الدرس في شرح نزهة النظر 22، ألقاها
يتناول المبحث السابق واللاحق في علوم مصطلح الحديث حيث يشترك راويان في الرواية عن شيخ واحد مع تباعد كبير بين وفاتيهما. يضرب المؤلف أمثلة على ذلك مثل الحافظ السلفي وتلاميذه.
يشرح كيفية التعامل مع الراويين المتفقين في الاسم أو النسبة عند رواية الحديث، ويبين طرق تمييز أحدهما عن الآخر. يشمل ذلك النظر في الاختصاص بالرواية عن شيخ معين أو استخدام قرائن أخرى.
يتناول شروط قبول الرواية ورفضها، ويوضح أنواع صياغ الأداء ومراتبها في الرواية. يشير أيضًا إلى توسع بعض العلماء في أقسام صياغ الأداء وختام الكلام بالثناء على الله والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن اشتركت ناني عن شيخ وتقدم موت أحدهما على الآخر، فهو السابق واللاحق. قال: وأكثر ما وقفنا عليه من ذلك ما بين الراويين فيه في الوفاة مئة وخمسون سنة، وذلك أن الحافظ السلفي سمع منه أبو علي البرداني أحد مشايخه حديثًا ورواه عنه، ومات على رأس الخمسمائة، ثم كان آخر أصحاب السلفي بالسماع صبيه أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي، وكانت وفاته سنة خمسين وستمائة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، من مباحث علوم مصطلح الحديث ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى ها هنا، وهو مبحث السابق واللاحق. ومعنى السابق واللاحق هو أن يشترك راويان في الرواية عن شيخ ما، فتتباعد الوفاة بين الراوي والراوي، يشتركان في السماع عن شيخ ما، لكن بين وفاة الأول والآخر مدة عظيمة وكبيرة. كما مثل ها هنا رحمه الله تعالى بقوله: وأكثر ما وقفنا عليه من ذلك ما بين الراويين فيه في الوفاة مئة وخمسون سنة. اشترك فيه شيخ واحد، وبين وفاة كلا الآخذين عن ذلك الشيخ مئة وخمسين سنة. قال: وذلك أن الحافظ السلفي سمع منه أبو علي البرداني أحد مشايخه حديثًا ورواه عنه، ومات على رأس الخمسمائة، ثم كان آخر أصحاب السلفي بالسماع صبيه أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي، وكانت وفاته سنة خمسين وستمائة. إذن كم كان بين الوفاتين؟ بين وفاة الآخذ الأول والآخذ الآخر السابق واللاحق مئة وخمسين سنة. قال رحمه الله: ومن قديم ذلك أن البخاري حدث عن تلميذه أبي العباس السراج شيئًا في التاريخ وغيره، ومات سنة ست وخمسين ومئتين، أي البخاري، وآخر ما حدث، وآخر من حدث عن السراج بالسماع أبو الحسين الخفاف، ومات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمئة. يعني كان بينهم مدة طويلة. قال: وغالب ما يقع من ذلك أن المسموع منه قد يتأخر بعد موت أحد الراويين عنه زمنًا حتى يسمع منه بعض الأحداث، ويعيش بعد السماع منه دهرًا طويلًا، فيحصل من مجموع ذلك نحو هذه المدة. قال: وإن روى الراوي عن اثنين، فهذا مفاده أن الإنسان لا يستبعد إذا رأى روى حديثًا، رأى راويًا هذا الراوي اسمه فلان، توفي سنة كذا وكذا، ورأى راويًا آخر توفي سنة كذا وكذا، عمّ بينهما مئة وخمسين سنة، يقول: مستحيل أن يكون هذان الشيخان أخذًا عن ذلك الشيخ. قال: وإن روى الراوي عن اثنين متفق الاسم أو مع اسم الأب أو مع اسم الجد أو مع النسبة، ولم يتميز بما يخص كلا منهما، فإن كان ثقتين لم يضر؛ لأن الحديث حيث دار دار على ثقة. قال: ومن ذلك ما وقع للبخاري من روايته عن أحمد غير منصوب عن ابن وهب، فإنه إما أحمد بن صالح أو أحمد بن عيسى، أو عن محمد غير منصوب عن أهل العراق، فإنه إما محمد بن سلام أو محمد بن يحيى الدهلي، وكلاهما ثقة، والحديث حيث دار دار على ثقة، فلا يؤثر ولا يضر. قال: وقد استوعبت ذلك في مقدمة شرح البخاري المسمى بهدي الساري. قال: ومن أراد لذلك ضابطًا كليًا يمتاز به أحدهما عن الآخر، فباختصاصه أي الشيخ المروي عنه بأحدهما يتبين المهمل. هذه قاعدة تميز أحد الراويين. قال: ومتاله يتبين ذلك، أو كان مختصًا بهما معًا، فإشكاله شديد، فيرجع فيه إلى القرائن والظن الغالب. قال: ومن ذلكم أن ننظر إلى العكس، يعني الشيخ شيخ الشيخ. مثال ذلك كما ذكرنا، سفيان يقول: حدثني محمد الأنصاري، وهما رجلان. ننظر إلى الشيخ الذي روى عنه ذلك محمد الأنصاري، مثلًا قال سفيان الثوري: حدثنا محمد الأنصاري، قال: حدثنا سعيد بن مسيب. ننظر هذا محمد من المختص بسعيد بن مسيب؟ من المعروف بالرواية بكثرة عن سعيد بن مسيب؟ فإن كان أحدهما قلنا: هذا هو المهمل. قال: فإن لم نستطع أن نميز، ماذا نصنع؟ قال علماء رحمهم الله تعالى: كذلك نعمل قرائن كما ذكر الحافظ رحمه الله تعالى. ومن القرائن أن نعمل قرينة البلدين. قال: والعكس بالعكس، وإذا رأينا الأئمة يصححون ذلك الحديث، علمنا أن ذلك المهمل هو الثقة. وإذا رأيناهم ضعفوه، وليس ثم إلا ذلك المظنون، فيعلم أن ذلك الراوي هو الضعيف. قال: وإن روى عن شيخ حديثًا، فجحد الشيخ مرويه، فإن كان جزمًا، كأن يقول: كذب علي أو ما رويت هذا أو نحو ذلك، فإن وقع منه ذلك رد ذلك الخبر لكذب واحد منهما لا بعينه. قال: ولا يكون ذلك قادحًا في واحد منهما للتعارض. قال: وإن كان جحده احتمالًا، كأن يقول: ما أذكر هذا أو لا أعرفه، فالحديث في الأصح لأن ذلك يحمل على نسيان الشيخ. قال: وقيل: لا يقبل؛ لأن الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث. قال: والراجح القول الأول بأن صحيح القبول؛ لأن التلميذ جازم، والشيخ غير جازم، فيقدم المستيقن على غير المستيقن. قال: كحديث سهيل أبي صالح عن أبه عن أبي هريرة مرفوعًا في قصة الشاهد واليمين. قال: وإن اتفق الرواة في إسناد من الأسانيد في صياغ الأداء، كسمعت فلانًا قال: سمعت فلانًا، أو حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، فهو المسلسل. قال: وقد يقع التسلسل في معظم الإسناد، كحديث المسلسل بالأولية. قال: وسياغ الأداء المشار إليها على ثماني مراتب: الأولى سمعت وحدثني، ثم أخبرني، وقرأت عليه. قال: ثم قرأ علي وأنا أسمع، ثم أنبأني، ثم ناولني، ثم شافهني، ثم أجاز لي. قال: وصياغ الأداء المشار إليها على ثماني مراتب: الأولى أعلاها، ويليها الذي يليها، وهكذا. قال: فإن جمع الراوي أي أتى بصيغة الجمع في الصيغة الأولى، كأن يقول: حدثنا فلان أو سمعنا فلان، فهو دليل على أنه سمع منه مع غيره. قال: وأولها أي صياغ المراتب أصرحها وأرفعها مقدارًا ما يقع في الإملاء. قال: والإنباء من حيث اللغة واستعمال المتقدمين بمعنى الإخبار، إلا في عرف المتأخرين فهو للإجازة. قال: وقيل: يشترط في حمل عنعنة المعاصر على السماع ثبوت لقائهما أي الشيخ والراوي عنه ولو مرة واحدة. قال: واطلق المشافهة في الإجازة المتلفظ بها، والمكاتبة في الإجازة المكتوب بها. قال: واشترطوا في صحة الرواية بالمناولة اقترانها بالإذن. قال: ولو خلت المناولة عن الإذن لم يعتبر بها عند الجمهور. قال: وكذلك الإجازة للمجهول أو المعدوم أو علقت بشرط مشيئة الغير. قال: وهذا على الأصح في جميع ذلك، وقد جوز الرواية بجميع ذلك سوى المجهول. قال: وكل ذلك كما قال ابن الصلاح رحمه الله توسع غير مرضي. قال: وإلى هنا انتهى الكلام في أقسام صياغ الأداء، والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم بحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.