الدرس في كتاب الصيام 1، ألقاها
يُعرَّف الصيام شرعًا بإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بقصد التعبد لله، وهو واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر. يُستدل على وجوبه بالكتاب والسنة والإجماع.
صيام رمضان ركن من أركان الإسلام، ويجب على كل مسلم بالغ عاقل، ويُستند في ذلك إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء. الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لكن عباداتهم لا تقبل.
شروط وجوب الصيام هي الإسلام والبلوغ والعقل والقدرة على الصوم، ويُستثنى من ذلك غير البالغ والمجنون والمريض. يُؤمر الصبي بالصيام إذا أطاقه، ويحث على الصيام إذا كان قادرًا عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الإمام موافق الدين أبو محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الفقه» في كتاب الصيام. وكما مر معنا مرارًا: الكتاب بمعنى المكتوب؛ لأن الكتاب من الكتب الذي هو بمعنى الجمع، وسميت كتب العلم كتبًا لأنها تجمع مسائل العلم، ثم قد يكون الكتاب فيه عدة كتب، كل كتاب يشمل على مسائل من نوع واحد، ورب كتاب يؤلف في مسألة واحدة، كتاب العلم كتاب في الطهارة، كتاب في القضاء والقدر وما شابه ذلك. فبعض الكتب تؤلف ككتب مستقلة، وبعضها تؤلف ككتب عامة، أي تجمع في ذلك الكتاب كتبًا كثيرة. ومن هذا الكتاب، بل مؤلفات الفقه بشكل عام من هذا الجنس، وكذا كتب الحديث التي هي السنن والجوامع والصحاح، وكذلك ما شاكلها وشابهها. قوله رحمه الله تعالى: «كتاب الصيام»، الصيام مأخوذ من الصوم، يقال: صام يصوم صومًا، والصوم في اللغة بمعنى الإمساك، بمعنى الإمساك عن الشيء، ومنه قول الله جل وعلا عن مريم عليها السلام: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي إمساكًا عن الكلام. وفي الشارع: الصوم هو التعبد لله تبارك وتعالى بترك الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذا هو حد الصيام شرعًا، الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهو إذن إمساك مخصوص. وهذا عادة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي أن يكون بينهما علاقة، إلا أن المعنى الشرعي يكون أخص فيُخصص عموم المعنى اللغوي، وكذلك يقال إطلاقه. ومنه هذا الباب؛ إذ أنه إمساك عن شيء مخصوص في زمن مخصوص بقصد التعبد لله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «ويجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم، ويؤمر به الصبي إذا أطاقه». قوله رحمه الله تعالى: «ويجب صيام رمضان»، وهذا أي الوجوب دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. الكتاب في قول الله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. ومن السنة أحاديث كثيرة، منها ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلًا». وكذلك جاء في الصحيحين من حديث عمر، وبنحوه كذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم جميعًا، في حديث جبريل الطويل حينما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، قال: «الإسلام أن تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وأن تحج بيت الله إن استطعت إليه سبيلًا». فهو ركن من أركان الإسلام، والأمة مجمعة على ذلك على وجوبه، وأنه ركن من أركان الإسلام، ووجوبه من الأمور المعلومة في دين الله تبارك وتعالى بالضرورة، فلا يجهل وجوب صيام شهر رمضان أحد. لكن لو أن إنسانًا حديث عهد بإسلام، أو كان في بادية بعيدة عن الإسلام ما سمع قط بوجوب الصوم، فإن مثل هذا يعلم، فإن أقر فالحمد لله، وإن جحد بعد ذلك كفر. قال رحمه الله تعالى: «ويجب صيام رمضان»، وقوله رحمه الله تعالى: «رمضان» أي شهر رمضان، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، قال: «ويجب صيام رمضان» أي ويجب صيام شهر رمضان. قال: «على كل مسلم»، وقوله رحمه الله تعالى: «على كل مسلم» خرج من ليس بمسلم من الكافرين. وهل معنى هذا أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة؟ الجواب: لا، بل هم مخاطبون بفروع الشريعة على الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى. فقوله: «يجب صيام رمضان على كل مسلم» أي يتقبل ويصح منه الإسلام، ويجب عليه كذلك الإسلام، بمعنى أنه يلزمه الصيام، فالمسلم يجب عليه الصيام من جهتين: من جهة الإلزام أنه ملزم بالصيام، ومن جهة أخرى أنه إذا صام صح صومه، بخلاف الكافر؛ فإنه إذا صام ما صح صومه، ومع هذا يجب عليه الصيام؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. قوله رحمه الله تعالى: «بالغ» يعني أولًا المسلم لما تقدم، فخرج الكافر لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ فالشاهد من هذا أن الكافر لا تقبل له عبادة ولا قربة. قال رحمه الله تعالى: «من على كل مسلم بالغ»، البالغ هو الذي بلغ، والبلوغ يُعلم بأشياء ثلاثة مشتركة بين الذكور والإناث، أي بثلاث علامات: أولها نزول الماء، ثانيها إن بات الشعر الخشن حول القبل، ثالثها أن يبلغ خمس عشرة سنة. هذه علامات إذا ظهر واحد منها علم بأن ذلك الذكر أو تلك الأنثى قد بلغ. وتزيد الأنثى على الذكر بعلامتين أخريين: الأولى الحيض، والأخرى الحمل. فالأنثى لو حاضت فإنها تكون قد بلغت، وكذلك إذا وقع منها الحمل علم بأنها قد بلغت أيضًا. فإذن قوله: «على كل مسلم بالغ» البالغ خرج غير البالغ، خرج غير البالغ الصبي ولو كان مميزًا ولو قارب البلوغ ما لم يبلغ؛ فإنه لا تجب عليه، فإنه لا يجب عليه الصيام على الصحيح من أقوال العلماء، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم». وجاء في بعض الرواية: «عن الصبي حتى يبلغ»، فدل ذلك على أن الصبي إذا ما احتلم، إذا ما بلغ؛ فإنه لا يجب عليه شيء من العبادات. قال رحمه الله تعالى: «على كل مسلم بالغ عاقل»، خرج من ليس بعاقل، خرج المجنون أيضًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم: «وعن المجنون حتى يفيق». فالمجنون مرفوع عنه القلم، ولا يجب عليه الصوم حال جنونه؛ لأنه مرفوع عنه القلم. قوله رحمه الله تعالى: «قادر على الصوم»، قادر على الصوم فخرج من ليس بقادر على الصوم، مثل المريض لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. لكن هل المرض يسقط عنه الوجوب؟ مر معنا أن الجنون يسقط الوجوب، وكذلك عدم البلوغ يسقط الوجوب، وكذلك عدم الإسلام يسقط الوجوب، أي لا يجب عليه القضاء بعد أن يذهب هذا المانع. فلو أن إنسانًا كان مريضًا فهل يسقط عنه الوجوب؟ الجواب: لا، لكن حال مرضه يكون معذورًا في الإفطار، لا يجب عليه الإفطار بمعنى أنه لا يلزم بالصوم حال كونه مريضًا، ويجب عليه الصوم متى ذهب عنه المرض وارتفعت علته لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أن يجب عليه أن يصوم مكان ما أفطر في أيام رمضان في أيام أخر حال عود صحته إليه. قال رحمه الله تعالى: «ويؤمر به الصبي إذا أطاقه». وقوله: «ويؤمر به الصبي إذا أطاقه» هل هذا الأمر أمر إيجاب أم أنه أمر ندب واستحباب؟ الصحيح وهو الذي عليه جمهور الفقهاء رحمهم الله تعالى: الثاني. وحكي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال بالأول، وإن كان بعض أصحابه نازع في نسبة هذا القول إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وإنما أراد التحريض والحث لا الإيجاب، بمعنى أن الطفل إذا كان يقدر ويقوى على الصوم يحث على الصيام. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.