التبيان في آداب حملة القرآن 38

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 38، ألقاها

مقدمة وتوطئة في آداب قراءة القرآن

يبدأ الحديث حول آداب قراءة القرآن والخشوع أثناء التلاوة، مع التأكيد على استقبال القبلة والجلوس بخشوع. يُستحب للقارئ أن يكون في حالة من الوقار والخشوع أثناء القراءة.

أحكام قراءة القرآن والتعوذ والبسملة

يتناول المقطع أحكام قراءة القرآن في مختلف الأوضاع، واستحباب التعوذ قبل القراءة، مع توضيح صيغته وأحكام البسملة في بداية السور، مع الإشارة إلى آراء العلماء.

تدبر القرآن والخشوع عند القراءة وتأثيره

يناقش الإمام النووي أهمية تدبر القرآن والخشوع أثناء القراءة، ويستشهد بآيات قرآنية وأقوال السلف الصالح، مشيرًا إلى تأثير التدبر على القلوب حتى يصل إلى البكاء أو الإغماء.

الدعاء والصلاة على النبي كتمهيد للموضوع

يبدأ المقطع بدعاء الله تعالى بالتوفيق والحماية من الشرور، ثم يصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويُعتبر تمهيدًا أو مقدمة لما سيأتي بعدها من حديث أو موضوع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النحوي رحمه الله تعالى في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: فصل في استقبال القبلة وكيفية الجلوس لقراءة القرآن. قال: ويستحب للقارئ في غير الصلاة أن يستقبل القبلة، فقد جاء في الحديث: «خير المجالس ما استقبل به القبلة»، وهذا الحديث ضعيف، رواه الحاكم والطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو ضعيف. قال: ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار، مطرقًا رأسه، ويكون جلوسه وحده؛ لتحسين أدبه وخضوعه، كجلوسه بين يدي معلمه، فهذا هو الأكمل. ولو قرأ قائمًا أو مضجعًا أو في فراشه أو على غير ذلك من أحوال جاز، وله أجر، ولكن دون الأول. ما ذكره رحمه الله تعالى من التأدب في الجلسة والاستحضار، وكذلك ما يكون فيه معنى تدبر والخشوع والخضوع وما شابه ذلك عند تلاوة كتاب الله تبارك وتعالى، هذا أمر مطلوب؛ لأن الله جل وعلا أمر بتدبر القرآن، وكذلك ذكر من أحوال عباد الله تبارك وتعالى من أهل العلم أنه إذا قرئ عليهم القرآن يخرون إلى أدبار سجد، فهذا فيه معنى من معاني الخشوع، وكذلك الخضوع والتعظيم لكلام الله جل وعلا. وأما استحباب استقبال القبلة، فالحديث لم يثبت، والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل. قال رحمه الله تعالى: قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، أي: شاهد من آية أنه يجوز قراءة القرآن على أي حالة: قائمًا، قاعدًا، على جنب. قال: وثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجرِي وأنا حائض، فيقرأ القرآن»، رواه البخاري ومسلم، وفي رواية: «يقرأ ورأسه في حجري»، أشاهد منه أنه كان يقرأ القرآن صلى الله عليه وسلم على هذه الحالة. قال: وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «إني لأقرأ القرآن في صلاة، وأقرأ على فراشي»، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «إني لأقرأ حزبي وأنا مضجعة على السرير». وهذا كله يدل على جواز القراءة مضجعًا، كما أنه يجوز قاعدًا وقائمًا. قال رحمه الله تعالى: فصل في استحباب الاستعاذة. قال: فإذا أراد الشروع في القراءة استعاذ بالله، فقال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، هكذا قال الجمهور من العلماء. وقال بعض السلف: يتعوذ بعد القراءة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، فتقدير الآية عند الجمهور: إذا أردت القراءة فاستعذ بالله. قال: ثم صفة التعوذ كما ذكرناه: أي «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». قال: وكان جماعات من السلف يقولون: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»، ولا بأس بهذا. قال: ثم إن التعوذ مستحب، ليس بواجب، وهو مستحب لكل قارٍ، سواء كان في الصلاة أو غيرها. قال رحمه الله تعالى: ويستحب في الصلاة في كل ركعة، على الصحيح من الوجهين عند أصحابنا، أي: عند الشافعية. قال: والوجه الثاني: إنما يستحب في الركعة الأولى، وهو الأظهر من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى. قال: فإن تركه في الأولى أتى به في الثانية. ويستحب التعوذ في التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة، على أصح الوجهين. التعوذ: أي بعد التكبير، قبل أن يقرأ الفاتحة، أي: في صلاة الجنازة، وفي غيرها من الصلوات التي تقرأ فيها الفاتحة. قال رحمه الله تعالى: فصل في المحافظة على البسملة. قال: وينبغي أن يحافظ على قراءة «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول كل سورة، سوى براءة؛ فإن أكثر العلماء قالوا: إنها آية حيث كتبت في المصحف. قال: وإذا أخل بالبسملة التي كان تاركًا لبعض القرآن عند الأكثرين، فإن كانت القراءة في وظيفة عليها جعل، كالأسباع، أي: قراءة القرآن وتقسيم القرآن إلى سبعة أجزاء، والأجزاء التي عليها أوقاف أو أرزاق، فكان الاعتناء بالبسملة ليتأكد قراءة الختمة؛ فإنه إن تركها لم يستحق شيئًا من الوقف عند من يقول: البسملة من أوائل السور. قال: وهذه دقيقة نفيسة، يتأكد الاعتناء بها وإشاعتها. هذه المسألة ينبني عليها الإمام النووي رحمه الله تعالى، وهي أن من قال بأن البسملة آية من كل سورة، فمن قال لإنسان: اقرأ المصحف من أوله إلى آخره وسأعطيك كذا وكذا، يقول: إذا لم يقرأ البسملة له، فإنه أخل بالشرط، فلا يستحق ذلك الجعل. قال رحمه الله تعالى: فصل في تدبر القرآن والخشوع عند القراءة. قال: فإذا شرع في القراءة، فليكن شأنه الخشوع، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر، وأشهر وأظهر من أن تذكر، فهو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب. قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، والآيات فيه كثيرة، وأقوال السلف فيه مشهورة. قال: وقد بات جماعة من السلف يتلون آية واحدة، يتدبرونها ويرددونها إلى الصبح، كما ثبت عن جماعة منهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ثبت هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما، يقول طاووس أو غيره ممن صاحب ابن عباس رضي الله عنهما في سفر، قال: قام ابن عباس ليلة يقرأ القرآن، فقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، يقول هذا الراوي: فجعل يكررها حتى فلق الصبح. قال رحمه الله تعالى: وقد صعق جماعات من السلف عند القراءة، ومات جماعات منهم حال القراءة، وهذا أيضًا مشهور في ذلك كثير. قال: وكان أحمد بن أبي الحواري رضي الله عنه -وهو ريحانة الشام كما قال أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى- إذا قرئ عنده القرآن يصيح ويصرع. قال: قلت: والصواب عدم الإنكار إلا على من اعترف بأنه يفعله تصنعًا. معنى هذا: أن الإنسان ينبغي له أن لا يؤثر ذلك، لكن إذا غلبه هذا الأمر، فهذا أمر آخر. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ويسمع له صدره أزيز كأزيز المرجل. قال رحمه الله تعالى: وقال سيد الجليل صاحب العلوم والمعارف إبراهيم الخواص رضي الله عنه -وهو من المتصوفة- وكذلك ابن أبي الحواري قال: دواء القلوب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين. أسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يوفقنا لكل خير، وأن يدفع عنا كل شر وضير، صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على