المحاضرة بعنوان بين يدي الإجازة الصيفية، وكانت يوم الجمعة ٢١ رجب ١٤٣٤هـ بمسجد عمر بن الخطاب بغيل باوزير ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الخطيب يحث على استغلال الإجازة الصيفية بطاعة الله ويشدد على أهمية العبادات المتعدية في نفع المسلمين. أهل السنة يجب أن يكون لهم الأولوية في استغلال هذه الإجازات لتعزيز دينهم ودنياهم.
يُشدد على أهمية طلب العلم الشرعي باعتباره فريضة على كل مسلم، ويوضح فضائل طلب العلم وأجره العظيم عند الله. العلم هو أساس العبادات الصحيحة والقربات إلى الله.
يُبين فضل طلب العلم وأهميته عند أهل السنة والجماعة، ويشير إلى أن حضور حلقات العلم له أجر عظيم ويعد من أفضل العبادات. العلماء هم الذين يعرفون الفتن ويحلون المعضلات.
يؤكد الخطيب على أهمية طلب العلم في حياة المسلمين، ويشير إلى أن الانقطاع عن طلب العلم يؤدي إلى ضياع الأجر وعدم نفع الأعمال عند الله. ضرورة التعلم الصحيح للعبادات كما وردت عن النبي.
يُنبه الشيخ إلى أن طلب العلم ليس مجرد التواجد في مكان التعلم، بل يتطلب الجلوس والتحصيل الفعلي للعلم. يستشهد بقصة جريج الراهب لتوضيح أهمية التركيز في العبادة وطلب العلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فبادئ ذي بدء نتوجه بالشكر الجزيل إلى أهلي هذه المنطقة عامة وإلى أهلي هذا المسجد خاصة لإتاحتهم الفرصة لإخوانهم وبعد حسن ظنهم بهم في استقبالنا واستضافتنا وإلقاء بعض ما يسر الله جل وعلا إلقاءه عليكم، فنشأ المولى جل وعلا أن يجزي المثوبة والفضيلة لكل من ساهم وأتم وأعان على إتمام هذا الخير. وثانيًا ما يتعلق باستغلال الأوقات واستغلال الأعمار بطاعة المولى جل وعلا، ولا يخفى عليكم إخواني في الله أننا قادمون على إجازة قد أتت أو كادت أن تأتي، فمن الطلاب ومن التلاميذ من قد انتهى من دراسته ولله الحمد والمنة، ومنهم من هو على وشك إتمامها والانتهاء منها، فالكل توجه إلى إجازة صيفية يكون عندهم من الأوقات ويكون عندهم من الفراغ ما الله به عليم. فإخواني في الله، كان ينبغي أن نعرف ما دور المسلم إذا جاءته هذه الأوقات التي ستأتيه، وسمعتم إخواني في الله في كلمة أخينا الأدلة الكثيرة على أن المسلم عليه أن يعمر هذه الأوقات بطاعة المولى جل وعلا، فإن الوقت يا عبد الله أمانة أمنت بها وستسأل عنها يوم القيامة. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وفي رواية عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به». تأمل يا عبد الله، عن العمر ما منا من أحد من زيد ولا من عبيد إلا وسيسأل عن عمره عند الله جل وعلا، وعن عمره فيما أفناه. وأخص أوقات الأعمار الشباب، وعن شبابه فيما أبلاه، سن الشباب سن الفتوة سن القوة، الخامسة عشر والسابعة عشر ونحو ذلك إلى الثلاثين، هذه الأوقات يا عبد الله أوقات الجد والاجتهاد، بماذا بذلت وإلى أين صرفت؟ هل في طاعة الله جل وعلا أم بمحاربة دين الله عز وجل؟ أو أنك يا عبد الله في دنياك مسهبلًا، لا أنت في نفع نفسك ولا نفع إخوانك، ولا أنت في أمر دينك ولا دنياك. إخواني في الله، إنما يتعلق بموضوع الإجازة واستغلال الإجازة ينبغي على أهل التربية وأخص على أهل السنة أن يعرفوا كيف يستغلون هذه الإجازات وهذه الأوقات، سواء لأنفسهم أو كذلك لغيرهم. إننا نجد بمثل هذه المواسم إخواني في الله كيف أن الكثير من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية وهكذا بعض الهيئات التربوية والثقافية، الكل يعد العدة لاستقبال هذه الإجازة. بل ليس الأمر يقتصر على أهل التربية والثقافة، بل حتى على أهل الأهواء وأهل الضلالة ورؤوس البدع، وكل من له فكر وله منهج ولو كان منحرفًا، كذلك يعد العدة في هذه الإجازة، يحاول استقطاب من يستطيع استقطابه من أبناء المسلمين، فذاك بدوريات وذاك ببرامج وذاك بدوري مخيمات وآخر وآخر. فإذا كان الناس إخواني في الله وهم على اختلاف في أفهامهم، بل على بون شاسع في تدينهم لله جل وعلا، وهم على هذا الحرص، فما ظنك يا عبد الله بأهل السنة؟ فإن أهل السنة والجماعة ينبغي أن تكون لهم الأسبقية ولهم الأولوية في استغلال هذه الإجازات، كيف تستغل كما قلنا في أنفسهم، وكذلك كيف يستغلونها للمسلمين عامة والمسلمين قاطبة. والأعمال إخواني في الله التي ينبغي أن تستغل بها الأوقات والإجازة خاصة، لا شك ولا ريب أن ينبغي أن تكون مسائل دينية، شيء يقربك إلى الله، مع المقابل مع التنبيه، لا يعني بذلك أننا نحرم على الناس الانشغال بالدنيا، هناك أمور دنيوية مثل الحاسوب وهكذا بعض الدورات التعليمية في بعض العلوم المادية الدنيوية كالكيميا والفيزياء واللغات، هذه وإن كانت علومًا دنيوية. إلا أن العبد إذا دخل بها وتعلمها وأراد بذلك نفع المسلمين ونفع الإسلام، فإنه يؤجر، ينبغي أن نعرف هذه المسألة إخواني في الله، إذا كان العبد يدخل إلى هذه المجالات وإلى هذه الأمور من أمور العلوم غير الدينية المادية البحثة أو تسمى بعلوم التجارب والبحوث، وأراد من هذه العلوم أو أراد من ولوجه ودخوله في مثل هذه المخيمات وهذه الدراسات، أراد بذلك أنه ينفع الإسلام وينفع المسلمين بهذا التخصص، فإن الله جل وعلا لا يضيع أجر المحسنين. فهذا محسن، لكن طبعًا ليس شيء مثل طلب العلم الشرعي إخواني في الله، المسلم إذا أراد أن ينتفع بدنياه بأمر يقربه إلى الله جل وعلا، طبعًا لا شك أنه يستغل العبادات والطاعات والقربات، والعبادات والطاعات إخواني في الله بابها واسع، لا يمكن لأحد أبدًا أن يحصي وأن يستقصي هذا الباب. لكن المؤمن الحصيف إذا علم أنه في وقت وجيز أو إجازة معدودة عليه ومحسوبة عليه، وأراد أن يقضيها بشيء ينفعه وتكون له ثمرة في دنياه ودينه وأخرى، فعليك يا عبد الله أن تستغلها بما يسمى بالعبادات المتعدية، بالعبادات المتعدية في شريعتنا، العلماء قسموا العبادات على قسمين اثنين: عبادات لازمة وتسمى بعبادات قاصرة، وهذه العبادات ضابطها أنك إن فعلتها إنما منفعتها ترجع إليك، تقتصر عليك، لا تتعدى إلى غيرك. وهناك عبادات يسميها العلماء بعبادات متعدية، وهذه العبادات ضابطها أنك إذا فعلتها فإن ثمرتها تظهر فيك وفي غيرك، تظهر فيك وفي غيرك، وعند الموازنة بين هذه العبادات وبين تلك العبادات، قال علماء لا شك ولا ريب أن العبادات المتعدية أفضل من العبادات القاصرة، ومن تعمل إخواني في الله في الأجور العظيمة والفوائز والجوائز التي أعدها الله جل وعلا لعباده الصالحين. تجد أنها ترجح كفة العبادات المتعدية، فمن ذلكم ما جاء من حديث ابن عمر، رواه الطبراني بسند حسن، ويحسنه شيخ الألباني في الصحيحة، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم للناس»، أحب العباد إذا أردت عبد الله أن تكتسب على محبة الله جل وعلا فيكون هذا ضابطك. «أحب العباد إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تقضي به دينًا أو تكشف عنه كربة أو تطرد عنه جوعًا». تأمل يا عبد الله في هذه العبادات كلها عبادات متعدية، نفعها وصل إلى غيرك، قال: «أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تطرد به أو تقضي به دينًا أو تكشف عنه كربة أو تطرد عنه جوعًا»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف شهرًا»، الاعتكاف عبادة لازمة قاصرة، وكشف الفروجات والهموم والكروب عن المسلمين عبادة متعدية. قال عليه الصلاة والسلام: «ولن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف شهرًا، ومن كظم غيظه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجته حتى يثبتها له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام». من مشى مع أخيه في حاجة أي حاجة، معاملة، مشكلة في المحكمة، في معاملة، في ديوان، في قضاء، في مسائل اجتماعية، مشكلة أرادك أن تحلها معًا، فقمت مع أخيك، أنت عندك أعمال، لكن اقتطعت من وقتك شيئًا حتى تسير مع أخيك. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن مشى مع أخيه في حاجته حتى يثبتها له، ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام»، فنفهم إخواني في الله على أن المسلم في هذه الدنيا إذا أراد أن يستغل عمره بشيء، بعبادات متعدية يكون ثمرتها لنفسه ولغيره، فهذا أنفع وهذا أفضل وأجره عند الله جل وعلا أعظم. ومن هذه العبادات إخواني في الله والتي أريد أن أشير عليها، وينبغي أن نفهم هذه المسألة وهذه العبادة، وخاصة في الإجازات وما بعد الإجازات، أن نلقي الضوء على عبادة جليلة، عبادة عظيمة، ما ينبغي للمسلم بحال أن يفرط فيها، ألا وهي إخواني في الله طلب العلم الشرعي، طلب العلم الشرعي، طلب العلم من أعظم الطاعات ومن أعظم العبادات ومن أجل القربات عند الله جل وعلا. وقد يقول قائل: لما نرى ونسمع من أهل السنة والجماعة دائمًا طلب العلم، احرص على طلب العلم، محاضرات، ندوات، كلمات، لقاءات، ما تخلو من حرصهم على طلب العلم، وحق لها وحق من يتكلم بهذا الكلام أن يستغرب هذا الاستغراب، لما أهل السنة هم الذين تميزوا عن باقي الجماعات وعن باقي الفرق والمِلَل والأمم بتكريس الجهود على حث الناس وأمرهم على تحصيل العلم الشرعي. الأمور يا عبد الله ترجع لمسائل كثيرة، من أهم هذه الأمور أن نعلم يا عبد الله وأن نعلم جميعًا أن طلب العلم واجب من الواجبات، واجب من الواجبات الشرعية، وهذه مسألة إخواني في الله ينبغي أن تنبه لها جميعًا، الكثير من الناس إذا سمع العلم الشرعي دروس، محاضرات، كتب، أشرطة، كاسيتات، سيديات، علم، يرى أن العلم الشرعي من فضول الأعمال وأنه بالخيار، إن أراد أن يدخل في هذه العبادة وإلا ترك، لا يا عبد الله، ما أنت بالخيار، أنت ملزم بها. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، ثبت هذا الحديث عن جمع من الصحابة، عن ابن عمر، عن ابن عباس، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم، بأسانيذ صحاح، فطلب العلم فريضة، ليست نافلة، وليست يا عبد الله من كماليات الأعمال حتى تتقاعس عنها. ويظهر ذلك يا عبد الله، ولهذا يقول العلماء في معرفة كيف أن طلب العلم واجب، قال: وذلك على كل عبادة أنت ملزم بها، واجب أن تتعلمها، مثاله يا عبد الله: كنت تبلغ الاحتلام، وكدت أن تكون مميزًا من المميزين، وأصبحت الصلاة واجبًا في ذمتك، هنا واجب شرعًا أنك تتعلم الصلاة. دخل عليك رمضان، فكتب عليك الصيام، فواجب عليك أن تتعلم أحكام الصيام، واجب، أعطاك الله ما أعطاك من الأموال، فأصبح عليك أموال، ويمكن أن تخرج بها الزكاة، إذن واجب عليك أن تتعلم أحكام الزكاة، ثم مكنك الله جل وعلا بمال كثير، بمال وفير، يمكنك أن تسافر للحج، هنا واجب أن تتعلم باب الحج وأبواب الحج، وهكذا يا عبد الله، العلم يتبعك كل باب خلف باب، كلما دخلت في واجب من الواجبات، فتعلم هذا الباب واجب عليك. كما قال علماء كالإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره: أن باب العلم يرتبط بباب الواجبات، ما من فريضة تؤديها إلا ينبغي أن تكون مصحوبة بالعلم، وهذا يأتي لنا إلى مسألة ثانية، ويُدلك على أهمية العلم، وهو أنه لا قوام للدين إلا بالعلم، لا يمكن أبدًا أن يقام دين الله جل وعلا في الدنيا إلا بالعلم الشرعي. إذا أردت يا عبد الله أن تكون موحدًا، أن تكون على عقيدة صحيحة، والعقيدة هي رأس الأمر ورأس الدين، فلا يمكنك أن تعتقد بالله جل وعلا الاعتقاد الصحيح إلا بالعلم، قال جل في علاه: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، بدأ بالعلم قبل وحدانية الله جل وعلا. فالعقيدة والتوحيد يحتاج منك إلى علم، كونك يا عبد الله تريد أن تنشر الخير للناس، فهذا لا يتأتى إلا بعلم، قال سبحانه وتعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، على بصيرة أي على علم، إذا أردت أن تتعبد الله بعبادات، عليك بالعلم، كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: «من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصلح». فالعلم يعبد الله به، قوام الدين ومما دلّك أيضًا على اهتمام وعلى اهتمام البالغ من أهل السنة في طلب العلم وحث الناس عليه، لأنه يا عبد الله هو من أعظم العبادات والقربات، الكثير من الناس إخواني في الله في هذه الدنيا إذا أراد أن يبحث عن عبادة عن طاعة ذهب يمنة ويسرة، والعلم أمامه، لكن الشيطان يصده صدًا عن العلم الشرعي. لماذا؟ لأنك يا عبد الله لو نظرت في فضائل العلم، فوالله والله وبالله وتالله لن تجد عبادة تساوي ولا تداني ولا توازي فضيلة تحصيل العلم، العلم كله فضيلة من أوله إلى آخره، في كل باب، أبوابه من أول دخوله إلى آخر نهايته كله فضيلة في فضيلة. أنت يا عبد الله كونك تريد أن تذهب تريد أن تنتقل من بيتك إلى بيتك، من بيتك إلى مسجد، حتى تحضر حلقات العلم، هذا الطريق هو طريق يا عبد الله إلى الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». كونك يا عبد الله تحضر في مجالس العلم، فتحفظ وتقرأ وتكتب وتلخص، هذا الجهد يا عبد الله هو عبادة بحد ذاتها، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع»، بأي شيء يصنعه في باب التحصيل، أي شيء تصنعه فإن الملائكة تضع أجنحتها عليك. وأن دلّ ذلك دلّ على رضا الله جل وعلا عنك يا عبد الله عن عملك، بل أنت يا عبد الله جلوسك فقط، لا كتابة، لا حفظ، لا تسميع، لا تقييد، خرجت من بيتي وجلست في حلقة، مستمع، فهذا الجلوس بحد ذاته كذلك أجر، لا يخفى عليكم قصة ذاك الرجل الذي جاءت الملائكة بعدما حفت ذلك المجلس، فصعدت وعرجت على ربها جل وعلا، فسألها ربها جل وعلا: «من أين قدمتم؟»، قالت: «جئناك من قوم يذكرونك، يمجدونك، يحمدونك»، إلى آخر الحديث. ثم قال ربنا جل وعلا مبينًا رضاه عن هذه الحلقة: «أشهدكم يا ملائكة أني قد غفرت لهم»، فيقول ملك: «يا رب إن فيهم رجلًا ما جاء إلا لحاجة، ليس من طلاب العلم، وليس من رواد الحلقة، إنما جاء لحاجة»، قال جل في علاه: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، قد غفرت له»، جلوسك يا عبد الله في حلقة واحدة، رجل جاء لحاجة، فما ظنك بعدة حلقات؟ فكيف إذا كان مع هذا الحضور تسميع، كتابة، تقييد؟ إخواني باب العلم من دخله من يحرم أجرًا أبدًا، فكيف إذا طال بك المقام، فأصبحت تدرس، أصبحت تعلم، فإن أجرك يضعف أكثر فأكثر، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض، حتى الحيتان في الماء، وحتى النمل في جحرها ليصلون على معلم الناس الخير»، معلم، تعليم، تعلم الناس الخير، فإن الله جل وعلا يسخر ملكوت السماوات والأرض، الكل يصلي عليك. الجزاء من جنس العمل إخواني في الله، هذا هو طلب العلم، هذا هو تحصيل العلم، بهذا تعرفون لماذا أهل السنة والجماعة يأمرون الناس إلى هذا الباب، إلى هذه الفضيلة، من أراد أن يشمر عن طاعة وعن عبادة، فعليك بالعلم، عليك بتحصيل العلم، كيف يا عبد الله إذا دخلنا في موضع أعظم من ذلك، الفضائل العظيمة يا عبد الله، أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن حلقات العلم والجلوس فيها أفضل من اعتاق الرقاب، أفضل من اعتاق الرقاب. قال عليه الصلاة والسلام: «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله جل وعلا من بعد الصلاة الغداة، وفي رواية بعد صلاة العصر، حتى تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة»، أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل عليه السلام، أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن الذي يحضر حلقات العلم أنه كالمجاهد في سبيل الله، أخبر عليه الصلاة والسلام أن الذي يحضر حلقات العلم أنه له أجر حاج قد تم حجه. هذا العلم فضائل يا عبد الله، حلقات العلم فضل العلم، كاد أن ينافس أمهات الطاعات والعبادات، بهذا نعلم لماذا أهل السنة والجماعة يهتمون بهذا الباب، كذلك يا عبد الله مما يدل على أهمية العلم عند أهل السنة والجماعة، أن ذلك كان من منهج سلفنا الصالح، من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وإلى هذه الأزمان. كان من أعظم السمات وصفات أهل السنة والجماعة الاهتمام بطلب العلم، كان الصحابة يسافرون ويرتحلون من بلدة إلى بلدة، وما ذاك إلا طلبًا للحديث، طلبًا للعلم، كما في حديث جابر في رحلته المشهورة، بل جاء صفوان بن عسال إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، أراد أن يطلب العلم بين يديه، قال عليه الصلاة والسلام: «مرحبًا بطالب العلم»، وهكذا درجة التابعين وأتباع التابعين على هذا المنوال. حتى كانت المجالس، مجالس أهل السنة والجماعة تمتلئ بالحفاظ، بالقراء، بالكتاب من طلاب العلم، علي بن عاصم رحمه الله تعالى من مشايخ البخاري، كان يعد طلابه بمئة وعشرين ألف طالب علم، تخيل يا عبد الله هذا العدد، نحن في هذا المجلس كم؟ ستين، خمسين، زد مئة، نفر، ألف، كم؟ ألف، ألفين، خمسة آلاف، عشرة آلاف، بعيد، عشرين، خمسين ألف، مئة ألف، جيش، مئة وعشرين ألف طالب علم. لماذا هذا الاهتمام؟ تعبدًا لله جل وعلا، وكذلك سفيان الثوري، ابن عيينة، كان بعضهم يحذر عدد طلابه بأربعين ألفًا، قيل: ضعهم ستين ألفًا، أربعين ألفًا كانوا أصحاب محابر، وعشرين ألفًا كانوا نظارة، نظارة فرقة من طلاب العلم، هؤلاء لا يكتبون، لماذا لا يكتبون؟ لأن الله أعطاهم ذاكرة، فكانوا ينظرون إلى الشيخ ويتحدث، يقول: كذا، فيسمعون ويحفظون، عشرين ألفًا، هذه كتيبة اسمها النظارة. وأربعين ألفًا هؤلاء أصحاب محابر، يكتبون الحديث، بل كان بعضهم يقول: يحدث، طبعًا تلك الأيام ما فيه ميكروفونات تساعد على إبلاغ الأصوات، فكان بعضهم يحتاج إلى أربع عشر مستملي، المستملي هو الذي يبلغ الصوت، كان بعضهم يقول: «حدثنا الليث، الليث، الليث، الليث، الليث، الليث، الليث، الليث، الليث، الليث، الليث، الليث، الليث، الليث»، أربع عشر مستملي في الساحة يبلغون الناس: «حدثنا الليث»، فإذا انتهوا وراجع الصوت إلى الإمام وحدث وأتم الإسناد. إخواني هكذا كان سلفنا الصالح، ما يتخاذلون ويتقاعسون ولا يتكاسلون بأمر عظيم، أمر الله جل وعلا به، إخواني في الله، كم وكم نحكي عن فضل العلم وعن طلب العلم وعن تحصيل العلم، وبهذا تعلم ما هو السر، بل يا عبد الله العلم هو الأمر الوحيد الذي به تدفع الفتن، نحن في أزمان لا يخفى على أحد منكم ما أبتلت به مجتمعات المسلمين من الشهوات ومن الفتن ومن الشبهات. الذي ما يمكن أن يصد إلا بالعلم الشرعي فقط، وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، أهل العلم، أهل الفضل، ولاة الأمور هم الذين يعرفون الفتن، يعرفون المدلهمات، يعرفون كيف يحلون هذه المعضلات، لتنحل علينا الأزمات، بذهاب العلماء، بإضمحلال العلماء، بذهاب العلم، تأتي الفتن. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما أو حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»، يأتي الضلال ويأتي الفساد على مجتمعات المسلمين متى ما حرم المجتمعات من العلم ومن أهل العلم. إخواني في الله، وليس حديثي عن طلب العلم وعن تحصيله وإنما هذه مقدمة عباد الله لأمور ستأتي، ألا وهي إخواني في الله إذا علمنا فضل العلم وأن المسلم إخواني في الله يحاول ويحرص على استغلال الأعمار بطلب العلم، هناك أشياء ينبغي أن نتذاكر وإياكم فيها، وهي تنبيهات، وكذلك من الأمور المعينة في تحصيل العلم، وكذلك مسائل تنفع في إزالة بعض المسائل التي يلتبس أمرها على كثير من الناس في باب العلم. من أهم المسائل إخواني في الله والتي ينبغي أن ننبه عليها في باب العلم وباب تحصيل العلم، أننا ينبغي إخواني في الله أن نكون ممن يطلب العلم صدقًا وحقًا لا دعوى، صدقًا وحقًا لا دعوى، الكثير من الناس إخواني في الله يسمع بل ومن أهل السنة كذلك يتحدث بالعلم وبفضل العلم وضرورة طلب العلم. وأن العلم كذا وأن دعوة أهل السنة ما رفعها الله إلا بالعلم، إلا أنك إذا نظرت في وقته ونظرت في حاله وأردت أن تعرف مقدار العلم ومقدار تحصيل العلم في حياته، لما رأيت شيئًا، ما رأيت إلا الدعوى، إلا الدعوى، وهل هذا وتحصيل العلم يا عبد الله أنك تدعي العلم؟ العلم فضل العلم، أجر العلم، اهتموا بالعلم، ومن ثم تأتي إلى حياة ذاك الفرد، ما عنده شيء من تحصيل العلم. لا قراءة، لا كتابة، لا مذاكرة، لا مجالسة، لا نظر، لا استماع، ما له علاقة أبدًا في طلب العلم، ينقطع تمامًا عن طلب العلم، هذه عضلة محروم الأجر، ادعاؤك ادعاؤك، وكونك تلوك كلمة العلم بلسانك، ما هي نافعتك عند الله جل وعلا، الأمور يا عبد الله بحقائقها، أنت تطلب تريد تحصيل الناس على طلب العلم، يكون هذا ظاهرًا في حياتك، في وقتك، تطلب العلم يا عبد الله في جلوسك، في حلقاتك، في مدارستك، في مذاكرتك. حتى الناس وليس هذا خاص بطلاب العلم، حتى عامة الأمة ينبغي لمن كان منتميًا لهذه الأمة أنه يطلب العلم كثيرًا، حتى العامة يرى أن كلمة طلب العلم أن هذه كلمة أصبحت يعني ما يمكن أن تصل إليها إلا لمن كان كما يسميه مستقيم أو يسميه ملتزم، يقول: «أنا عامي، أنا عندي دكان، أنا عندي محل، أنا عندي طلب العلم»، لا يا عبد الله، الآن في هذه الأزمان العلم يسر بشكل عجيب. ما عليك إلا أن تحرك أصبعين، وتشغل الراديو، وتشغل المذياع، وتشغل المسجلة، عندك هذه الأجهزة الحديثة، أصبحت شروحات، شروحات أمهات الكتب في باب الاعتقاد والسنن والأحاديث والكتب المطولة، كلها موجودة في قرص، في سيدي، أو في فلاش، أو في مسجلة، تستمع أنت في سيارة، تشغل المذياع، أنت في محل تشغل المذياع، أنت في كل مكان، عندك، عندك مطويات، ما سطعت للأمة هذه الكتب، عندك مطويات. هذا من طلب العلم، تطلب العلم يا عبد الله على قدر طاقتك، لا تنقطع عن طلب العلم، وهكذا كان سلفنا الصالح، عمر الخطاب رضي الله تعالى عنه ما كان متفرغًا بطلب العلم، كان عنده أعمال، كان عنده أعمال، ولهذا كان يتناوب مع صاحبه يتناوب مع صاحبه في طلب العلم، فكان إذا أتى العمل عند عمر يذهب عمر رضي الله تعالى إلى عمله فيأتي بالأنصاري. وكان عمر والأنصاري يتناوبان على أعمال لهما، فإذا كان العمل عند عمر ذهب عمر في عمله رضي الله تعالى عنه ودعا الأنصاري عند نبينا عليه الصلاة والسلام يستمع، فإذا انتهى المجلس ذهب الأنصاري إلى عمر وأعطى عمر ما سمعه من نبينا، ثم يأتي عمر يأخذ دوره عند نبينا ويذهب الأنصاري إلى عمله، وهكذا كان يتناوبان في طلب العلم. من قطاع عن طلب العلم ليس العمل يا عبد الله ذريعة في ترك العلم، ولا كيف ستعيش يا عبد الله؟ كيف ستبقى بلا علم؟ كيف صلاتك؟ كيف صيامك؟ يا عبد الله يا عامة الناس، الرجال والنساء، الكل مطالب بطلب العلم، والله من المحزن والله من المحزن أن الواحد منا لو ربما تشيب شيبته ويشيب لحيته وشعر رأسه. ومع ذلك إذا بعث عند ربه جل وعلا يجد أن أعماله مردودة على وجهه، لماذا؟ لأنه ما أداها على الوجه الشرعي، عليك أن تتعلم يا عبد الله تتعلم بما أمر الله جل وعلا بتعلمه، ونبينا عليه الصلاة والسلام كان يحرص يحرص على هذا، كذلك أمر الناس يحرص الناس على أنه يؤدون العبادات على سنته، وما يكون ذلك إلا بالتعلم. لما توضأ نبينا عليه الصلاة والسلام كما ثبت في الصحيح عن عثمان، قال عليه الصلاة والسلام: «من توضأ نحو وضوء هذا ثم صلى ركعتين لا يحجزهما - أو لا يحدث فيهما - نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه»، إذا أنت مأمور بالوضوء، لكن على وضوء من؟ هل على وضوء الذي اعتدنا عليه من قبل آبائنا ومن كانوا قبلنا؟ إذا جاء أحدهم يأتي بالوُضوء قام وأتى بالماء ومسح على رقبته، يمسح ويظن أن مسح الرقبة ركن من أركان الوضوء، أو يأتي بأذكار، تستمع إلى أحد المتوضئين من أول ما يدخل في الوضوء إلى أن يتم وضوءه ويتمتم، ماذا يقول؟ هذه أذكار؟ ماذا أذكار؟ ما نعلم إلا ذكرين، ذكر في أول وضوء وذكر في نهايته. أما الترانيم والأذكار التي يأتي في أثناء الوضوء، هل لها أصل؟ فإذا نعبد الله ينبغي أن تتعلم كيف تتوضأ نبيك عليه الصلاة والسلام، وهكذا عندما أراد أن يصلي عليه الصلاة والسلام أرشد الأمة إلى ضرورة أن يصلوا أن يتعلموا الصلاة، قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، نحن مطالبون بالصلاة، لكن على هدي من؟ وعلى كيف من؟ نحن مأمورون أن نصلي كما صلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وليتأتى ذلك إلا بالتعلم. ثبت في البخاري أن نبينا عليه الصلاة والسلام لما أقيمت الصلاة ارتقى على منبره، قام الناس وصلوا صفوفهم، فركع هو على منبره، فركع الناس، سمع الله لمن حمده، اعتدل اعتدل الناس، لما أراد أن يسجد، فرجع القهقرة حتى وصل الأرض فسجد فيها، فلما ارتفع من سجوده صعد عن المنبر وأكمل الصلاة، إذا لما انتهى نبي من صلاته ماذا قال؟ قال: «يا أيها الناس إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي»، التعلم يا عبد الله تعلموا صلاتي، لابد يا عبد الله. يقول لك: علم ما يمكن أبدًا أن تبقى في دنياك بغير علم، أبدًا تنقطع تمامًا عن العلم، هذا لا يمكنك، ويسقط عذر عند الله جل وعلا، حذيفة رضي الله تعالى عنه رأى رجلًا يصلي يصلي، لكن حذيفة الذي أدهشه أن هذه الصلاة غريبة، صلاة ما عليمها من نبينا، يصلي صلاة غير معهودة، فلما انتهى رجل من صلاته استدعى حذيفة. قال: «يا هذا منذ كم تصلي هذه الصلاة؟»، قال: «كذا وكذا أصلي هذه الصلاة»، فقال حذيفة: «يا هذا إن ميت على هذه الحال ميت على غير الفطرة»، أي صلاتك مردودة على وجهك، فكم من إخواني في الله من أناس يحج ويصوم ويزكي ويصلي ومع ذلك ما يدري، أهذه صلاة هي؟ والصيام والزكاة؟ هل هذا الذي أمر بتأديته على هذه الكيفية؟ أم أنه يخبط خبط عشواء في صلاته وفي عباداته؟ فإخواني في الله، فعندما نكلم عن طلب العلم ليس معنى أنك تترنم يا عبد الله وإنما عليك أن تتلبس بالعلم، أنك تنظر، أنك تقرأ، أنك تكتب، سواء هذا لعامة الناس، بل وحتى على طالب العلم وعلى أهل السنة خاصة، أهل السنة خاصة ما رفعهم الله بطلب العلم إلا بطلب العلم. فعليهم أن يحرصوا على طلب العلم، على حضور مجالس الذكر، على حضور مجالس العلم، إن أمكن ذلك، وإن كان هذا يشق عليهم، فلا أقل أنك تقرأ، أنك تكتب يا عبد الله، أما أنك تكتب بالادعاء هذا لا يكفي، وهذا الذي نراه من بعض من ينتسب للخير وينتسب للفضل وينتسب للسنة، لو ربما يكتفي أنه يأتي إلى بعض المساجد أو يأتي إلى بعض المراكز ويبقى فيها. فيرى أن وجوده ومكثه في ذاك المركز أو في ذلك المسجد أو في هذه الناحية، وجوده فقط أن هذا طلب العلم، فإذا سأل: «يا أخي أنت أجتهد عنه»، قلنا: «الله أطلب عنه ما شاء الله»، وينتقلون إلى طلب العلم في المسجد الفلاني، يطلب العلم في برنامج اليومي، ما طلب علم، وإنما من سارية إلى سارية، من زاوية إلى زاوية، هل هذا طلب علم؟ يا عبد الله هذا ليس بطلب علم. طلب العلم أنك تجلس، طلب العلم أنك تتحصل، وخير مثال إخواني في الله وهذا يعني يدل على ذلك قصة جريج الراهب، قصة طويلة، العبرة منها الذي يريد الشاهد من ذلك في قصة تلكم المرأة الزانية المومس، لما أرادت أن تفتن جريجًا عن عبادته، فدخلت عليه بعدما تجملت وتزينت. وأرادت أن تضل هذا العابد الزاهد، إلا أنه بتقواه لله جل وعلا ردها وصدها وخرجها من صومعته، فخرجت في طريقها، هذه الزانية رأت راعي غنم، رأت راعي غنم، إلا أنها لما راودت هذا الراعي عن نفسه وقعت به، طيب النكتة الذي أريده هنا أن هذا الراعي كما جاء في رواية لمسند الإمام أحمد. أن هذا الراعي كان يأوي إلى صومعة جريج، جريج هذا عنده صومعة مكان التعبد، وكان هذا