الدرس في التعليق على الجواب الكافي 90، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المعاصي تسبب هلاك العبد وتعتبر أمراضًا للقلب الذي يحتاج إلى غذاء من الإيمان والأعمال الصالحة. القلب يحتاج أيضًا إلى استفراغ للمواد الفاسدة وحمية عن الأمور الضارة.
تغذية القلب بكتاب الله والأعمال الصالحة واستفراغ المواد الفاسدة بالتوبة النصوح أمران حيويان. كما أن حمية القلب بترك الشبهات والمباحات التي قد تؤدي إلى الحرام أمر مهم مرتبط بمفهوم التقوى.
التقوى تشمل امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه وترك المحرمات والمكروهات، بينما الذنوب مضادة للتقوى وتجلب العذاب. المعاصي تسبب الهلاك وتستدعي التوبة النصوح لتلافي الأخطاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة ابن قيم رحمه الله تعالى: فصل المعاصي مجلبة للهلاك. قال رحمه الله: ومن عقوباتها أنها تستجلب مواد هلاك العبد في دنياه وأخرته، فإن الذنوب هي أمراض متى تحكمت قتلت ولابد. وكما أن البدن لا يكون صحيحًا إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الردية التي متى غلبت عليه أفسدته، وحمية يمتنع بها مما يؤديه ويخشى ضرره، فكذلك القلب عن البدن يحتاج لهذه الأمور. وهذه الذنوب إذا استحكمت في قلب الإنسان قتلته وصار مظلمًا. فلهذا، كما يقول الإمام ابن القيم: كما أن البدن لا يكون صحيحًا إلا بغذاء يحفظ قوته، أن الإنسان إذا لم يأكل لا شك أنه سيصيبه الوهن والمرض. وأيضًا يحتاج إلى الاستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة، أنا لو احتبس فيه البول مثلًا لحصل مرض وأصابت وفسدت أشياء كثيرة من جسده. لكن يحتاج لهذا الاستفراغ يستفرغ هذه المواد الفاسدة والأخلاط الردية التي متى غلبت عليه أفسدته. أنا لو بقيت في جسده لا شك أنها تفسده. فانظر إلى من يكون مثلًا يحتبس عليه البول فترة من الزمن، كيف سيكون؟ سيفسد عليه أشياء كثيرة من جسده، فيصاب مثلًا بفشل، وقد يصاب أيضًا بمرض الكبد. وكذلك أيضًا إذا استمر الإمساك عنده، فإنه أيضًا يفسد أشياء كثيرة، فلا بد أن يستفرغ الجسد هذه المواد الفاسدة. قال: وكذلك يحتاج البدن إلى حمية يمتنع بها مما يؤذيه ويخشى ضرره. والحمية وما يحتمي به بغذاء أو بغيره أو بترك بعض الأشياء لأجل أن لا يؤذى جسده ويتضرر به. وهي من الوقاية، وكما يقولون: الوقاية خير من العلاج. لكان الإنسان شيء يعرف أنه سيضره فلا يأكله، وإذا كان يقينا ضرره يقينًا فيكون لا يجوز عند أكثر أهل العلم، كما قرره جماعة من أهل العلم، ومنهم الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات: أنه إذا ثبت الضرر وعيقن بالضرر فلا يجوز له أن يأكله. قال رحمه الله: فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة تحفظ قوته. فأنا كما أن الجسد يتغذى، كذلك القلب يتغذى يتغذى بكتاب الله جل وعلا، وكذلك أيضًا بالأعمال الصالحة. قالوا: استفراغ بالتوبة النصوح، استفرغوا بها المواد الفاسدة والأخلاق الردية منه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة: «إذا أذنب العبد ذنبًا نكتت فيه نكتة سوداء، فإن هو تاب سوق لقلبه». والصقل هو الإزالة بقوة، يعني الإزالة غالبًا في الأماكن التي تكون ملساء، مثل المرأة يكون فيها شيء لاصق، فهذا يحتاج إلى سقل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن تاب سوق لقلبه»، أخرجت هذه العشياء أو الظلمة من القلب، وهذه نكتة السوداء التي كانت تتربى بهذه المعاصي، لكن تخرجها التوبة والاستغفار. فكأن التوبة والاستغفار استفراغ للقلب وتصفية له. قال: واستفراغ بالتوبة النصوح يستفرغ بها المواد الفاسدة والأخلاق الردية منه. وحمية أيضًا له، حمية توجب له حفظ صحته وتجنب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة والتقوى. هذه الحمية هي ترك الشبهات، أنا غالبًا تكون في ترك الشبهات تكون حمية حتى لا يقع في الحرام. كما جاء في حديث النعمان بن بشير: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». فهذا حمية، قد تكون هذه الشبهة ليست حرامًا، لكنها تؤدي إلى الحرام، أو أن العبد إذا أكثر منها قد تؤديه إلى الحرام، أو أنها وسيلة من الوسائل التي تصل بالعبد إلى الحرام. فلهذا فمن باب الوقاية يتركها. بل أحيانًا كثرة المباحات توصل إلى الحرام، كثرة المباحات توصل إلى الحرام. قال المؤلف رحمه الله: وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة والتقوى. قال: والتقوى اسم يتناول هذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره. هذه الأمور الثلاثة وهي تغذية القلب بالإيمان والأعمال الصالحة، وأيضًا استفراغه بالتوبة النصوح، فإن هذا أيضًا من تقوى الله. ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾. فلهذا فالتقوى أيضًا تكون على قسمين، كما ذكر ذلك الإمام ابن رجب، وهو أيضًا في كلام الإمام ابن القيم: تكون على قسمين، تقوى في امتثال أمر الله واجتناب نهيه، فهذه تقوى. وأعظم منها وأرفع أنه يترك أو يأتي بالمأمورات، سواء كانت الواجبة أو المستحبة، ويترك المحرمات أو المنهيات، سواء كانت المنهيات التي تؤدي إلى التحريم أو إلى الكراهة. فهذا يعتبر أيضًا من كمال التقوى، من كمال التقوى. فهي تدخل فيها هذه الأشياء كلها، فالتقوى اسم يتناول هذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره. فإن الإنسان إذا ترك الشبهة وترك المكروه إنما تركه لله، تقوى لله جل وعلا. قال: وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية وتوجب التخليط المضاد للجميع وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح، لأنه ينهمك في هذه الذنوب فيراها سهلة ويسير عليه. ولهذا لما كان الصحابة رضي الله عنهم كانوا على تقوى عظيمة وعلى دين، فكانوا يعدون أشياء كان الناس يعملونها كما جاء في حديث أنس في البخاري: «إنكم لتعملون أعمالًا كنا لنعدها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات». معنى عظيمة أن الإنسان يفعلها. قال: الآن يقول أنس: «إنكم لتعملون أعمالًا هي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كأنها هانت عليه». لكن كانوا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يعدونها من الموبقات، من المهلكات. وهذا لشدة إيمانهم رضي الله عنهم، وليس هذا من التشدد، وإنما هذا من الاحتراز للدين. فقال هنا: وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح. فانظر إلى جسم عليل قد تراكمت عليه الأخلاط ومواد المرض وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها، كيف تكون صحته وبقاؤه؟ أنا فانظر إلى أهل المعاصي الذين ألهمكوا فيها يرون أنفسهم على خير ويرون أنفسهم على طريق صحيحة. وهذا بسبب أن قلوبهم أظلمت وصارت قلوبهم مريضة أو ميتة. ﴿أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها لا يستوون أبدًا﴾. قال رحمه الله: ولقد أحسن القائل: جسمك بالحمية حصنته مخافة من ألم طاري وكان أولى بك أن تهتمي من المعاصي خشية الناري قال: فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهي، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطلبًا ولا من الشر مهربًا. والله المستعان. فخلاصة ما ذكره هنا في هذه العقوبة أن المعاصي مجلبة للهلاك، لهلاك العبد، تجلب هلاكه وترديه. فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله. فنكتفي به. والله تعالى أعلم.