الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 49، ألقاها
ينبغي لقارئ القرآن مراعاة المعاني عند البدء في القراءة والوقف، وعدم البدء بآية متصلة بما قبلها أو الوقف على آية لها ارتباط بما بعدها. يجب ربط الآيات ببعضها وعدم التقيد بالأجزاء أو الأعشار.
يناقش أهمية عدم الاغترار بكثرة المخالفين والهالكين، والتركيز على الحق وإن قل سالكوه. يستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وسيرة الأنبياء والصالحين.
تحدد الأحوال التي تكره فيها قراءة القرآن مثل الركوع والسجود والتشهد، وتكره قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في الصلاة الجهرية إذا سمع الإمام. القراءة في الطواف مستحبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: فصل في مراعاة المعنى في ابتداء القراءة ووقفها. قال: ينبغي للقارئ إذا ابتدأ من وسط السورة أو وقف على غير آخرها أن يبدأ من أول الكلام المرتبط بعضه ببعض، وأن يقف على انتهاء الكلام المرتبط، ولا يتقيد بالأعشار والأجزاء؛ فإنها قد تكون في وسط الكلام المرتبط، كالجزء الذي في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، والمحصنات من النساء، وفي قوله: ﴿وَمَا أَبْرِئُ نَفْسِي﴾، وفي قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وفي قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾، وفي قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾. وكذلك الأحزاب، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾. قال: وهذا كله وشبهه ينبغي أن لا يبتدأ به، وليوقف عليه؛ فإنه متعلق بما قبله. وهذا آداب من الآداب في قراءة القرآن: أن القارئ للقرآن إذا قرأ يبتدئ السورة أو القراءة من آية غير مرتبطة بما قبلها، وإذا وقف فإنه يقف عند آية كذلك، ليس لها ارتباط بما قبلها. ومن الخطأ أن يتقيد بالأجزاء أو الأعشار أو ما شابه ذلك على حساب هذا المعنى. فينبغي لقارئ القرآن أن يراعي المعاني في أثناء قراءته، وأن لا يقف إلا عند فراغه من الموضوع أو الكلام الذي يرتبط بعضه ببعض. قال رحمه الله تعالى: «فإنه متعلق بما قبله». قال: «وَهَذَا كُلُّهُ وَشِبْهُهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْتَدَأَ بِهِ وَلَا يُوقَفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ». ولا تغتر بكثرة الفاعلين له من القراء الذين لا يراعون هذه الآداب ولا يفكرون في هذه المعاني؛ أي أنهم فقط ينتبهون إلى تجويد القرآن، ولا ينظرون إلى المعاني: متى يقفون ومتى يبتدئون؟ وهذا حال كثير من القراء؛ أكثر عنايتهم بكيفية قراءة القرآن من حيث مخارج الحروف، صفات الحروف، وإلى غير ذلك. نعم، هذا مطلوب، هذا الأمر مطلوب من غير التعمق، لا إفراط ولا تفريط، لكن مع مراعاة المعاني، فيقرأ من مكان إذا بدأه ليس له تعلق بما قبله، وإذا وقف يقف في مكان كذلك ليس له تعلق بما قبله. ينبغي لقارئ القرآن أن ينظر في هذه الآداب أن يمتثلها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ولا يغتر بكثرة المخالفين لهذا الأدب. قال رحمه الله تعالى: وامتثل ما رواه الحاكم أبو عبد الله -أي صاحب المستدرك- بإسناده عن السيد الجليل الفضيل ابن عياض رضي الله عنه قال: «لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها، ولا تغترن بكثرة الهالكين». أي: العبرة بالحق، العبرة بالحق وإن قل أهله وسالكوه، ولا يغتر الإنسان بالباطل وإن كثر أتباعه ومناصره. قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فالكثرة إذا لم تكن على الحق فليست محمودة، إنما تكون محمودة إذا كانت على الحق وعلى الصراط المستقيم. فكما ذكر رحمه الله تعالى -أي الإمام الفضيل ابن عياض- قال: «لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها». لا يقول الإنسان: من معنا؟ ما نحن إلا أفراد، المجتمع كلهم مخالف لنا -يعني سواء كان في القراءة أو في غيرها- هذا الأثر سواء كان في القراءة أو في غيرها. يعني بعض الناس يستوحش الطريق، يرى المجتمع، يرى من حوله، فيقول: ما نحن إلا أفراد، المجتمع كله يخالف، المجتمع كله لا يرضى بأقوالنا، لا يرضى بأعمالنا، إلى غير ذلك. يا أخي، أنت على الحق فاصبر على الحق، واستمسك به، وسر ولا تبالي بكثرة المخالفين الهالكين. وتأمل في سيرة الأنبياء في أوائل دعواتهم، كيف يكون الناس كلهم يخالفونهم؟ بل رب نبي يموت وما تبعه أحد، ورب نبي يموت وما تبعه إلا الرجل والرجلان. جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال في حديث: «يأتي النبي ومعه الرهط، ومعه الرجل والرجلان، نبي وما معه إلا رجل والرجلان». قال: «ويأتي النبي وليس معه أحد». هل معنى هذا أن النبي لم يكن على الحق؟ أم قصر في الدعوة إلى الله؟ أم لم يحسن وسائل الدعوة؟ لا حاشاهم، ولكن هذه سنة كونية. فالعبرة بالحق، فالإنسان ما دام على الحق، متمسكًا بالحق، بكتاب الله تبارك وتعالى، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، على فهم السلف الصالح، فهو أم لوحده، فهو أم لوحده وإن خالفه من خالفه. قال الله جل وعلا في إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. سماه الله جل وعلا أمة لوحده؛ لأنه حارب الشرك، حارب أهل الشرك لوحده عليه الصلاة والسلام. عمر ابن نفيل -يعني زيد ابن عمر ابن نفيل- والد سعيد ابن زيد، كان على الحنيفية، وقريش كلها على الشرك إلا أفراد منها. ماذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «يبعث أمة لوحده». ما غره كثرة الهالكين، ولا استوحش قلة السالكين، بل سار على الحق، فكان عاقبة ذلك أن يأتي يوم القيامة وحده. قال رحمه الله تعالى: وهذا المعنى، قال: «ولهذا المعنى قال العلماء: قراءة سورة قصيرة بكاملها أفضل من قراءة بعض سورة طويلة بقدر قصيرة؛ فإنه قد يخفى الارتباط على بعض الناس في بعض الأحوال». وقد روى ابن أبي داود بإسناده عن عبد الله ابن أبي الهذيل التابعي المعروف قال: «كانوا يكرهون أن يقرأوا بعض الآية ويترك بعضها». وهذا أشد أن يقرأ بعض الآية ويترك بعضها، وهذا أشد، وكونه يقرأ من السورة فيقف في مكان لا يحسن فيه الوقف، هذا أشد خطأ. قال رحمه الله تعالى: فصل في أحوال تكره فيها القراءة. قال: اعلم أن قراءة القرآن محبوبة على الإطلاق، هذا هو الأصل أن قراءة القرآن محبوبة، أي مستحبة، يحبها الله تبارك وتعالى ويثيب عليها، إلا في أحوال مخصوصة جاء الشرع بالنهي عن القراءة فيها؛ أي أن الشرع نهى عن مواطن تكره القراءة في تلك المواطن. قال: «وَأَنَا أَذْكُرُ مَا حَضَرَنِي الْآنَ مِنْهَا». مختصرة بحذف الأدلة؛ فإنها مشهورة. فتكره القراءة في حالة الركوع والسجود والتشهد وغيرها من الأحوال سوى القيام؛ أي أن القراءة في هذه المواطن مكروهة، فحال الركوع لا تشرع فيه القراءة، وحال السجود كذلك لا تشرع فيه القراءة، إنما تشرع القراءة في الصلاة في حال القيام. قال رحمه الله: وتكره قراءة ما زاد على الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية إذا سمع قراءة الإمام؛ لماذا؟ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. قال أحمد الإمام أحمد رحمه الله تعالى: هذه في الصلاة بإجماع، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا». فكما ذكر العلماء: فلا يقرأ المأموم خلف الإمام في الصلاة الجهرية إلا بسورة الفاتحة على الصحيح، فإن قرأ بشيء من القرآن فوق سورة الفاتحة فإن ذلك مكروه. قال: وكذلك تكره حالة القعود على الخلاء، وفي حال النعاس؛ أي حال القعود كما تقدم؛ لأنه موطن ينزه أن يذكر الله تبارك وتعالى فيه، ينزه أن يذكر ربنا تبارك وتعالى فيه. وكذلك وفي حال النعاس؛ لماذا؟ لأنه قد يستعجم عليه القرآن، وقد يقرأ الآية على غير وجهها. قال: وكذا إذا استعجم عليه القرآن كذلك. قال: وكذا حالة الخطبة لمن سمعها، ولا تكره لمن لم يسمعها، بل تستحب، هذا هو المختار الصحيح. وجوز طاوس كراهتها، وعن إبراهيم النخعي عدم كراهتها، فيجوز أن يجمع بين كلاميهما بما قلنا، كما ذكره أصحابنا هو الصحيح؛ إذا كان المقصود في خطبة الجمعة -وهو الظاهر في هذا السياق- فإن القراءة لا تشرع، سواء كان يسمع الخطبة أم لا؛ لأن ذلك يسبب -أقل ما يكون- التشويش لمن يسمع، قد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة». قال: ولا تكره القراءة في الطواف، هذا مذهبنا، وبه قال أكثر العلماء، وحكاه ابن المنذر عن عطاء، مجاهد، وابن المبارك، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وحكي عن الحسن البصري وعروة بن الزبير ومالك كراهة القراءة في الطواف، والصحيح الأول، وهو كما قال: فلا يكره، بل يستحب قراءة القرآن والأذكار والدعاء إلى غير ذلك في حالة الطواف؛ لأنهم من ذكر الله تبارك وتعالى. قال: وقد تقدم بيان الاختلاف في القراءة في الحمام، وفي الطريق، وفي من في ثمة نجس، قد تقدم الكلام على هذا بحمد الله. إلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.