الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 54، ألقاها
يناقش إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة وفق معتقد أهل السنة والجماعة، ويستدل بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين. يُبين أن أهل السنة يثبتون الرؤية بينما تنكرها الجهمية والمعتزلة والخوارج.
استدل أهل السنة والجماعة بآيات وأحاديث على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، مثل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، واستدلوا بحديث رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة.
يتناول الرد على المعتزلة الذين يستدلون بآيتين قرآنيتين على نفي رؤية الله، ويبين أوجه الاستدلال برؤية الله تعالى ويرد على تأويلاتهم لآية "لن تراني" وآية "لا تدركه الأبصار".
يدل فهم الصحابة والأئمة للآيات على تفسير متسق لها، مشيرين إلى عظمة الله وحدوده في خلقه، وأنه لا يمكن إدراك حقيقة المخلوقات كما هي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قبل أن ندخل في الدرس الجديد بإذن الله عز وجل، ننبه بتنبيه وهو ما مر معنا في الدرس الماضي في قول الشارح رحمه الله تعالى: «وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات». ولهذا قال أبو يوسف ومحمد، أي ابن الحسن من أصحاب الحنفية: «إن أدنى ما يجزئ في الصلاة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة»؛ لأنه لا يقع الإعجاز بدون ذلك، والله أعلم، أي لا يقع الإعجاز إلا بمثل ما ذكره. وهذه أو هذا الاستطراد والاستدلاء بالإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى إنما هو كالتأكيد لمسألة التحدي بالقرآن، وأن التحدي إنما يكون بالإتيان بسورة، وأقل ما يقال بأنه سورة ما كان مكونا من ثلاث آيات أو كما ذكر هؤلاء. وزاد هؤلاء فقالوا: «آية طويلة تصح بها الصلاة». والصحيح من أقوال أهل العلم في مسألة الصلاة وما تصح به الصلاة، فالذي عليه جماهير أهل العلم بأن الصلاة لا تصح إلا بقراءة سورة الفاتحة، لا تصح الصلاة إلا بقراءة سورة الفاتحة لمن قادر عليها واستطاعها. فأما من لم يكن قادرا عليها، فبعض أهل العلم يقولون: «يقرأ ما تيسر»، أي لا يستطيع حديث عهد بإسلام أو لا يستطيع أن يحفظ شيئا من القرآن لعاهة لأمر أو لآخر. فبعض أهل العلم يقولون: «يرجع إلى مسألة التكبير والتسبيح والتحميد، يكبر ويسبح ويحمد الله ويهلل وما شابه ذلك». لكن بالنسبة لقراءة القرآن، القادر على سورة الفاتحة فإنه يجب عليه أن يقرأ سورة الفاتحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». والحنفية في هذه المسألة كما هو مشهور عندهم معروف في كتب الفقه يقولون: «يجوز للإنسان أن يصلي وأن يقرأ بما تيسر من القرآن». ويستدلون بقول الله عز وجل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، فيقول: «ما تيسر، ما تيسر». ثم اختلفوا ما هو «ما تيسر» بكم يجزئ؟ فذكر بعضهم هذا وذكر بعضهم غير هذا، أي ثلاث آيات. منهم من ذكر غير هذا. وهذه مسألة تركناها أمس وننبه عليها اليوم، وهي من مسائل فقه لا من مسائل العقائد. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه. وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متعولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا». فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ورد علما ما اشتبه عليه إلى عالمه. قال الشارح رحمه الله تعالى: «المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة». ومعنى هذا أنهم يخالفون في ثبوت الرؤية، رؤية المؤمنين لربهم عز وجل. فالطوائف من جهمية ومعتزلة وخوارج وغيرهم من هؤلاء الطوائف الضال لا يقولون بأن الله جل وعلا يرى، لا في الدنيا ولا في الآخرة. مع أن الأدلة الكثيرة المتكاثرة المتظاهرة المتظافرة تدل على رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا يوم القيامة، في موضعين: في العرصات، والموضع الثاني في الجنة حينما يدخل أهل الجنة الجنة. فهذان الموضعان يرى المؤمنون فيهما ربهم جل وعلا. قال رحمه الله: «وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة». وقوله: «المنسوبون إلى السنة والجماعة» أي باعتبار غيرهم. فبعض الطوائف من المعطلة ربما نسب من قارب أهل السنة والجماعة من طوائف الضلال إلى أهل السنة والجماعة؛ لأنهم يقومون بأنهم أثبتوا. كنسبة الأشاعرة إلى أهل السنة والجماعة، فبعضهم ينسب الأشاعرة إلى أنهم من أهل السنة والجماعة. والحق أنهم ليسوا من أهل السنة والجماعة، وإنما هم من الفرق الضالة. ومع هذا فإن الأشاعرة وإن أثبتوا الرؤية لفظا فإنهم لم يثبتوها معنى. الأشاعرة يقولون بإثبات رؤية الله جل وعلا، بل وينكرون غاية الإنكار على من أنكر رؤية الله جل وعلا. لكن هذا الإثبات إثبات لفظي، إثبات لفظي لا حقيقي؛ وذلك لأنهم يقولون: «بأن الله جل وعلا يرى لا في مكان». وحقيقة هذا القول: «بأن الله جل وعلا لا يرى»؛ لأن من لم يكن في مكان ولا في جهة فإنه لا يرى. فقال رحمه الله: «وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون وعن بابه مردودون». وقد ذكر الشيخ رحمه الله من الأدلة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وهي من أظهر الأدلة. قال: «وما من أبى إلا تحريفها بما يسميه المحرفون تأويلا». فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل. قال الشارح رحمه الله: «وقد ذكر الشيخ رحمه الله تعالى من الأدلة أي على ثبوت رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾». قال: «وهي من أظهر الأدلة أي على إثبات رؤية المؤمنين لربهم». قالوا: «أما من أبى إلا تحريفها بما يسميه تأويلا». قال: «فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل»، أي أن مسألة تأويل هذه الأمور من حيث الظهور أشد من تأويل من أولى نصوص المعاد من الباطنية ونحوهم من الباطنية. قال رحمه الله: «وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بإلى بأداة «إلى» الصريحة في نظر العين». وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله. وذلك بأن النظر إذا عدي بإلى، كما في الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، يقول العلماء رحمهم الله تعالى: «بأن النظر إذا عدي بإلى فإنه يكون نصا في الرؤية البصرية». قال رحمه الله: «فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه». فإن عدي بنفسه فمعنى التوقف والانتظار، كقوله: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، أي توقفوا. وقال رحمه الله: «وإن عدي بفي فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾». قال رحمه الله: «وإن عدي بإلى فمعناه المعاينة بالأبصار». فقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾، هنا واضح. «انظروا إلى ثمره إذا أثمر» أي انظروا بماذا؟ هل بمعنى الاعتبار؟ هل بمعنى الوقوف؟ هل بمعنى كذلك بمعنى غير هذا؟ الجواب: أنه يكون بمعنى النظر. وقد ذكر بعضهم معنى رابع وهو أنه يكون بمعنى نظر تعطف ورحمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾، نظر تعطف ورحمة. قال رحمه الله: «فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر». وروى ابن مردويه بسنده إلى ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ﴾، قال: «من البهاء والحسن إلى ربها ناظرة» قال: «في وجه الله عز وجل»». وهذا الحديث لا يصلح؛ ضعيف جدا كما في التحقيق للعلامة الألباني رحمه الله؛ لأن في سنده ثوير بن أبي فاختة، كذبه الثوري. قال رحمه الله عن الحسن قال: «نظر إلى ربها فنظرت بنوره». وقال أبو صالح عن ابن عباس: «إلى ربها ناظرة ألا تنظر إلى وجه ربها». وله إسناد آخر رواه الكلبي رحمه الله تعالى من طريق أبي بشر الحلبي وعوف الأعرابي عن الحسن. والأثر بمجموع هذه الطرق يرتقي بها إلى الحسن، والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله: «وقال أبو صالح عن ابن عباس إلى ربها ناظرة قال تنظر إلى وجه ربها عز وجل». وهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما ذكر من طريق أبي صالح، وهو باذام. وأبو صالح باذام فيه ضعف، مولى أم هاني رضي الله عنها وأرضاها، ضعيف. وكان يرسله من الثالثة. قال رحمه الله: «وقال عكرمة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ﴾ قال: «من النعيم». ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: «تنظر إلى ربها ناظرة»». وأثر عكرمة صحيح، أثر عكرمة رضي الله عنه ورحمه الله، رواه ابن جرير الطبري بسند صحيح. قال رحمه الله: «ثم حكى عن ابن عباس مثله». وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث. وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، قال الطبري: «قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك هو النظر إلى وجه الله عز وجل». وأثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه ذكره السيوطي في الدر المنثور من طريق الحارث، وهو ابن عبد الله الأعور. والحارث منهم من يكذبه، ومنهم من يحكم عليه بالضعف الشديد، ومنهم من يضعفه. والأقرب بأنه ضعيف جدا، والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله: «وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، فالحسنى الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم». فاستدل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده كما روى مسلم في صحيحه عن سهيل قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ ﴿وَالزِّيَادَةُ﴾، قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن يجزكموه». فيقولون: «ما هو؟ ألم يثقل الموازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشفوا الحجاب فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة». والحديث كما ذكر رحمه الله تعالى في صحيح مسلم. إلا أن الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى في كتاب التتبع انتقد الحديث؛ وذلك لأن الإمام أحمد بن سلمة رواه عن ثابت مسندا، وغير أحمد يرويه مرسلا. قال رحمه الله: «وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وبقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فالآيتان دليل عليهما». الآية الأولى: استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ما هو وجه الدليل أو الاستدلال؟ يقول: «بأن لن تفيد التأبيد»، إذن معنى الآية حينما قال الله جل وجل لموسى عليه السلام حينما سأل ربه فقال: «ربي أرني أنظر إليك»، قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾. قالوا: «هذه الآية دليل على أن الله جل وعلا لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولن تفيد التأبيد، تفيد النفي المؤبد». والآية الأخرى قالوا: «وبقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، قالوا: «فيه دلالة على أن الله جل وعلا لا يرى؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، فهذا نفي لأن تدركه الأبصار، فإذا الله جل وعلا لا يرى كما هو نص القرآن». قال رحمه الله: «أما الآية الأولى فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه». أحدها: «أنه لا يظن بكريم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو عندهم من أعظم المحال». يعني وجهه الوجه الأول في الرد عليهم يقول: «فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه أحدها أنه لا يظن بكريم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته أن يسأل ما لا يجوز عليه». قال رحمه الله: «الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله». ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، فدل على أن سؤال موسى صحيح؛ فلم ينكر عليه ربه جل وعلا. وأما نوح عليه السلام فعاتبه ربه جل وعلا، فافترق السؤال عن السؤال. ولو كان السؤال عن ممتنع لعاتبه ربه جل وعلا كما عاتب نوحا عليه السلام. قال رحمه الله: «الثالث: أنه تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل: إني لا أرى أو لا يجوز رؤيتي أو لست بمرئي». والفرق بين الجوابين ظاهر. ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما فقال: «أطعمنيه»، فالجواب الصحيح: «أنه لا يؤكل». أما إذا كان طعاما صح أن يقال: «إنك لن تأكله». وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى يوضحه. قال رحمه الله: «الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف». وهذا كذلك أن الله جل وعلا إنما قال لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؛ لأن البشر في الدنيا يضعفون عن رؤية ربهم جل وعلا. قال رحمه الله: «الخامس: أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا، وذلك ممكن». وقد علق به الرؤية. ولو كان محالا لكان نظير أن يقول: «إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام»، والكل عندهم سواء. قال رحمه الله: «السادس: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾، فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟». قال رحمه الله: «السابع: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة، ورؤيته أولى بالجواز». ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه. وقد جمعوا بينهما، أي المعتزلة جمعوا بين نفي الرؤية ونفي الكلام. والحق خلاف قولهم، وهو أن الله جل وعلا يرى وأن الله جل وعلا يتكلم كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، إجماع سلف الأمة. قال رحمه الله: «وأما دعواهم تأبيد النفي ب«لن» وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة ففاسد». فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ مع قوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال رحمه الله: «بأن لن يعيش الدلال المعتزلة بأن «لن» تفيد النفي المؤبد»، يقول: «هذا ليس بصحيح». قال الشيخ جمال الدين ابن مالك رحمه الله: «ومر أن فيها بلا مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا». وهذا الإمام ابن مالك كما هو معروف في شافيته الكافية، صاحب الكتب المشهورة رحمه الله من أئمة النحو. وهو بهذا البيت يرد على المعتزلة القائلين بأن «لن» تفيد التأبيد. قال رحمه الله: «وأما الآية الثانية فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف». وهو أن الله تعالى إنما ذكرها في سياق المدح. ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية. وأما العدم المحض فليس بكمال، فلا يمدح به. وإنما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمرا وجوديا. كمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال الربوبية والألوهية وقهره. ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه. ونفي الشفاعة عنده إلا بإذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه. قال رحمه الله: «فإن المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به». فقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يدل على كمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به. فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية. كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا﴾. فلم ينفي موسى الرؤية، وإنما نفى الإدراك. فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه. فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علما. وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية. بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.