الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 65، ألقاها
سجود التلاوة خارج الصلاة له صفة معينة وأحكام خاصة، حيث يتم بنية سجود التلاوة وتكبيرة إحرام، ويختلف عن سجود الصلاة في بعض الأحكام.
لا دليل على مشروعية التكبير في سجود التلاوة، وقد اختلف الفقهاء في حكم تكبيرة الإحرام ما بين القول بركنيتها واستحبابها.
يتم أداء سجود التلاوة بالهيئة الصحيحة للسجود مع قول الأذكار الخاصة به، وهناك آراء مختلفة حول ما يقال أثناء السجود.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى وغفر له في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: قال فصل في صفة السجود، قال رحمه الله: اعلم أن سجود التلاوة له حالان: أحدهما أن يكون خارج الصلاة، والثاني أن يكون فيها. وإذا كان كذلك، فسيكون وصف سجود التلاوة على حالين: داخل الصلاة وخارجها. قال رحمه الله تعالى: فأما الأول، فإذا أراد السجود -أي إذا كان خارج الصلاة- لكان إنسان يقرأ القرآن في بيته، في المسجد، في دكانه، فقرأ آية سجدة، فماذا يصنع؟ يقول رحمه الله تعالى: فإذا أراد سجودًا نوى سجود التلاوة، والنية محلها القلب. والنية هي قصد السجود للتلاوة، هذه النية. وليس معناها أن يحصل منه كما يحصل من بعض الجهال، تجده قبل أن يكبر للصلاة مثلًا ينتظر، ينتظر، ينتظر، ما له؟ يقول: أستحضر النية، أستحضر النية. هذا ليس باستحضار النية، محلها القلب. وكونك دخلت المسجد، توضأت لأجل الصلاة، ثم استقبلت القبلة، هذه النية للصلاة، فلا يحتاج إلى أن يقول: سأستحضر النية. فأشاهد أن معنى النية هو العزم على العمل. النية هي العزم على العمل، لأن العزم أين محله؟ محله القلب. قال رحمه الله تعالى: فإذا أراد السجود نوى سجود التلاوة، وكبر للإحرام، ورفع يديه حذو منكبيه كما يفعل في تكبيرة الإحرام للصلاة. ثم يكبر بتكبيرة أخرى للهوي إلى السجود، ولا يرفع فيها اليد. وهذه التكبيرة الثانية مستحبة، ليست بشرط كتكبيرة سجدة الصلاة. وأما التكبيرة الأولى -تكبيرة الإحرام- ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا -أي من الشافعية- أظهرها، وهو قول الأكثرين منهم: أنها ركن لا يصح السجود إلا بها. والثاني: أنها مستحبة، ولو ترك صح السجود، وهذا قول الشيخ أبي محمد الجويني. والثالث: ليست بمستحبة، والله أعلم. قال: ثم إن كان الذي يريد السجود قائمًا كبر للإحرام في حال قيامه، ثم كبر للسجود في انحطاطه إلى السجود. وإن كان جالسًا، فقد قال جماعات من أصحابنا: يستحب له أن يقوم فيكبر للإحرام قائمًا، ثم يهوي إلى السجود كما إذا كان في الابتداء قائمًا. قال: ودليل هذا القياس على الإحرام والسجود في الصلاة. قال: وممن نص على هذا وجزم به من أئمة أصحابنا الشيخ أبو محمد الجويني، والقاضي حسين، وصاحبه صاحب التتمة، وصاحب التهذيب، والإمام المحقق أبو القاسم الرفاعي. وحكاه إمام الحرمين عن والده الشيخ أبي محمد. ثم أنكره، وقال: لم أر لهذا أصلًا ولا ذكرًا. وهذا الذي قاله إمام الحرمين ظاهر، فلم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن من يقتدى به من السلف، ولا تعرض له الجمهور من أصحابنا، والله أعلم. وصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى -كما مر معنا قبلًا- أن سجود التلاوة لا يحتاج إلى شيء من المذكورات: لا إلى تكبيرة إحرام، ولا إلى تكبيرة سجود، ولا إلى تكبيرة رفع من السجود، ولا إلى شيء من ذلك. لأن سجود التلاوة عبادة، والأصل في العبادات التوقيف، ولا دليل يدل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان إذا سجد كبر -أي إذا سجد للتلاوة كبر- ولا سيما خارج صلاة، ولا سيما خارج أصلها. بل الدليل يدل على خلاف ذلك. يدل عليه ما جاء في الصحيح البخاري في قصة عمر رضي الله عنه وأرضاه حينما خطب الناس في يوم جمعة، فقرأ آية النحل السجدة التي في سورة النحل، قال: ثم نزل من على منبره فسجد، هل فيه أنه كبر فسجد؟ الجواب: ليس فيه أنه كبر فسجد. وكذلك ما جاء في الأحاديث كحديث ابن عباس، وكحديث زيد بن ثابت، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ممن حكى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم سجود التلاوة، لم يذكر أحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر فيه قط. وهذه -كما سمعتم- عبادة، والأصل في العبادة التوقيف، فلا دليل على التكبير أصلًا، فلا دليل على التكبير أصلًا لسجود التلاوة، فضلًا عن أن يكون له تكبيرة إحرام، ثم حكم تكبيرة الإحرام بأنه ركن لا تصح السجدة إلا به، إلى غير ذلك. الركنية تحتاج إلى دليل، ولا دليل. بل الاستحباب يحتاج إلى دليل لأنه حكم شرعي، ولا دليل. لذا سجود التلاوة -كما مر معنا وذكرنا الآثار في ذلك عن ابن عمر وغيره من السلف رضي الله عنهم- أنها ليست أحكامها كأحكام الصلاة أصلًا. لذا كما مر معنا أن ابن عمر وغيره من السلف كانوا ربما سجدوا وهم على غير طهارة، على غير طهارة. فدل على أن أحكام سجود التلاوة وليست كأحكام الصلاة سواء بسواء، ليست كأحكام الصلاة سواء بسواء، بل هناك فرق بينهما، بل هناك فرق بينهما. هذا هو الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى. وإنما يجر الناس إلى مثل هذه التعقيدات والتعسيرات ما يذكره المتأخرون من المتفقهة. وإلا لو نظرنا إلى كلام الأئمة السابق، رأيناهم في الأغلب الأكثر أنهم لا يخرجون عن الدليل. قال رحمه الله تعالى: ثم إذا سجد، فينبغي أن يراعي آداب السجود في الهيئة والتسبيح، وهذا أمر مطلوب. قال: أما الهيئة، فينبغي أن يضع يديه حذو منكبيه على الأرض، ويضع أصابعه وينشرها إلى جهة القبلة، ويخرجها من كمه، ويباشر بها المصلى، ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه إن كان رجلًا. فإن كانت امرأة أو خنثى لم تجافِ، ويرفع الساجد أصوله على رأسه، ويتمكن جبهته وأنفه من المصلى، ويطمئن في سجوده. وهذا -كما ذكر رحمه الله تعالى- لأن هذه سجدة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم»، وأشار إلى جبهته وأنفه، وإلى كفيه، وإلى ركبتيه، وإلى أطراف قدميه. هذه سبعة أعضاء تسمى أعضاء السجود، فلابد أن يسجد ساجد التلاوة بها، لا بد أن يسجد بها، أي أن يمكن هذه الأعضاء من الأرض. قال رحمه الله تعالى وغفر له: قال: وأما التسبيح في السجود، فقال أصحابنا: يسبح بما يسبح به في سجود الصلاة، فيقول ثلاث مرات: سبحان ربي الأعلى. قال: ثم يقول: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي الذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، تبارك الله أحسن الخالقين». قال رحمه الله تعالى: «تبارك الله أحسن الخالقين». قال: ويقول: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح». قال: فهذا كله مما يقول في سجود الصلاة، بمعنى أن الأذكار التي تقال في سجدة التلاوة هي كالأذكار التي تقال في سجدة الصلاة سواء بسواء. قال رحمه الله تعالى: قالوا: ويستحب أن يقول: «اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود عليه السلام». وهذا جاء في معنى هذا الكلام أثر، ولكنه لم يصح. قال: وهذا الدعاء خصيصة بهذه السجدة، فينبغي أن يحافظ عليه. كما سمعتم، لا يصح. قال: وذكر الأستاذ إسماعيل الضرير في تفسيره أن اختيار الشافعي رحمه الله في الدعاء في دعاء سجود التلاوة أن يقول: «سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا». قال: وهذا النقل عن الشافعي غريب جدًا، وهو حسن. فإن ظاهر القرآن يقتضي مدحًا، يقتضي مدحًا. من قال في السجود فيستحب أن يجمع بين هذه الأذكار كلها، ويدعو معها بما يريد من أمور الآخرة والدنيا. وإن اقتصر على بعضها حصل أصل التسبيح. ولو لم يسبح بشيء أصلًا حصل السجود كسجود الصلاة. وأصح أن أقل ما يكون أن يسجد أن يسبح تسبيحة واحدة. قال: ثم إذا فرغ من التسبيح والدعاء رفع رأسًا مكبرًا. وهل يفتقر إلى السلام؟ قال: في قولان منصوصان للشافعي مشهوران، أصحهما عند جمهور أصحابه أنه يفتقر لإفتقاره إلى الإحرام، ويصير كصلاة الجنازة. ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا قرأ السجدة سلم. والثاني: لا يفتقر، كسجود التلاوة في الصلاة. ولأنه لم ينقل عن نبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فعلى الأول: هل يفتقر إلى التشهد؟ يعني أنظر: لازم على لازم. فالحاصل من هذا أن سجود التلاوة -كما سمعتم- مفارق لسجود الصلاة، فلا يحتاج إلى تكبيرة إحرام، ولا إلى تسليم، ولا إلى شيء من ذلك، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.