التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 65

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 65، ألقاها

التوسل وأحكامه

يناقش مفهوم التوسل وأحكامه الشرعية، ويوضح شروط صحة التوسل بالشخص. الألفاظ المجملة في التوسل يجب تجنبها والاستعاضة عنها بالألفاظ الشرعية.

أخذ الميثاق وإشهاد بني آدم

يتناول مفهوم الشفاعة وأهمية الإذن الإلهي فيها، ثم ينتقل إلى مسألة أخذ الله الميثاق من بني آدم وإشهادهم على أنفسهم مستندًا إلى الآيات والأحاديث.

تفسير آية الإشهاد وخلق الأرواح

يناقش تفسير آية الإشهاد على بني آدم بربوبية الله، ويستعرض الأحاديث وأقوال العلماء، ثم يذكر خلق الأرواح ومعرفتها قبل الأجساد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال غالط، بسببه من لم يفهم معناه، فإن أريد به التسبب به لكونه داعيًا وشافعًا، وهذا في حياته يكون، أو لكون الداعي محبًا له مطيعًا لأمره مقتديا به، وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء، فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته، وإما بمحبة السائر واتباعه، أو يراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه. وكذلك السؤال بالشيء قد يراد به التسبب به لكونه سببًا في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام به. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فهذه خلاصة لما تقدم في المسألة السابقة، أي من قول القائل: «اللهم إني أتوسل إليك بحق نبيك» أو ما شابه ذلك، أن هذا اللفظ فيه إجمال، فإن أريد به معنى صحيح، وهو أني أتوسل إليك بمحبتي لرسوله، وطاعتي لرسوله، وإيماني برسوله، وما شابه ذلك من العبارات التي فيها معنى التوسل بالإيمان والعمل الصالح، فهذا توسل مشروع صحيح. وإن أريد بقوله: «بحق نبيك» أو «بجاه نبيك» أو «بحق فلان من الناس» أو «بجاه فلان من الناس» أو ما شابه ذلك، إن أريد به القسم، فهذا لا يجوز؛ لأنه لا يجوز أن يقسم بمخلوق، فكيف إذا كان القسم بمخلوق على الله جل وعلا؟ يشتد حرمة هذا أمر. والأمر الثاني: أنه لا حق لمخلوق جعله المخلوق حقًا على الله جل وعلا يتقرب به أو يكون سببًا لنيل ذلك المتوسل بذلك الحق مراده، إذ لا علاقة بين حق المتوسل به وبين حق المتوسل بطلب الوسيلة بحق ذلك الذي له جاه وله مكان عند الله جل وعلا. فالحاصل أن اللفظ مجمل، والألفاظ إذا كانت مجملة فالواجب تركها واجتنابها؛ لما فيها من الإجمال، والإنسان يرجع ويعبر بالألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة؛ فإنها أسلم وأأمن. وقوله: «وكذلك السؤال بالشيء قد يراد به التسبب به» يعني كما في الحديث: «اللهم إني أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك»، يقول: السؤال بالشيء قد يراد به التسبب به؛ لكونه سببًا في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام به. فإن كان الثاني فلا، وإن كان الأول فنعم. قال رحمه الله: ومن الأول حديث الثلاثة الذين أعووا إلى الغار، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم، فتوسلوا إلى الله بذكر أعمالهم الصالحة الخالصة، وكل واحد منهم يقول: «فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه»، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون. فهؤلاء دعوا الله بصالح الأعمال؛ لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله ويتوجه إليه ويسأله به؛ لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. فالحاصل أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر؛ فإن الشفاعة عند البشر كما أنه شافع للطالب شفع شفاعته في الطلب، بمعنى أنه صار شفعًا فيه بعد أن كان وترًا، فهو أيضًا قد شفع المشفوع إليه، وبشفاعته صار فاعلًا للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب منه. والله تعالى وتر لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، فالأمر كله إليه، فلا شريك له. قال رحمه الله: فسيد الشفعاء يوم القيامة إذا سجد وحمد الله تعالى، فقال له الله: «ارفع رأسك وقل يسمع، واسأل تعطى، واشفع تشفع»، فيحد له حدًا فيدخلهم الجنة، فالأمر كله لله؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. إذا كان لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن يشاء، ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء». وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني عبد مناف لا أملك لكم من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أملك لك من الله شيئًا، يا عباس عم رسول الله لا أملك لك من الله شيئًا». وفي الصحيح أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، أو شاة لها ثغاء، أو رقاع تخفق، فيقول: أغثني أغثني، فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله من شيء». إذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء يقول لأخص الناس به: «لا أملك لكم من الله من شيء»، فما الظن بغيره؟ وإذا دعاه الداعي وشفع عنده الشفيع، فسمع الدعاء وقبل الشفاعة، لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنه سبحانه وتعالى هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها، وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه. قال رحمه الله: وأما الأول فنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف، ولولا ما التزمناه من الاختصار لبسطنا الأحاديث الواردة في ذلك، وما قيل من الكلام عليها، وما ذكر فيها من المعاني المعقولة، ودلالة ألفاظ الآية الكريمة. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق. قال الشارح رحمه الله: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾. يخبر سبحانه أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومذيقهم، وأنه لا إله إلا هو. وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم عليه السلام وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وإلى أصحاب الشمال، وفي بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم. منها ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بن عمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلًا، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. إلى قوله: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾». ورواه النسائي أيضًا، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم في المستدرك، وقال: «صحيح الإسناد»، ولم يخرجاه. ورواه الإمام أحمد أيضًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها، فقال: «إن الله خلق آدم عليه السلام، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون». فقال رجل: يا رسول الله، ففيما العمل؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة. وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار». ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن حبان في صحيحه. ورواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله آدم، مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي ربي من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي ربي من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له داود. قال: ربي كم عمره؟ قال: ستون سنة. قال: أي ربي زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم، جاء ملك الموت، قال: أولم يبقى من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخطئ آدم، فخطئت ذريته». ثم قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». ورواه الحاكم، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ولم يخرجاه. وكذلك صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: وفي ذلك أحاديث أخرى أيضًا، كلها دالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل النار وأهل الجنة. ومن هنا قال من قال: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد. وهذه الآثار لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقًا مستقرًا ثابتًا، وغايتها أن تدل على أن باريها وفاطرها سبحانه صور النسمة وقدر خلقها وأجلها وعملها، واستخرج تلك الصور من مادتها، ثم أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له. قال رحمه الله: وأما الإشهاد عليهم هناك فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وعمر رضي الله عنهم. ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرتهم على التوحيد؛ كما تقدم كلام المفسرين على هذه الآية الكريمة. وفي حديث أبي هريرة: «ومعنى قوله: شهدنا، أي قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا». وهذا قول ابن عباس وأبي بن كعب. وقال ابن عباس أيضًا: أشهد بعضهم على بعض. وقيل: شهدنا من قول الملائكة. والوقف على قوله: «بلى». وهذا قول مجاهد، والضحاك، والسدي. وقال السدي أيضًا: هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. والأول أظهر. قال رحمه الله: وعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن الله استخرج ذرية آدم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم، ثم أعادهم؛ كالثعلبي والبغوي وغيرهما. ومنهم من لم يذكره، بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها الله فيهم؛ كالزمخشري وغيره. ومنهم من ذكر القولين؛ كالواحدي والرازي والقرطبي وغيرهم. ولكن نسب الرازي القول الأول إلى أهل السنة، والثاني إلى المعتزلة. ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول؛ أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم، وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم. وإنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض الأحاديث. وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار؛ كما في حديث عمر رضي الله عنه. قال رحمه الله: ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول؛ أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم، وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم. والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها أهل القول الأول موقوف على ابن عباس وعمر. وتكلم أئمة أهل الحديث، ولم يخرج أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك على الصحيحين. والحاكم معروف تساهله. قال رحمه الله: وأما الأول فنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف. ولولا ما التزمناه من الاختصار لبسطنا الأحاديث الواردة في ذلك، وما قيل من الكلام عليها، وما ذكر فيها من المعاني المعقولة، ودلالة ألفاظ الآية الكريمة. قال القرطبي: وهذه الآية مشكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه. فقال قوم: معنى الآية أن الله أخرج من ظهر بني آدم بعضهم من بعض. ومعنى وأشهد على أنفسهم ألست بربكم دلهم على توحيده؛ لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربًا واحدًا سبحانه وتعالى. قال: فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم؛ كما قال تعالى في السماوات والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. ذهب إلى هذا القول، وأطنب. وقيل: إنه سبحانه وتعالى أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها. ثم ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك إلى آخر كلامه.

شاركنا على