كتاب الصيام 2

الدرس في كتاب الصيام 2، ألقاها

علامات وجوب صيام شهر رمضان ودخوله

يجب صيام شهر رمضان بأحد ثلاثة علامات: إكمال شعبان ثلاثين يومًا، أو رؤية هلال رمضان، أو وجود غيم يحول دون رؤية الهلال. هذه العلامات تعتبر دلالات على دخول شهر رمضان.

ثبوت الصوم برؤية الهلال وحكم شهادة الشهود

يثبت الصوم برؤية الهلال بشهادة رجل عدل واحد، وإذا غم الهلال يكمل شهر شعبان ثلاثين يومًا. شهادة العدل تعتبر كافية لبدء الصوم، بينما يحتاج الإفطار لشهادة عدلين.

حكم الإفطار وإكمال العدة في شهر رمضان

المعتبر في الإفطار هو شهادة رجلين، وإكمال العدة ثلاثين يومًا يعتبر بيقين. كما يتطرق إلى حكم الأسير الذي يصوم بناءً على تحريه لشهر رمضان، مشيرًا إلى أهمية التحري في تحديد بداية الشهر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي، رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه «عمدة الفقه» في كتاب الصيام منه: قال رحمه الله تعالى: «ويجب بأحد ثلاثة أشياء»، أي: ويجب صيام شهر رمضان بأحد ثلاثة أشياء، أي بأحد ثلاثة علامات، بأي علامة منها رآها ووجدها المسلم، وجب عليه أن يصوم، أي أن يصوم شهر رمضان. قال رحمه الله تعالى: «ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان، ورؤية هلال رمضان، ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه». قوله رحمه الله تعالى: «ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان»، بمعنى أن رمضان يجب بعلامات، أولها أن يكتمل شعبان، واكتمال شعبان بأن يتم له ثلاثون يومًا، فإذا تم لشعبان ثلاثون يومًا فإنه يدخل بعده شهر رمضان ولا محالة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشهر هكذا وهكذا»، أي: تسعة وعشرين يومًا وثلاثين يومًا، وكماله يكون بالثلاثين يومًا، فإذا كمل شعبان ثلاثين يومًا فإنه يدخل شهر رمضان ولا محالة، أكيد، وإذا دخل وجب الصوم، وهذا بإجماع، ويدل على ذلك في حالة الغيم ما سيأتي معنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، ومفهومه أن شعبان إذا كمل ثلاثون يومًا فإنه يجب حينها الصوم؛ لأنه يدخل بعده مباشرة شهر رمضان. قال رحمه الله تعالى: «ورؤيته»، أي لرمضان، لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، والمراد بالشهر أي الهلال القمر، وسمي شهرًا لاشتهاره. ويثبت الصوم بالرؤية بشهادة رجل عدل على الصحيح، وقيل: بشهادة رجلين، والصحيح كما سمعتم أنه بشهادة رجل عدل على الصحيح؛ لما روى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن الناس تراءوا الهلال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمعنى كل رصد رؤية الهلال، قال: فرأيته فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بأني رأيت الهلال، قال: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بصومه. قال رحمه الله تعالى: «ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه». ووجود غيم: الغيم معروف، وقتر: هو الغبار الذي يأتي مع الريح؛ لأنه يحجب رؤية الهلال كما أن الغيم يحجب رؤية الهلال، فإذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان -وهي التي كما يسميها الفقهاء ليلة الشك- إذا كان في تلك الليلة غيم أو قتر، فالرؤية غالبًا للهلال تكون غير ممكنة، فماذا يصنع المسلم؟ هل يصوم أم لا يصوم؟ ذهب بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى أن الجو إذا كان صحوًا وما رؤي الهلال، فإنه يتم شهر شعبان ثلاثين يومًا، وأما إذا كان الجو غير صحو وإن كان يكون فيه غيم أو قتر، قالوا: فإنه يصوم الثلاثين من شعبان؛ لماذا يصوم؟ قالوا: احتياطًا؛ لأنه قد يكون هو اليوم الأول من شهر رمضان، وإنما حال الغيم أو القتر عن رؤية ذلك الهلال، قالوا: فيصام احتياطًا. والقول الثاني للفقهاء، وهو الصحيح: أنه إذا غم عليهم هلال شهر شعبان، فإنهم يكملون عدة شعبان ثلاثين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، فإذا غم عليكم، أي: لم تروا إما لغيم أو قتر أو ما شابه ذلك، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، وهذا نص في المسألة. قال رحمه الله تعالى: «وإذا رأى الهلال وحده صام، فإن كان عدلاً صام الناس بقوله، ولا يفطر إلا بشهادة عدلين». يعني: الآن في الصيام، قال: يصوم إذا رأاه وحده، وفي الإفطار لا يفطر إذا رأاه وحده؛ لماذا؟ لماذا هذا الفرق؟ لأن المعتبر في الإفطار بشهادة رجلين، فلو شهد واحد دون الآخر، فإن ذلك غير معتبر. قال رحمه الله تعالى: «وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يومًا أفطروا». أي: إذا كان الصوم ببينة -ما هي البينة؟- بالرؤية بشهادة رجلين، أفطروا بماذا؟ بالثلاثين، إن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يومًا أفطروا، أي: وإن لم يروا هلال شوال؛ لماذا؟ لأن شهر رمضان دخل عليهم بيقين، هلال شهر رمضان دخل عليهم بماذا؟ بيقين، والشهر لا يتعدى ثلاثين يومًا، فإذا تم رمضان ثلاثون يومًا فإنهم يفطرون. قال: «وإن كان بغيم أو قتر لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة». لماذا هذا التفريق؟ الجواب: إن غم علي فأكمل عدة شعبان ثلاثين، هل يكون دخول رمضان بيقين أو بظن؟ إذا أكملوا شهر شعبان ثلاثين، وما رأوا هلال رمضان لغيم أو قتر، فأكملوا شعبان ثلاثين، وبعد الثلاثين صاموا اليوم الأول من رمضان، هل هذا اليوم الأول في حقيقة الأمر أو أنه أخذًا بالأدلة الشرعية؟ قد يكون هو اليوم، وقد يكون يوم هذا الذي قبله، فهل المعتبر بأن يتم رمضان ثلاثين أو أن يروا هلال شوال؟ واضح. قال رحمه الله تعالى: «وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو بعده أجزأه، وإن وافق ما قبله لم يجزئه». الأسير الذي يكون أسيرًا مأسورًا عند غيره، سواء كان عنده الكفار في الأغلب الأكثر، والسجين قد يكون عند المسلمين. قال رحمه الله تعالى: «وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى»، أي: بحث وتحرى، «وصام، فإن وافق الشهر أو بعده أجزأه»، لماذا؟ لأنه إن صام في الشهر فحصل المطلوب؛ إذ أنه صام في الوقت، وإن صام بعد الشهر فإنه كذلك صام بعد دخول الوقت وحصول السبب الموجب للصيام وهو شهر رمضان، وأما إذا صام قبل ذلك فإنه يكون فعل العبادة قبل وقتها، كمن صلى الظهر قبل وقتها ظنًا أنه قد دخل وقتها، هل تجزئه الصلاة؟ الجواب: لا. والله تعالى أعلم. فهذه جملة من المسائل المتعلقة بأوقات شهر رمضان، ومتى يدخل شهر رمضان، وما هي العلامات التي بها يُعلم دخول الشهر. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على