الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 81، ألقاها
أجمع علماء المسلمين على وجوب صيانة المصحف واحترامه لكونه كلام الله. يجب تعظيم المصحف بالطرق المشروعة دون إفراط أو تفريط.
يلقي المقطع الضوء على حكم من يلقي المصحف في القاذورات عالما عامدًا ويعتبره كفرًا. يستثني من ليس عالما أو مكرهًا أو ساهيًا.
ينبغي للمسلم الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة في الأمور الدينية. تعظيم كتاب الله من أعظم القربات.
يختم المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر التأكيد على أهمية الصلاة على النبي في الختام.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصلٌ في وجوب صيانة المصحف واحترامه. قال: أجمع علماء المسلمين على وجوب صيانة المصحف واحترامه. وهذا مما لا شك فيه، أنه يجب أن يصان المصحف وأن يكرم وأن يحترم وأن يجل؛ لأنه كلام الله جل وعلا، ولأنه النور الذي أنزله الله جل وعلا على رسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فأضاء الله جل وعلا به الأرض بعد ظلمتها، وأنار الله جل وعلا به الطريقة بعد خفائها. فهو كلام الله جل وعلا المنزل الذي نزل به جبريل عليه السلام من ربنا تبارك وتعالى على نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فيجب على كل مسلمٍ أن يصون هذا الكتاب الكريم، وأن يحافظ عليه، وأن يكرمه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً بالطرق المشروعة، لا إفراط ولا تفريط. بالطرق المشروعة بأن يوضع في الأماكن المحترمة، وإذا قُرِئ أن يُقرَأ، والمسلم في قراءته له يشعر بتعظيمه وإجلاله وإكرامه وما شابه ذلك. وهذا في الحقيقة من تقوى القلوب، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. فكلما كان القلب تقيًا لله تبارك وتعالى كان معظمًا لشعائر الله، معظمًا لما جاء من عند الله تبارك وتعالى. فكيف بهذا الكتاب العظيم الذي هو من أعظم أسباب الهداية التي جعلها الله جل وعلا لعباده؟ فكما ذكر الناس في هذا الباب، بين كما يقال وسطًا. الناس في هذا الباب وسطٌ، وطرف من الناس من يغلو في تعظيم هذا القرآن حتى يخرجه عن المعنى المطلوب، وآخر ربما جفى حتى وصل إلى شيء مما ينبغي، بل يجب أن يصان به القرآن. والأمر في ذلك وسطٌ، يعظم ويجل الإجلال الشرعي، فلا إفراط ولا تفريط. والشريعة جاءت بهذا، بعدم الإفراط وعدم التفريط. قال رحمه الله تعالى: قال أصحابنا وغيرهم: ولو ألقاه مسلم في القاذورة -والعياذ بالله تعالى- صار الملقي كافرًا. أي: لو أن رجلًا مسلمًا أخذ القرآن ووضعه في القاذورات، في القمائم كما نقول، يومًا عالما عامدًا مختارًا، فإنه يكفر بذلك. لماذا؟ لأنه تنقص كتاب الله جل وعلا. وأعظم من ذلك لو وضع المصحف وداسه عالما عامدًا مختارًا، فإنه كذلك يكفر. ولا شك في كفر مثل هذا. فيكون بذلك الفعل مرتدًا كافرًا بالله العظيم؛ لأنه تنقص كتاب الله جل وعلا. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فهذا من أشد الاستهزاء بكتاب الله جل وعلا أن يوضع في القمائم، أن يوضع في الحشوش -أي في الحمامات- يلقى فيها، أو يداس، أو ما شابه ذلك. والكلام هاهنا على من كان عالما عامدًا قاصدًا لذلك. أما لو أن إنسان مثلًا رأى كتابًا ظنه ليس بمصحف، كتاب غلافه آخر، فظن أنه ليس بمصحف، أو كان ظاهره مثلًا كتاب عليه غلاف بعض العناوين التي تحارب الإسلام أو كفرية، فأخذه فألقاه في القاذورات، ثم تبين بأنه مصحف، فمثل هذا لا يكفر. لماذا؟ لأنه ليس بعالمٍ بأنه مصحف. وكذلك مسألة الاختيار أن يكون مختارًا -أي ليس بمكره- وأن يكون عامدًا -أي ليس بساهٍ، ليس بساهٍ ولا مخطئ- لا بد أن يكون الأمر كذلك. قال رحمه الله تعالى: قالوا: ويحرم توسُّده. بل توسُّد أحد كتب العلم حرام. ومعنى هذا أنه لا يجوز أن يُتَّخذ المصحف وسادة يتوسَّد عليها الإنسان إذا أراد أن ينام. لماذا حرام؟ لأن في هذا معنى من معاني الامتهان لكتاب الله جل وعلا. والواجب في كتاب الله جل وعلا أن يُصان. قال رحمه الله تعالى: ويُستحبُّ أن يقوم للمُصحف إذا قُدِمَ به عليه؛ لأن القيام مُستحبٌ للفُضَلاء من العُلَماء والأخيار، فالمُصحف أولى. وهذا فيه نظر، ويحتاج إلى دليلٍ وبرهان. فليس عندنا دليل من كتاب الله جل وعلا، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا كان هذا الفعل من أفعال الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم. ولو كان خيرًا لسبقون إليه. ولو كان هذا الفعل خيرًا لسبقون إليه. وهذا الأمر ينبغي أن نجعله أمام أعيننا فيما يُباح وما لا يُباح، وما يُستحب وما لا يُستحب. ينبغي أن ننظر إلى الأمور إلى كتاب الله جل وعلا أولًا، هل ثبت في كتاب الله جل وعلا دليل ذلك؟ فإن لم يكن، فننظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن، فننظر في أفعال وأقوال الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم. فإذا لم يكن ثم دليل من كتاب الله جل وعلا، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن عليه الصحابة الكرام، فإن الخير كل الخير في اتباعهم والاقتداء بهم -أي في اتباع الصحابة رضي الله عنهم والاقتداء بهم-. ولو كان خيرًا لسبقون إليه. فهم أسبق الناس للخير، وأحرصهم عليه، وأعلمهم به. ولو كان خيرًا لسبقون إليه. قال رحمه الله تعالى وغفر له: قال: وقد قررت دلائل استحبابي في الجزء الذي جمعته فيه. قال: وروينا في مسند الدارمي بإسناد صحيح عن ابن أبي مليكة أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه -عكرمة بن أبي جهل صحابي جليل، أسلم بعد فتح مكة، وحسن إسلامه، وابتلي بلاءً حسنًا في غزوة، أو في موقعة اليرموك والقادسية، وثبت الأبطال رضي الله عنه وأرضاه، ومات وهو يقاتل في سبيل الله جل وعلا في جماعة من الصحابة بايعوا أو تبايعوا على الموت، فماتوا رضي الله عنهم ورحمهم الله في تلك الموقعة- قال: «كان يضع المصحف على وجهه ويقول: كتاب ربي، كتاب ربي». وهذا من إجلالهم رضي الله عنه وأرضاه لكتاب الله جل وعلا. على أن هذا الأثر من طريق ابن أبي مليكة عن عكرمة بن أبي جهل، وهو لم يسمع منه، فالإسناد إليه منقطع. فالحاصل أنه ينبغي للمسلم المعظم لربه جل وعلا في قلبه أن يعظم كتاب الله جل وعلا الذي هو صفة من صفات الله جل وعلا، أن يكرمه وأن يعظمه وأن يصونه، وأن يقوم بحقوقه من جميع نواحيها. وهذه الأفعال التي يفعلها من أعظم القرب التي يتقرب بها إلى ربه تبارك وتعالى. فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا جميعًا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.