغلق، اجعلها إلى كبار العلماء أهل الاستنباط أهل الاجتهاد، اعتمارا بأمر الله كما قال السعد. قال السعدي رحمه الله تعالى: «وهذا تأديب من ربنا لعباده، تأديب ليس لكل أحد يتبرع لها»، وإنما نجد الذين يخوضون في هذا الكلام، الله يخزيهم، لكنهم ليسوا أهلا لذلك: «لعلمه الذين يستنبطونه منهم»، إخواني في الله، العلماء صمام أمان من الفتن، وكما قلنا من نظر إلى تاريخ الأمة يجدها من هذا الشيء الكثير، فتن وقعت، العلماء لها بالمرصاد. انقسم الناس إلى قسمين: صف مع العلماء، وصف ضد العلماء، تجد النهاية واضحة، من كان مع العلماء سلمه الله، نجاه الله من شر الفتن، ومن خرج عن طوعهم خرج عن أوامرهم، تأتي المهلكة في نصيبه، من هذه القصص قصص كثيرة، ولعلها لا تخفاكم ما رواه الدارمي بإسناد صحيح في قصة أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. عندما ذهب إلى بيت عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وانظروا أبو موسى صحابي، وعبد الله بن مسعود صحابي، لكن ابن مسعود أعلم، أعلم، أعلم من أبي موسى الأشعري لا شك في ذلك ولا ريب، ولهذا لما وقع الأمر الغريب، شيء حاصل في الأمة، أمر غريب، لا يرجع الأمور لمن اشتبهت عليه الأمور، يرجع إلى من هو أعلى منه، وهكذا ولو حتى ولو كنا من طلبة علم مثلا كطلبة علم. تحذف لنا أمور، ليس معنى هذه المشكلة أننا ندخل عقولنا غصبا ولزوما ما استطعنا، نحيلها، ولهذا كان العنوان: «فضل العلم والعلماء»، الأصل من آتاه الله علما، بعلمه سيخرج، سينجيه الله جل وعلا، لكن ربما علمك ليس بكاف، إذا ما الذي تفعل؟ ترجع علمك إلى من هو أعلى منك. فالعلم والعلماء يتكامل بعضهم مع بعض، فأبو موسى الأشعري يا أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه ذهب إلى عبد الله بن مسعود لم يجده، فوجد جماعة عند بيته، سألهم: أخرج أبو عبد الرحمن؟ فأجابوا: أن لا، فجلس انتظار خروجه، فلما خرج عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قام إليه أبو موسى الأشعري قائلا: «يا أبا عبد الرحمن لقد رأيت اليوم أمرا أنكرته وما رأيت إلا خيرا»، قالوا: ما هو؟ قال: «رأيت أناسا في المسجد حلقا حلقا ينتظرون الصلاة، وفي كل حلقة معهم حصا، يقول أحدهم: كبروا الله مئة، فيكبرون، هللوا الله مئة، فيهللون، سبحوا الله مئة، فيسبحون»، طريقة عجيبة من التعبد ما كانت معروفة عند الصحابة، يتربوا عند رسول الله، فقال ابن مسعود: «ماذا قلت لهم؟ وماذا قلت لهم؟» قال: «انتظار أمرك، انتظار أمرك»، وفي رواية: «انتظار رأيك»، فذاب ابن مسعود رضي الله عنه إحدى حلقات ووقف عليهم. قال: «ما أراكم تصنعون؟ ما أراكم تصنعون؟» قالوا: «يا أبا عبد الرحمن حصى نعد بها التكبير والتهليل والتسبيح»، فقال رضي الله عنه: «عدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع شيء من حسناتكم، يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، فهؤلاء أصحاب رسول الله متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وهذه آنيته لم تكسر»، فقالوا: «يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا خيرا»، فقال: «وكم من مريد للخير لم يدركه، إني والله لأظن أنكم أهدى من أمة محمد أو أنكم مقتحموا باب ضلالة». تأمل يا عبد الله إلى فراسة هذا العالم الرباني ابن مسعود، من أعلن الصحابة، كتاب الله عز وجل حكم على هؤلاء بحكمين، أولاهما مستحيل: إما أنكم بهذه الطريقة التي جئتموها بالعبادة أنتم بطريقة استحدثتم أمرا عجيبا، إما أنكم بهذا الوصف أهدى من أمة محمد، وهذا محال، أو أنكم مقتحموا باب ضلالة. قال الراوي وهو أبو عبد الرحمن السلمي ممن حضر هذه القصة: «فرأيت عامة هؤلاء المشار إليهم أصحاب الحلق، فرأيت عامة هؤلاء يطاعنون يوم النهروان، أصبحوا من الخوارج، أصبحوا من الخوارج، كانوا في حلقة ذكر وتسبيح واستغفار وتكبير، تطاول عليهم الأمد حتى استبدلوا بالحصى سيوفا، رفعوها على وجوه الصحابة رضي الله تعالى عنهم يطاعنون يوم النهروان». الفائدة يا عبد الله في هذا الحديث تأمل في قول ابن مسعود: «إما أنكم أهدى من أمة محمد أو أنكم مقتحموا باب ضلالة»، عطاهم مؤشر هذا فعلكم ضلالة، فكانوا بين أمرين: إما أن ينزعوا عنها فيتوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى ربهم ويرجعوا إلى رحاب السنة فيسلمهم الله، وإما أن يأبوا، فكان من ذلك أن حقق الله جل وعلا ظن ابن مسعود فيهم، فكانوا من أظل الأمة سعيا، فكانوا من الخوارج. وهكذا عباد الله قصص كثيرة، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث يزيد الفقير، سمي فقيرا لأنه كان يشتكي من ثقل ظهره، يقول هذا عن نفسه: «شغفت برأي الخوارج، فخرجت في جماعة من أصحابي ذوي عدد، مجموعة خرجنا إلى أن نحج في مكة، وبعد الحج نخرج على الناس»، سبحان الله أنظر لهذه النية المبيتة: حج وبعد الحج خروج على أمة محمد، قتل وقتال، هذا مذهبهم. قال: «فمررنا إلى المدينة، وهذا من لطف الله لهم، قال: فمررنا المدينة، فإذا بجابر بن عبد الله الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، وهو على سارية يحدث الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يذكر الجهنميين»، الجهنميون إخواني في الله إلى حديث الكبيرة التي أوضح فيها نبينا عليه الصلاة والسلام عن أحوال أناس من أمة محمد بلغت بهم الشقاء من فعل المعاصي والذنوب أن دخلوا في نار الله في نار جهنم فترة محدودة من الزمن. ثم بعد ذلك يخرجهم ربنا من جهنم ويدخلهم إلى الجنة، فيسمون بالجهنميين، أي كانوا من أهل جهنم ثم يمن الله عليهم بالتوبة، فكان جابر يحدث بهذه الأحاديث، طبعا الخوارج ما يرضى بهذا لأنه يخالف منهجهم، ولهذا يقول هذا الفقير عن نفسه: «فقلت له: ما استحقه، فقلت: يا شيخ يا شيخ، انظر ماذا تحدث، يعني راجع، راجع أقوالك، ألم يقل ربنا جل وعلا: {وما هم بخارجين منها} ويقول ربنا جل وعلا: {إنك من تدخل النار فقد أخزيت}، انظر ماذا تقول، يعني يقول: كيف هذا؟ كيف تقرر لنا بأن من دخل جهنم يمكن أن يخرج منها؟ وأن الذي نعرف من كتاب الله أن من دخل في جهنم كافر عاص فاسق مهما كان من دخل ما سيخرج أبدا»، فقال له جابر رضي الله تعالى عنه: «قال: يا هذا أتقرأ القرآن؟ قال: نعم، قال: أسمعت بمقام محمد صلى الله عليه وسلم الذي يبعثه الله به؟ قال: نعم، فقال جابر: إنه مقام محمد المحمود صلى الله عليه وسلم والذي يخرج الله به من يخرج من النار»، ثم فاض جابر يحدث بأحاديث الشفاعة. وكيف أن الله جل وعلا يجعل نبيه يشفع في من يشاء يشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم، وذكر جابر أن الله جل وعلا يخرج أناسا من النار فيدخلهم في نهر من أنهار الجنة فيغتسلون به، ثم يخرجون كأنهم القراطيس من البياض، ثم يدخلهم الجنة، فقال يزيد الفقير: «فنظر بعضنا إلى بعض الخوارج، فقالوا: ويحكم أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله؟ أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله؟ قال: لا والله»، قال: «فرجعنا، فما خرج منا إلا رجل واحد». اللهم فائدة الجلوس عند العلماء، الاستماع، ألق سمعك يا عبد الله، ما فائدة أنك تشوش على قلبك؟ تأتيك الفتن، فيأتيك الناصح، يا عبد الله خذ هذه مطوية، إيش فيها؟ مطوية لكلام العلماء، في إيش؟ في النوازل، الفرق، الدماء، القتل، القتال، الطعنات، الفرق، الجماعات، فتن، نوازل، هذا فقه العلماء، لا تقول: لا لا لا، استمع، أنت ملزم بالاستماع، إلا ستسمع من يعني بالله عليك. لو خبأنا المطوية وجبناك بمحللين سياسيين أمريكيين، تقرأ الناس يلهفون لها، يلهفون، أي ملف حوى تقارير الأجنبية والدولية والعربية والمفكرين والمرشدين والمحللين، إلا العلماء يا عجب، إلا العلماء، حظ الله تحضر بمن سبق، هؤلاء خوارج، نصيحة من جابر بالتي أحسن، أقام الحجة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإذا بهم أقام الحجة عليهم، فتابوا ورجعوا إلى رشدهم إلا من كتبت عليه الشقاء. وهكذا في ابن مسعود مع الخوارج قصة لا تخفاكم، وهكذا إخواني في الله علينا أن نعلم أن التمسك بغرس العلماء يا عبد الله صمام أمان الأمة من كل الفتن، ومن خرج عن أمرهم من خرج عن طوع العلماء فلا تنظر في حقه إلا الهلاك والمهلكة، جعد درهم هالك هالك من الهلكة، من لطف الله على هذا الهالك أن من الله عليه بعالم من علماء الأمة. وهب بن منبه رحمه الله تعالى، كان هذا جعد درهم بدل أن يدخل على هذا العالم الرباني يسأله فيما أشكل عليه من أمر الدين والدنيا، كان هذا الرجل دنيء فكر خبيث الطبع، كان يدخل على وهب بن منبه ويسأله الأسئلة المعقدة والمشكلة في باب الأسماء والصفات، استشكالات تعجيزية يقحمها في هذه المسائل، وكان هذا الرجل ما كان يسأل استرشادا لا، كان عن خبث حتى قيل في بعض التراجم أن وهب بن منبه وهذا جعد درهم إذا أراد يدخل على وهب على هذا العالم ماذا يفعل؟ كان يغتسل فيسأل عن إيش؟ ما تدخل إلى هذا العالم وتختسل إيش؟ إيش السر؟ قال: إنه أنشط للعقل، يعني الرجل هذا يريد المجادلة، يعني كان الأولى أن يتوب تطهر قلبه على الله جل وعلا أن الله يفتح عليه حتى يستفسر عن الحق، فما أراد القلب ما تطهر النفس، أراد جدل، فكان يغتسل عنده كل دخول، لماذا؟ قال: أنشط للعقل، فيدخل في مهاترات ومجادلات مع هذا العالم. حتى أن وهب بن منبه تخرص تخرص في هذا الرجل، قال: «يا جعد، قال: قي، أقصر عن المسألة، أقصر لا تسبغ ذلك، قال: فإن الله جل وعلا أخبرنا أن له يدا، ولو لم يخبرنا بذلك لما قلناه، وإن الله جل وعلا ما أخبرنا أن له كذا لما قلنا كذا»، فذكر أن القاعد عند التوحيد لولا أن الله أخبرنا بكتابه بهذه الأسماء والصفات لما قلنا بها، فقال: «يا جعد أقصر المسألة، فما أراك إلا من الهالكين، ما أراك إلا من الهالكين»، الهالك هذه مسألة يعني هل وهب بن منبه عنده علم الكف كما يقال أصحاب الشعوذة؟ لا، ما عنده كف ولا عنده قراءة. الذي يناطح العلماء ويجادر بغير علم هذا هالك لا محالة، فقال له: «أقصر المسألة، فما أراك إلا من الهالكين»، قال الراوي لمن حدث: «فما لبث جعد إلا أن أعدم هتله على بدعته هتله على ضلاله»، لو أنه أخذ بنصيحة هذا العالم عنده قد أقصر المسألة، فما أراك إلا من الهالك، إلا خاف على نفسه، لكن الغلو الغطرسة التكبر على أهل العلم، على المبالاة بفتاويهم وإرشاداتهم خاض واستمر حتى كان هذا أمره الشقاء في الدنيا والآخرة. وصدق معاوية لما كان من طلاب الحسن البصري هذا العالم الرباني لما كان تحت ركبته يشتو عليه في حلق العلم كان على خير في منأى عن الشقاء، لكن لما ابتعد عن الحسن البصري ابتعد عن شيخه واستقل برأيه واستبد واستبدأ بذكره خرج عن بهذه الأمة بهذه الضلالات فكان من أمره الهلاك من أمره الشقاء حتى أصبح رأسا من رؤوس أهل البدع. وهكذا قصة عبد الله الجارود هذه التوارث هو قصص كثيرة جدا وجدا، ويأتي قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسا كيف كان من نجاته أن أخذ برأي ذاك العالم حتى نجاه الله سبحانه وتعالى، لنا عبرة إخواني في الله لنا عبرة بالقصص القديمة وحتى الحديثة. ما وقع في بلاد الرافدين ما وقع في أرض كنانة ما تقع في أرض اليمن ما يقع في أرض الجزيرة، هذه المساء الدول ما خلت عن فتنة، والعلماء كيف؟ الناس ما هم على قسمين لا ثالث لهما، منطو تحت لوائهم سلمه الله سلمه الله من كل فتنة، خرج من هذه المدلهمات، وما أصاب قطرا الدم واحد، وما الذي خرج عنهم؟ أتاهم الله بجثث بجثث بأموال خربها أموال سلبها عروض وعراض انتهت، كيف سيلاقي الله جل وعلا بها؟ لك العبرة يا عبد الله، التاريخ يكفيك عبرة. يقول إمام البربهاري رحمه الله تعالى كما في شرح السنة: «وانظر رحمك الله إلى كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، وانظر إلى هذا الكلام الرصين وإن كأنه في زماننا»، رحمه الله قال: «وانظر إلى كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تدخلن ولا تدخلن في شيء حتى تسمع وتنظر هل تكلم فيه أحد من العلماء أو أحد من أصحاب رسول الله؟ عليك بهذا أو هذا، تنظر فتنة مدلهمة وقعت، سأل يا عبد الله كيف تعامل الصحابة مع هذه الفتنة؟ إذا استطعت أن تغبر بأحوال السلف فهنيئا بهذا الهج، خذه ما استطعت العلماء، وإلا الله جعل ربنا العلماء في كل زمان موجودون حجة الله على خلقه في كل زمان، ما استطعت لآثار السلف عليك بهج العلماء، سل اتصال قراءة، ذهاب بالنظر إلى كتبهم فتاويهم، وإلا الله العلم نشور، قال رحمه الله تعالى: «فانظر هل تكلم في أحد من أصحاب رسول الله أو أحد من العلماء؟ قال: فإن أصبت فيه على أثر فتمسك به بهذه الفتوى ولا تختار عليه شيئا فتسقط في النار»، انتبه أن تخالف هذا الهدي الذي إن ظفرت به من أصحاب رسول الله أو من العلماء. لأنك إن استبدلت بغيره فتسقط في النار، صدق والله إما أن تسقط في نار الدنيا من بدع وجهالات وضلالات أو أنك تسقط في نار جهنم يوم القيامة، لأنه من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا، فأخواني في الله ولا أطيل عليكم في هذا المقام، فأتى كما قلنا وجود العلم والعلماء صمام أمان الأمة من كل مدلهمة ومن كل فتنة. فما علينا إخواني في الله أن نستعجل الأمور وإنما نتثبت في أمرنا وتبين في أمورنا وذلك بإرجاع المسائل إلى أهلها من أهل العلم ممن شابت لحاهم على المعتقد الصحيح ورسخت أقدامهم على العلم الشرعي، فهؤلاء هم الذين أمر ربنا بإرجاع الأمور إليهم، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فنحمد الله تبارك وتعالى الذي يسر لنا هذا اللقاء بإخواننا وأبائنا في هذا المسجد تبارك الذي نسأل الله تبارك وتعالى أن يزيده من فضله ثباتا وبركة وخيرا وأن يكون نافعا لأهل هذه البلدة وغيرها. أيها الإخوة الأفاضل قد سمعنا في كلمات الإخوين الفاضلين الأخ نبيه والأخ كذلك أبا هاشم، سمعنا خيرا كثيرا في بيان الموضوع الذي ذكر وعنون له وهو العلم والعلماء سمام أمان بهذه الأمة، وقد ذكرت أمثلة كثيرة ومتنوعة في طياتها بيان لحاجة الناس إلى العلم والعلماء ولا سيما عند النوازل والفتن. وفي الحقيقة إن حاجة العبد إلى العلم والعلماء هو أشمل وأوسع من ذلك، ولذا قال الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كلمته العظيمة، قال رحمه الله تعالى: «إن حاجة العبد إلى العلم أشد من حاجته إلى الطعام والشراب»، قال: «لأن الطعام والشراب يحتاج إليه الإنسان في اليوم مرة أو مرتين»، قال: «وأما العلم فإنه يحتاج إليه بعدد أنفاسه». وهذا كلام عظيم من هذا الإمام رحمه الله تعالى يبين فيه قدر العلم وحاجة الإنسان للعلم وأن حاجة الإنسان للعلم بقدر أنفاسه، فأنت أيها المسلم تحتاج إلى العلم في كل شيء، تحتاج إلى العلم في كل ما يصدر منك من أقوال من أفعال من اعتقادات من أحوال، هل هي مشروعة شرعها الله؟ هل أحبها الله رضيها الله؟ هل هذه الأشياء مما نهى الله جل وعلا عنها مما كرهها الله جل وعلا؟ فالعبد بحاجة إلى العلم حاجة ما لا يستغني عنها، فحاجته إلى العلم كما ذكر أشد وأعظم من حاجته إلى الطعام ومن الشراب، وكما ذكر عنوان هذه الكلمة أنها العلم بعنوان العلم والعلماء سمام لهذه الأمة، سمام أمان لهذه الأمة، العلم المراد بالعلم هنا العلم الشرعي. والعلم كما يعرفه علماء اللغة أنه آثر بالشيء به يتميز الشيء عن غيره، وما في الصلاح فقد ذكر له تعريف كثير، ولكن الصواب ما ذكره الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى إذ قال: «بأن العلم أدق من أن يحد ويعرف»، إلى القاعدة عند العلماء في باب الحدود والتعاريف أن الشيء البين لا يحتاج إلى تبيين، وأن تبيين البين لا يزيده إلا خفاء. لذا أنكر على من قصد لتعريف العلم، والأمر كما قال، والعلم كما سمعتم المراد به العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة