الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 23، ألقاها
يناقش الإمام الطحاوي قول 'ولا يكون إلا ما يريد' كرد على القدرية والمعتزلة، ويوضح موقف أهل السنة من الإرادة الإلهية. يُبين أن الله يريد المعاصي قدرًا ولا يحبها شرعًا.
يشرح الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، حيث تتعلق الأولى بمشيئة الله في الكون والأحداث، والثانية بما يحبه الله ويرضاه شرعًا. يُوضح أن الإرادتين قد تلتقيان أو تفترقان.
يناقش الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية في أفعال العباد، ويبين أن الأمر الشرعي لا يستلزم الإعانة الكونية، وأن الله يعلم من يستحق الهداية ويعينه عليها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «قوله: ولا يكون إلا ما يريد». قوله رحمه الله تعالى: «ولا يكون إلا ما يريد»، بمعنى: لا يكون، أي: لا يقع أو لا يحصل أو لا يوجد إلا ما يريد، فكان هاهنا تامة، كان هاهنا تامة وليست بناقصة. معنى هذا أنه لا يكون، أي: لا يوجد في الكون ولا يقع في الكون إلا ما أراده الله جل وعلى. قال الشارح رحمه الله: «هذا رد لقول القدرية والمعتزلة». والقدرية هم نفاة القدر، وسيأتي بإذن الله جل وعلا في كلام الشارح إشارة إلى هذا. قال: «والمعتزلة وسمي المعتزلة معتزلة؛ وذلك لأن واصل بن عطاء كان في حلقة الحسن البصري رحمه الله تعالى، فجاء سائل يسأل الحسن البصري عن الرجل يقع في الكبيرة، أمؤمن هو أو كافر؟ فانبرى لها واصل بن عطاء، فقال: لا مؤمن ولا كافر، بل هو بمنزلة بين منزلتين. ثم انعزل عن حلقة الحسن وانضم إليه آخرون، فسمي أولئك بالمعتزلة؛ لأنهم انعزلوا عن حلقة الحسن البصري». والمعتزلة في باب الأسماء والصفات معطلة جهمية، وفي باب القضاء والقدر قدرية، وفي باب الوعد والوعيد وعيدية. وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا تفاصيل ذلك في أثناء هذا الشرح بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «هذا رد لقول القدرية والمعتزلة»، أي: في قول الإمام الطحاوي: «ولا يكون إلا ما يريد»، أي: لا يقع في الوجود إلا ما أراده الله جل وعلا. قال: «هذا رد لقول القدرية والمعتزلة؛ فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم، والكافر أراد الكفر». بمعنى: فوقع مراد الكافر دون أن يقع مراد الله جل وعلا. الله أراد من الناس كلهم ماذا؟ الإيمان، والكافر أراد الكفر، فغلبت إرادة الكافر إرادة الله جل وعلا على قول هؤلاء. بل قال هؤلاء: بأن الرب جل وعلا ليس له قدرة ولا إرادة ولا مشيئة ولا فعل على العبد، بل العبد يفعل ما يشاء، إن فعل خيرًا وجب على الله جل وعلا أن يثيبه، وإن فعل شرًا وجب على الله جل وعلا أن يعاقبه على ذلك الفعل. قال: «وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة والمعقول الصحيح». مخالفة الكتاب والسنة سيأتي أدلة الكتاب والسنة على بيان أن العبد لا يفعل إلا ما أراد الله. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ۞ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۞ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۞ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، إلى غير ذلك من آيات تدل على أن الله جل وعلا إذا أراد بالعبد شيئًا كونًا وقع، ولا محالة وقع. فيه إثبات إرادة الله جل وعلا ومشيئته في العبد. قال رحمه الله تعالى: «مخالفته الكتاب والسنة والمعقول الصحيح»، قال: «وهي مسألة القدر المشهورة». قال: «وسيأتي لها مزيد بيان إن شاء الله تعالى». سيأتي لها مزيد بيان؛ لأن الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى فرق مسألة القدر في ثنايا الكتاب، لذا كذلك فرق الشارح رحمه الله تعالى الكلام على مسائل القدر في ثنايا الكتاب، تبعًا للمؤلف، تبعًا للمصنف. قال رحمه الله تعالى: «وسموا قدرية لإنكارهم القدر». قال: «وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضًا، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب». معنى هذا أن القدرية على قسمين: معنى هذا أن القدرية قسمان: نفاة وغُلاة. النفاة هم نفاة القدر المنكرون للقدر، ومنهم المعتزلة: معتزلة قدرية. وقدرية غُلاة، أي: غُلاة في إثبات القدر، وهم الجبرية، وهم جبرية. كما سيأتي معنى ذلك بإذن الله جل وعلا، والشارح رحمه الله تعالى كما ذكر. قال: «والتسمية على الطائفة الأولى أغلب»، يعني: إذا أطلق القدرية فإنه يراد بهم النفاة، بينما الطائفة الأخرى الذين هم الغُلاة يقال لهم جبرية. فإن قال لنا قائل: فلماذا سمي النفاة قدرية مع أنهم ينفون القدر، وسمي الآخرون جبرية مع أنهم يغلون في إثبات القدر؟ مع أن الأولى أن ينسب الإنسان إلى وصف قد غل فيه أو عرث به؟ الجواب عن ذلك ما ذكره الإمام ابن قتيبة رحمه الله تعالى بعد أن ذكر هذا الإشكال، قال: «والجواب عن هذا أن القدرية نفوا القدر عن الله جل وعلا وأثبتوه لأنفسهم». نفوا القدر عن الله عز وجل وأثبتوه لماذا؟ لأنفسهم، فكان نسبة القدر إليهم أولى؛ لأنهم نفوا القدر عن الله ونسبوا القدر إلى من؟ إلى أنفسهم، فهم قدرية؛ لأنهم ينسبون القدر إليهم، لا ينسبون القدر إلى الله رب العالمين. بخلاف الطائفة الأخرى الجبرية؛ فإنهم وإن غلوا في إثبات القدر لله جل وعلا، ولكنهم يقولون بأن العبد مجبور، ليس له إرادة، وليس له قدرة، وليس له مشيئة. لذا سموا أو سمي أولئك بأنهم جبرية؛ لأنهم يقولون بالجبر، يقولون بأن العبد حاله مع المرادات كحال القلب كنبضات القلب، هل للعبد قدرة أو إرادة في نبضات القلب؟ ليس له قدرة، قلب ينبض من غير إرادة ولا قدرة، فكذلك العبد ليس له إرادة ولا قدرة، ولكنه كما قيل: هو كالشجرة في مهب الريح، يحركها أو تحركها الريح كيف شاءت. قوله رحمه الله تعالى: «أما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها». قال: «وهذا قول السلف قاطبة». هل السنة والجماعة يقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا - المعاصي يريدها الله جل وعلا قدرًا - قال: «فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها»، أي: يريدها قدرًا فوقعت بإرادة الله، ولا يريدها شرعًا؛ لماذا؟ لأنه لا يحبها ولا يرضاها، لذا قال: «بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها». قال الله جل وعلا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾، فكره الله جل وعلا لعباده ما هو مكروه له، وحبب إليهم ما هو محبوب له. قال: «وهذا قول السلف قاطبة». والقدرية كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى ظهرت هذه الطائفة في أواخر عصر الصحابة، في عهد صغار الصحابة. وقصة ابن عمر في أول حديث ذكره الإمام مسلم رحمه الله تعالى معلوم مشهور، حينما جاءه معبد يحيى بن يعمر وغيره يسألانه عن القدر، وذكروا أن أناسًا عندهم في البصرة يزعمون أن الأمر أنف. ومعنى أن الأمر أنف، أي: أن الأمر مستأنف، ومعنى الأمر مستأنف: أن الله جل وعلا لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، أما قبل وقوعها فإن الله جل وعلا لا يعلمها. فحدث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه بما سمعه من أبيه عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وساق له حديث جبريل بعد أن قال: «والله لا يؤمنوا حتى يؤمنوا بالقدر». بعد أن قال له: «كذلك أخبرهم بأني منهم براء، وأنهم مني براء، والله لا يؤمنوا أحدهم حتى يؤمن بالقدر». سمعت عمر بن الخطاب يقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذكر حديث جبريل الذي فيه السؤال عن الإسلام والإيمان والإحسان -». وذكر بعضهم أن أول من عرف عنه القول بالقضاء والقدر معبد الجهني في البصرة. وبعضهم ذكر أن سبب قول القدرية بالقدر هو قول الجبرية بالجبر، والجبر أشد بعدًا عن الإسلام من القدر. الجبرية أشد بدعتهم أشد من بدعة القدرية؛ وذلك لأن القدرية أوقعهم في القدر تعظيمهم للشرع، بينما الجبرية أوقعهم في الجبر؛ لأنهم استهانوا بالشرع، فغلوا في إثبات القدر على حساب التهاون في الشرع. لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى - كما في منهاج السنة -: «والقدرية المحتجون بالقدر على المعاصي شر من القدرية المكذبين بالقدر». قال: «وهم أعداء الملل». من هم أعداء الملل؟ الجبرية. قال: «وأكثر ما أوقع الناس بالتكذيب بالقدر الاحتجاج به». أي: أن الجبرية لماذا تشرب الخمر؟ قالوا: قدر الله علينا ذلك، لماذا تقع في الزنا؟ قالوا: قدر الله علينا ذلك، لماذا تفعل كذا وكذا؟ قالوا: قدر الله علينا ذلك. فجاء للطائفة الأخرى نفي القدر، تقول: مستحيل أن الله جل وعلا يقدر هذا، والله جل وعلا أمر بطاعته ونهى عن معصيته في الشرع المحكم الواضح المبين، فعظموا الشرع على حساب القدر. والآخرون أو الأولون الذين هم جبرية غلوا في القدر على حساب التهاون في الشرع. قال الشارح رحمه الله: «فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن». أي: أن السلف رضي الله عنهم وأرضاهم يقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ومعنى ما شاء الله كان، أي: ما شاء الله وقع ووجد وحصل، وما لم يشأ كان هاهنا كذلك تامة. قال: «ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كان واجبًا أو مستحبًا». ولو قال: «إن أحب الله»، حنث إذا كان واجبًا أو مستحبًا. الآن ذكر الشارح رحمه الله تعالى دليلًا وبرهانًا من كلام الفقهاء رحمهم الله تعالى، فيه بيان في التفريق بين الإرادة الكونية التي هي مرادفة للمشيئة، والإرادة الشرعية التي هي مرادفة للمحبة. فيقول رحمه الله: بأن الفقهاء يقولون: فيه الحالف إذا قال: والله إن شاء الله لأفعلن كذا - من الأمور الواجبة أو المستحبة - إن لم يفعله، هل عليه كفارة يمين؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه علق حلفه بالمشيئة، فكأنه يقول: لو شاء الله جل وعلا أن يفعله، ولفعله، فلما لم يفعله، دل على أن الله جل وعلا لم يشأ أن يفعله، فلم يحنث؛ لأنه إذا شاء لوقع، فلما لم يقع، دل على أن الله جل وعلا لم يشأ ذلك الفعل. لكن إذا قال: «إن أحب الله والله إن أحب الله أن أفعل كذا وكذا» - من أمر واجب أو مستحب - ثم لم يفعله، فإنه يحنث؛ لأنه علق الحكم بما يحبه الله، وهل يحب الله جل وعلا الطاعات، فعل الطاعة؟ يحبها، وقد تقع وقد لا تقع، فإن لم يفعله أو إن لم يفعل ذلك المحلوف به، حنث؛ بخلاف المشيئة، إن لم يفعل فإنه لا يحنث. فإذا هناك فرق بين الإرادة والمحبة، ومعنى حنث: أي أثم. قال رحمه الله تعالى: «والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان». وانتبه إلى قوله رحمه الله تعالى: «والمحققون من أهل السنة»، ففيه إشارة إلى أنه قد يوجد في كلام أهل السنة والجماعة بعض أهل السنة والجماعة إطلاقات لإرادة، وأما المحققون منهم فإنهم يفصلون ويجعلون الإرادة على قسمين. قال: «الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خلقية»، وقوله: «إرادة قدرية كونية خلقية» هذه ألفاظ مترادفة لمعنى واحد. وقوله: «وإرادة دينية أمرية شرعية» كذلك هذه ألفاظ مترادفة لمعنى واحد. إذن الإرادة على كم قسم؟ أو على كم نوع؟ نوعان: إرادة كونية وإرادة شرعية. قال: «فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضاء، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات». قد يقول قائل: فكيف نميز بين هذه وتلك في نصوص الكتاب والسنة؟ ذكر بعض أهل العلم طريقة بواسطتها نستطيع أن نميز بها، نجعل بدل لفظ «أراد» لفظ «شاء» أو «أحب». إذا كان لفظ «شاء» استقام به المعنى، تكون إرادة ماذا؟ هنا كونية. وإن كان محله «أحب» تكون إرادة ماذا؟ شرعية. وإن احتمل الأمران، كان ماذا؟ إرادة كونية شرعية. ومنه هنا نعلم أن الإرادة الشرعية والكونية قد تلتقيان، وقد تفترقان، وقد تنعدمان. فالقسم رباعي: إما أن توجد الإرادة الشرعية والكونية معًا، وإما أن توجد الإرادة الكونية دون الشرعية، وإما أن توجد الإرادة الشرعية دون الكونية، وإما أن لا توجد لا هذه ولا تلك. مثال الأول: وجود الإرادة الكونية والشرعية معًا: إيمان المؤمن، إذا آمن المؤمن، فإيمان المؤمن قد وقع، وهل يحب الله جل وعلا الإيمان من المؤمن؟ يحبه، إذن في إيمان المؤمن يثبت عندنا ماذا؟ الإرادة الشرعية والإرادة الكونية: الشرعية؛ لأن الله يحبها، والكونية؛ لأنها وقعت. طيب وقد تنفرد الإرادة الكونية عن الشرعية، مثاله: كفر الكافر، هل يحب الله جل وعلا كفر الكافر؟ لا يحبه، إذن ليست إرادة شرعية، هل وقع الكفر من الكافر؟ وقع، إذن إرادة ماذا؟ كونية. والحالة الثالثة: إرادة شرعية وليست بكونية: إيمان الكافر، نطبق: هل يحب الله جل وعلا من الكافر أن يؤمن؟ يحب، إذن إرادة إيش؟ شرعية، طيب هل وقع ذلك؟ لم يقع، فهو إرادة إيش؟ شرعية وليست بكونية. وكفر المؤمن هذا القسم الرابع أو النوع الرابع: كفر المؤمن، هل يحبه الله جل وعلا؟ لا يحبه، هل وقع؟ لم يقع، إذا ليس بإرادة شرعية ولا إرادة كونية. فإذن الإرادة الشرعية والكونية قد توجدان معًا، وقد تنفرد إحداهما عن الأخرى، وقد تنعدمان معًا. القسمة رباعية في هذا الباب. قال رحمه الله: «وهذا كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۞ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾». الآن نطبق ماذا؟ كما قبله في قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾، هل إرادة شرعية أو كونية؟ نجعل مكان «يريد» «يشاء»، فمن يشاء الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، هل كلام مستقيم؟ مستقيم، طيب «فمن يريد الله» نجعل مكانه «يحب»، فمن يحب الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، هذا ممكن، إذن إرادة ها هنا ممكن أن تكون إرادة شرعية كونية. وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، قوله: «ومن يرد أن يضله»، هل نجعل الآن هنا «يحب»؟ ومن يحب أن يضله، هل ممكن هذا؟ ليس بممكن، طيب نجعل مكانه «يشاء»، ومن يشاء أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا، هل هذا ممكن؟ إذن الإرادة ها هنا ما هي؟ كونية. فنستطيع أن نميز بين الإرادة الكونية والشرعية بأن نضع مكان الإرادة لفظ «يحب» للشرعية، فإن قبل علمنا بأنها شرعية، ونضع كذلك «يشاء»، فإن قبل علمنا بأنها كونية. قال رحمه الله: «وقوله تعالى عن نوح عليه السلام: ﴿وَلَيَنْفَعَنَّكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾». عند من هذا «يريد»؟ هاهنا اجعل مكانها «إيش» أو «إيش» حتى تعرف؟ إن أراد، إن كان الله يريد، إن كان الله يريد أن يغويكم، لماذا؟ كونية؛ لأن «يحب» لا يناسب أن يقول: «يحب»، ولكن يناسب أن يقول: «إيش»؟ «يشاء» أن يغويكم أحسن. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، هيا شرعية أو كونية؟ هنا عندك كونية؛ لأنه في سياق الآية يفعل، والفعل يدل على ماذا؟ على الوقوع. قال رحمه الله تعالى: «وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية فكقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا، يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا». كما ترون أنه إذا وضعنا مكانه «يحب» استقام المعنى، يعني في الآية الأخرى في قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ وَيَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يحتمل أن يكون الأظهر فيها أن تكون بمعنى المشيئة، يريدها هنا تكون بمعنى المشيئة. قال رحمه الله: «وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية فكقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾». فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح: «هذا يفعل ما لا يريده الله»، أي: لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به. قالوا: «أما الإرادة الكونية فهي الإرادة المذكورة في قول المسلمين: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن». وقد جاء في هذا المعنى في قول: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن»، جاء في هذا حديث، جاء في مسند أحمد من حديث أبي الدرداء، الزيد بن ثابت، ذكر هذه اللفظة في حديث طويل، ولكن الحديث من طريق ضمرة بن حبيب عن أبي الدرداء، وهو لم يسمع من أبي الدرداء، وكذلك فيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو الضعيف، فالحديث قد جاء بنحو هذا المعنى، ولكنه لا يصح لهاتين العلتين: أبو بكر بن أبي مريم ضعيف، والانقطاع بين ضمرة بن حبيب وبين أبي الدرداء، فلا يصح، لكن المعنى صحيح. قالوا: «والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل وبين إرادته من غيره أن يفعل». يعني الآن ننتبه لهذه المسألة، وهي مسألة فيها دقة، فننتبه لها، يقول الشارح رحمه الله: «والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل وبين إرادته من غيره أن يفعل». الآن يا جماعة نضرب المثال بالمخلوق، فرق بين أنا أريد أن أفعل شيئًا وبين أن أريد من غيري أن يفعل. فإذا أراد الله جل وعلا من الغير أن يفعل، هل إرادة ها هنا شرعية أو كونية؟ شرعية؛ لماذا؟ لأن بابها الأمر؛ افعل. فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلًا، فهذه الإرادة معلقة بفعله، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلًا، فهذه الإرادة لفعل الغير. وفرق بين إرادة لفعله وإرادة لفعل الغير؛ لماذا؟ لأن الإرادة لفعله إرادة كونية، وإرادة لفعل الغير أن يفعل إرادة شرعية. قال: «وكل النوعين معقول للناس». كلا النوعين معقول للناس، أي: هذا معقول للناس، أو غير معقول للناس في واقع الناس؟ معقول. قال: «والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى». الأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى؛ لأن الثانية مناطها ماذا؟ مناطها الأمر الشرعي، والأولى مناطها المشيئة. إذا أراد أن يفعل، فعل، إذا شاء أن يفعل، فعل. قال: «فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد إعانة المأمور على ما أمر به، وقد لا يريد ذلك، وإن كان مريدًا منه فعله أي شرعًا». نعيد هذه العبارة وتتأمل معنا، يقول الشارح رحمه الله: «فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر - ها هنا الإرادة شرعية أو كونية؟ شرعية - إذا أمر». أنتم اجعلوا في رؤوسكم: إذا قال: «أمر»، إرادة شرعية، واضح، إذا قال: «فعل»، إرادة كونية، أو «شاء»، إرادة كونية. فيقول: «فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد - أي: قد يريد الله جل وعلا - إعانة المأمور على ما أمر به، وقد لا يريد ذلك»، ممكن هذا؟ ممكن. قال: «وإن كان مريدًا منه فعله - أي: شرعًا -». هذا متصور الآن أم لا؟ نعطي مثالًا: الله جل وعلا ألم يأمر أبا جهل بالإسلام؟ أمره، هل أراد منه الإسلام شرعًا بذلك الأمر؟ أراد منه الإسلام، طيب هل أعانه على الإسلام؟ لا، واضح؛ مع أن الله أراد منه شرعًا أن يؤمن، ولكنه لم يعنه؛ لماذا؟ لأن باب الإعانة هي مناط ماذا؟ مناط الإرادة كونية. مناط الإعانة مرجعها إلى إيش؟ الإرادة كونية؛ لماذا؟ لأننا نجعل في رؤوسنا الإرادة الكونية تمام؟ مدارها على الربوبية، مدارها على ماذا؟ على الربوبية: على خلق الله، على فعل الله، على إيجاد الله، على عون الله، هذا كله ماذا؟ مداره على فعل الله، مداره على الفعل، وفعل الله جل وعلا من ماذا؟ من توحيد إيش؟ ربوبية. والإرادة الشرعية مناطها مدارها على إيش؟ على الألوهية، الشرعية مناطها على إيش ومدارها على إيش؟ على الألوهية: الألوهية أن يأمر الله جل وعلا العباد بأن يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه. الآن كما مثلنا في أبي جهل: الله جل وعلا أمر أبا جهل بالإسلام، هل أراد منه الإسلام شرعًا؟ أراد منه الإسلام شرعًا، هل آمن؟ لم يؤمن، هل أعانه؟ لم يعنه. فالآن نطبق، يقول: «فالله تعالى إذا أمر العباد - نعطي مثالًا: العباد من الكفار مثلًا -». نجعل مكان العباد مثلا أبا جهل، فيقول: «فالله تعالى إذا أمر العباد - اعملوا هكذا حتى تتضح أمامكم -». نسأل أبا جهل بأمر، إذا أمر الله العباد، قلنا: أي أبا جهل مثلًا بأمر، فقد يريد إعانة المأمور على ما أمر به، وقد لا يريد ذلك، واضح، وإن كان مريدًا منه فعله أي شرعًا، واضح. قال: «وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر الله تعالى». تحقيق هذا، أي: تحقيق هذه المسألة، وهي من مسائل - كما يقال - المسائل العظيمة التي انزلقت فيها أو انزلقت بها أقدام كثير. فيقول: «وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع - مما يبين فصل النزاع - في أمر الله تعالى: هل هو مستلزم لإرادته أم لا؟». الآن يقول: هل في أمر الله تعالى - هل هو، أي: أمر الله - مستلزم لإرادته أم لا؟ بمعنى: هل ما أمر الله جل وعلا به يستلزم وقوعه أم لا؟ واضح. فالأمر ها هنا معناه الأمر الشرعي، الإرادة الشرعية، وقول: «هل هو مستلزم لإرادته»، المراد به ها هنا الإرادة كونية. فيقول رحمه الله: «فهو سبحانه أمر الخلق على ألسن الرسل بما ينفعهم وعما يضرهم، ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله». الإرادة ها هنا كونية أو شرعية؟ كونية؛ لأنه قال: «ولكن منهم من أراد الله أن يخلق فعله». ها هنا من الربوبية أو الألوهية؟ وما كان من الربوبية فهو من توحيد إيش؟ إرادة كونية. قال: «ولكن منهم من أراد الله أن يخلق فعله، فأراد سبحانه أن يخلق ذلك الفعل ويجعل فاعلًا له». أن يخلق فعل العبد من الطاعة، فيكون العبد مطيعًا بذلك الفعل الذي خلقه الله جل وعلا وأعانه الله جل وعلا عليه. فيقول: «فيكون في هذه الحالة ماذا؟ اجتمعت في ذلك العبد الإرادة الشرعية؛ لأن الله يحبها، والإرادة الكونية؛ لأنه ماذا؟ لأنه قد وقع ذلك الفعل بخلق الله جل وعلا للعبد ذلك الفعل». قال: «ومنهم من لم يريد الله أن يخلق فعله». الإرادة ها هنا إيش؟ كونية. قال: «فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات غير جهة أمره للعبد على وجه البيان لما هو مصلحة للعبد أو مفسدة». لماذا؟ لأن الخلق مداره على الإرادة الكونية، والأمر مداره على الإرادة الشرعية، فهذه جهة غير تلك الجهة. لذا قال رحمه الله: «وهو سبحانه إذا أمر فرعون وأبا لهب وغيرهما بالإيمان، كان قد بيّن لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا فعلوه». قال: «ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم». لماذا؟ لأن جهة الأمر غير جهة الخلق والإيجاد. فيقول: «ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة من حيث هو فعل له». الآن انتقل إلى أمر آخر، يقول الشارح رحمه الله: يقول: «ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم - إلى ها هنا واضح - تقرير لما تقدم من أن الله عز وجل إذا أمر العبد بفعل ما يحبه لا يلزم من ذلك أن يعينه على ذلك الفعل؛ لأن جهة الأمر غير جهة الخلق والفعل». ثم انتقل ها هنا إلى أو أشار ها هنا إلى مسألة عظيمة، وهي كما قيل: سر من أسرار القدر؛ لأن قائلًا قد يقول: لماذا لماذا الله جل وعلا أمر بعض العباد بأوامر وأعانهم، وأمر آخرين ولم يعنهم فكانوا كافرين؟ لماذا أعان هؤلاء ومنع هؤلاء؟ والجواب عن هذا: أولًا أن السؤال بلماذا في باب القدر بدعة منكرة لا تجوز في حق الله جل وعلا؛ لقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. ثانيًا: لو احتيج إلى بيان شيء من ذلك أمام جاهل أو معاند أو طاعن في دين الله جل وعلا أو مشكك في قدر الله جل وعلا، فيقال لهم: بأن الله جل وعلا أعان من أعان، ومنع من منع من العون لحكمة بالغة علمها من علمها وجهلها من جهلها. فالله جل وعلا أعلم بخلقه، فهو يعلم من يستحق الهداية ويكون محل للهداية فيهديه، وهو أعلم بمن لا يستحق الهداية فلا يعينه على الهداية بل يضله. قال الله جل وعلا: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، والله جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾، وقال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، والله جل وعلا يقول: يعني في كذلك في الرسل والأنبياء: أن الله جل وعلا كذلك يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، فإذا الله جل وعلا هدى من هدى لحكمة بالغة، وضل من أضل لحكمة بالغة. لذا قال الشارح رحمه الله: «قال: ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة من