الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 54، ألقاها
الجمع بين سور في ركعة واحدة جائز، مستدلاً بحديث عبد الله بن مسعود. يُعتبر من آداب حملة القرآن.
يستحب الجهر في صلاة الفجر والجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء، بينما يُسر في الصلوات النهارية وصلاة الجنازة.
اختلف العلماء في حكم الجهر والإسرار في نوافل الليل، ويُعتبر وقت القضاء في تحديد الجهر أو الإسرار.
ذهب بعض أهل العلم إلى ضرورة تحريك اللسان والشفتين مع خروج صوت أثناء القراءة، واختلفوا في إسماع النفس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: فصلٌ في الجمع بين السور في ركعة. قال: لا بأس بالجمع بين سور في ركعة واحدة، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن»، فذكر عشرين سورة من المفصل، كل سورتين في ركعة. قال: وقد قدمنا عن جماعة من السلف قراءة الختمة في ركعة. الشاهد في هذه مسألة كذلك مسائل العلم ومن آداب حملة القرآن، وهي: هل يشرع الجمع بين السورتين في ركعة الواحدة؟ بمعنى: من قرأ سورة الفاتحة، هل له أن يقرأ السورتين بعدها؟ أم أنه يقتصر على سورة واحدة؟ كما ذكر رحمه الله تعالى أن الجمع بين السورتين قد فعله نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. وقد جاء مفسرًا في سنن أبي داود، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النظائر: السورتين في ركعة؛ الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى على الإنسان وهل أتى، ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعما يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان والشمس إذا كورت في ركعة. فهذا يدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، بل يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «أنه ما عرف النظائر إلا من قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها»، فدل هذا على مشروعية القراءة بها. قال رحمه الله تعالى: وكذلك الشيء بالشيء يذكر، ويشرع كذلك للإنسان أن يقرأ السورة في القرآن -يعني السورة من القرآن- في الركعة الأولى، سواء أكمل السورة أو ما أكملها. وإذا قرأ مثلًا في السورة أو في الركعة الأولى سورة ما أكملها، هل يجب عليه أن يكملها في الركعة الثانية؟ الجواب: لا، له أن يقرأ سورة أخرى. مثال: لو أن إنسانًا قرأ في الركعة الأولى من سورة البقرة، فهل يجب عليه في الركعة الثانية أن يكمل من حيث ابتدأ؟ الجواب: لا، له أن يقرأ من حيث شاء. وقد تقدم لنا أمثلة تدل على هذا المعنى من فعله صلى الله عليه وسلم، وكذلك من فعل صحابته رضي الله عنهم أجمعين. قال رحمه الله تعالى: فصل في الجهر والإسرار بالقراءة في الصلاة. قال: أجمع المسلمون على استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الصبح -أي في صلاة الفجر- يستحب الجهر بالقراءة. قال: وفي صلاة الصبح والجمعة والعيدين والأوليين من المغرب والعشاء، وفي صلاة التراويح والوتر عقبها، وهذا مستحب للإمام والمنفرد بما ينفرد به منها. قال: وأما المأموم فلا يجهر بالإجماع -أي لا يجهر في هذه المواطن بالإجماع- بل يقرأ سرًا. قال: ويسن الجهر في صلاة كسوف القمر، ولا يجهر في كسوف الشمس. والصحيح أنه يجهر كذلك في صلاة كسوف الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وجهر بالقراءة، كما جاءت أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى، بل وأطال القراءة جدًا، كما جاءت الأحاديث في حديث عائشة وحديث ابن عباس وحديث أنس، إلى غيره من الصحابة رضي الله عنهم وأرضًا ممن وصف صلاة الكسوف التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ويجهر في الاستسقاء -أي في صلاة الاستسقاء- كذلك يسن الجهر. قال: ولا يجهر في الجنازة إذا صليت بالنهار، وكذا بالليل على المذهب الصحيح المختار، وهو كما قال: فصلاة الجنازة لا يسن لها الجهر. فإن قال قائل: فقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى على جنازة فجهر بسورة الفاتحة. أجاب عن هذا الأئمة رحمهم الله تعالى -كالإمام أحمد بن حنبل وغيره- بأن ذلك من ابن عباس رضي الله عنهما على سبيل التعليم، لا على سبيل البيان. قال رحمه الله تعالى: ولا يجهر في نوافل النهار غير ما ذكرناه من العيدين والاستسقاء وما تقدم كذلك من كسوف الشمس. قال: واختلف أصحابنا في نوافل الليل، فالأظهر أنه لا يجهر، والثاني: يجهر، والثالث -وهو اختيار البغوي- يقرأ بين الجهر والإسرار في نوافل الليل -أي التي تكون غير الرواتب- هل الأفضل أن يجهر أو الأفضل أن يسر أو أن يقرأ قراءة وسطى؟ ذكر رحمه الله تعالى أقوالًا ثلاثة. والأظهر -والله أعلى وأعلم- أن الصلوات النهارية أن الأصل فيها الإسرار، والأصل في الصلوات الليلية هو الجهر، والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: ولو فاتته صلاة بالليل فقضاها بالنهار، أو بالنهار فقضاها بالليل، فليعتبر في الجهر والإسرار وقت الفوات أم وقت القضاء؟ في وجهان، أظهرهما الاعتبار بوقت القضاء. ولو جهر -يعني يقول رحمه الله تعالى: لو أن إنسانًا مثلًا نسي أو نام عن صلاة نهارية، مثلًا نام عن صلاة العصر، ما استيقظ إلا بعد صلاة المغرب، أو في وقت صلاة المغرب، فهل يصليها ويجهر؟ أم أنه يصليها على وصفها؟ الأظهر -والله أعلى وأعلم- الثاني: أنه يصليها على وصفها، يصليها على وصفها، فإن كانت جهرية جهَر، وإن كانت سرية أسر؛ لأنه ماذا؟ لأنه إما أن يكون أداءً على القول بأنه نام أو نسي فوقتها حين يذكرها، أو أنه قضاء، والقضاء الأصل فيه أن تفعل العبادة على أصلها، وأن يرجع فيها إلى وصفها الأصلين، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: ولو جهر في موضع الإسرار أو أسر في موضع الجهر، فصلاته صحيحة، ولكنه ارتكب المكروه، ولا يسجد للسهو. وهذا واضح، لو أن إنسانًا في الليل أسر، أو أنه في النهار جهر بالقراءة، فما حكم صلاته؟ يعني لو أن إنسانًا صلاة الظهر جهر بالقراءة، ما حكم صلاته؟ أو أن إنسانًا في الليل أسر في الركعتين الأوليين، ما حكم صلاته؟ الصلاة صحيحة، ولكنه خلاف السنة، أي ذلك الفعل. قال: وعلم أن الإسرار في القراءة والتكبيرات وغيرهما من الأذكار هو أن يقول بحيث يسمع نفسه، ولا بد من نطقه بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ولا عارض له. فإن لم يسمع لم تصح. فإن لم يسمع لم تصح قراءته، ولا غيرها من الأذكار بلا خلاف. بمعنى: الصلاة السرية، ما هو المعتبر فيها؟ هل معنى أن يطبق شفتيه، وأن لا يحرك لسانه، ويبقى يقرأ دون أن يحرك اللسان، ولا أن يحرك الشفتين؟ كما ذكر النووي رحمه الله تعالى أن المعتبر في ذلك أن يقرأ قراءة أقل أحوالها أن يسمع نفسه. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المعتبر أن يحرك اللسان مع الشفتين، مع خروج صوت، أي شيء من الصوت الذي به يكون اللفظ؛ إذ أن حقيقة الكلام هو لفظ مفيد، فلابد من حركة لسان وحركة شفتين في أثناء القراءة حتى تكون معتبرة. فإن أسمع نفسه فحسن، وبعض قال: واجب، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.