كتاب البيع 22

الدرس في كتاب البيع 22، ألقاها

مقدمة في أحكام السبق والمسابقة

يتناول شرحًا لأحكام السبق والمسابقة في الفقه الإسلامي مستندًا إلى كتاب 'عمدة الفقه' للإمام ابن قدامة. يوضح معنى السبق وارتباطه بالبيوع.

حكم السباق بعوض وتفاصيله الفقهية

استدل الفقهاء بحديث أبي هريرة على منع السباق بعوض من الطرفين، لكن الراجح ضعف الحديث. يجوز السباق بعوض إذا أدخل بينهما محللًا، ورجح شيخ الإسلام وابن القيم جواز السباق بعوض من الطرفين.

شروط السبق في الإسلام وتطبيقاتها

يتناول شروط السبق كما ذكرها الإمام ابن القيم، حيث يشترط تحديد المسافة والغاية وعدد الرشق وتكافؤ المتسابقين وآلاتهم. يتناول أيضًا الخلاف حول السبق في الرمي.

حكم المسابقات الرمضانية وتقييمها الشرعي

المسابقات الرمضانية إما أن تكون بعوض وتدخل في حكم الميسر المحرم، أو بغير عوض ولا تعتبر إعدادًا للجهاد فلا تشرع. الحكم يستند إلى الحديث 'لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل'.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي، رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب البيع منه، قال: باب السبق. مر معنا أمس أن السبق بإسكان الباء، ومعناه فوت ما فات، فوت لا يدرك، بمعنى أن يفوتك الإنسان على وجه لا تدركه، هذا على القول بالفتح، أو بمعنى بإسكان الباء. وقال العلماء: كذلك يقال باب السبق بفتح الباء، وبفتح الباء بمعنى العوض، بمعنى العوض، وعلى هذا كذلك تظهر مناسبة لذكر الإمام ابن قدامة، رحمه الله تعالى وغفر له، لهذا الباب في كتاب البيوع، فهو يدخل في معنى العوض، فيدخل في معنى من معاني البيوع؛ لأن البيوع يدخل فيها هذه المعاني: بدل مال بمال، وتعويض مال. وها هنا فائدة كذلك ذكرها العلامة الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى وغفر له، وهي أنه قال: المسابقة عقد جائز مستقل بنفسه، له أحكام يختص بها، ويتميز بها عن الإجارة والجعالة والنذر والعادات ونحوها. وقال: ليس هو من باب الجعالة، ولا الإجارة، قال: ومن أدخله في أحد البابين، أي في باب الجعالة أو في باب الإجارة، تناقض، قال: إلا أن يقصد الباذل تمرين من يسابقهم، كولده والمعلم للمتعلم، قال: فهذا هو الجعالة المعروفة، وهو ناذر، ويدخل فيها كذلك بهذا المعنى ما يفعله الإمام، أن تكون الجعالة أو العطاء من قبل الإمام. وعلى هذا يتنزل كذلك كلام من ذكر أن السبق نوع من الجعالة، بهذا الاعتبار، أي أن الإمام هو الذي يجعل، أو طرف ثالث يجعل جعلا للمتسابقين، فهذا يكون من باب الجعالة بهذا الاعتبار. وأما إذا كان من أحد المتسابقين أو من كليهما، فإن هذا لا يكون من باب الجعالة، لذا يقول علامة الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى: والغالب فيها مسابقة النظراء بعضهم لبعض، أي أن المسابقة غالبًا ما يكون الإخراج والعطاء من قبل أحد المتسابقين أو من كليهما. وعلى هذا قد يقال بأن المسابقة، أو السبق، يكون عقد جعالة، أو من باب الجعالة، باعتبار ما هو هذا الاعتبار، إن كان العطاء من طرف ثالث ليس من المتسابقين. وأما إذا كان من أحد المتسابقين أو من كليهما، فإنه لا يكون من باب الجعالة، بل يكون بابًا خاصًا، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى وغفر له. توقفنا أمس عند الكلام على قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الحديث: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر»، وذكرنا أمس أن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق»، أي بمقابل، «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر»، إذا كان لمقابل، أو كما قال بعض أهل العلم: «لا سبق أحق أن يعطى فيه العطاء إلا في نصل أو خف أو حافر»، وكلا التقديرين صحيح. قال رحمه الله تعالى: فإن كان الجعل من غير المستبقين، وشيخ الإسلام الإمام ابن قدامة، رحمه الله تعالى وغفر له، كما ترون يعبر عن السبق بماذا؟ بالجعل، يقول: فإن كان الجعل من غير المستبقين جاز، وهو كما قال، وهذا يسمى جعلا، كما ذكرنا، إذا كان من غير المستبقين يكون جعلا، وأما إذا كان من المستبقين، فإن بابه آخر، لا يكون من باب الجعالة، كما تقدم في كلام العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى: فإن كان الجعل من غير المستبقين جاز، وهو للسابق منهما، وإن كان من أحدهما طيب، أو لا، يقول: فإن كان الجعل من غير المستبقين، كما مثلنا أمس: لو أن إنسانًا، لو أن الأمير، لو أن ولي الأمر، قال مثلًا: جمع الخيل التي هي معدة للجهاد في سبيل الله، أو كما سمعنا في أيامنا هذا: هيأ الرماة أصحاب الدرجة الأولى، كما يقال، فقال: من يرمي على ذلك الهدف، على ذلك الهدف، فله كذا وكذا عطاء. وقال مثلًا كذلك للرماة: من أصحاب الدبابات، من أصحاب المدفعية، من أصحاب الصواريخ، من أصحاب كذلك الزوارق البحرية، الطيران، من فعل كذا، أصاب الهدف في كذا، فله كذا وكذا، هذا ماذا يسمى؟ هذا يسمى جعلا مباحًا، ويكون من قبيل ماذا؟ من قبيل السبق المباح، من قبل طرف ثالث، ليس من قبيل المتسابقين، فهذا جائز. وها هنا يكون لمن الحق، يقول الإمام ابن قدامة: جاز، وهو للسابق منهما، بمعنى: لو أنه قال الإمام مثلًا: أعطى لأحد المتسابقين عشر طلقات من رصاص، والآخر عشر طلقات من رصاص، وقال: من أصاب الهدف أكثر، فله كذا وكذا، فأصاب أحدهما أكثر من الآخر، فهو ماذا؟ فهو يستحق ذلك الجعل. لو سابق بين فرسين، فسبق أحدهما، استحق السابق ذلك الجعل، هذا الأمر فيه واضح، وهذا الأمر فيه واضح. قال: وإن كان من أحدهما، فسبق المخرج، أو جاء معًا، أحرزا سبقه، ولا شيء له سواه، وإن سبق الآخر أخذه، وإن أخرجا جميعًا لم يجز. هذه مسألة أخرى الآن، المسألة الأخرى أو الثانية، ما هي؟ يقول رحمه الله تعالى: إذا كان السبق، إذا كان السبق، السبق بفتح الباء، ما المعنى؟ العطاء، واضحة جماعة، أو العوض. السبق إذا كان من أحدهما، أي من أحد المتسابقين، هل هو جائز أم لا؟ الصحيح من أقوال أهل العلم الجواز، الصحيح من أقوال أهل العلم الجو، لماذا؟ لأن ليس فيه، كما يقول علماء، رحمهم الله تعالى: مانع، وليس هو من باب القمار والميسر؛ لأن أحدهما هو الذي جعل ذلك الجعل، وجعل ذلك العوض في ذلك السبق، فإن كان هو أخذه، وإن كان الآخر أخذه، وإن استويا لم يأخذه أحدهما، أي: يعني يرجع الحق لصاحبه، يرجع الحق لصاحبه. يقول رحمه الله تعالى: وإن أخرجا جميعًا، ما معنى أخرجا جميعًا؟ أي: أحدهما قال: تتحداني في أن نتسابق في الرمي، ننظر من يرمي الهدف، أنت عشر طلقات، وأنا عشر طلقات، من رمى أكثر أخذ ماذا؟ أخذ المال. يقول: نعم، أنا أدفع ألف ريال، وهذا يقول: أنا أدفع ألف ريال، هل يجوز هذا أم لا؟ واضحة جماعة، أم لا؟ كلاهما يدفع، هذا يدفع، وهذا يدفع، يقول: من فاز منا أخذ المال، هل هذا جائز أم لا؟ يقول الإمام ابن قدامة، رحمه الله: وإن أخرجا جميعًا لم يجوز، لماذا لم يجوز؟ يقول: لأنه، يستدل العلماء، رحمهم الله تعالى، على المنع بدليلين: أحدهما من حيث الأثر والنقل، والآخر من حيث المعنى والنظر. أما من حيث الأثر والنقل، فسأتي معنا في الحديث المذكور في قول الإمام ابن قدامة: «لم يجوز إلا أن يدخل بينهما محللا يكافئ فرسه، أو فرسيهما، أو بعيره، أو بعيرهما، أو رميه، أو رميهما»، لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من أدخل فرسًا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبق، فليس بقمار، قال: وقد أمن أن يسبق، فهو قمار، فإن سبقهما أحرز سبقيهما، وإن سبق أحدهما أحرز سبقه». الحاصل أن الحديث: فهو قمار، هذا الحديث المذكور بين أيدينا، رواه الإمام أبو داود، رحمه الله تعالى، وغيره، من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه وأرضاه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، مرفوعًا، ورجح الحفاظ فيه الإرسال، رجح الحفاظ فيه الإرسال، فالصحيح في الحديث أنه مرسل، بل رجح جماعة من أهل العلم، كابن القيم، رحمه الله تعالى: أنه ليس بمرسل، بل الصواب أنه موقوف على سعيد بن المسيب، أي: أنه من قول سعيد بن المسيب، رضي الله عنه ورحمه الله تعالى وغفر له، وهو من كبار التابعين وأئمتهم، رضي الله عنهم ورحمه الله وغفر لهم. هذا هو الدليل الأول الذي استدل به القائلون بأنه لا يجوز أن يكون العطاء من كلا المستبقين، من حيث الأثر، استدلوا بحديث أبي هريرة، وتقدم أن الراجح في حديث أبي هريرة أنه ليس بصحيح، بل هو مقطوع من قول سعيد بن المسيب، رضي الله عنه وأرضى، كما جزم بذلك الإمام أبو حاتم الرازي، وأفاض الكلام على هذا الحديث، وعلى طرقه، العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتابه "الفروسية". وأما من حيث المعنى والنظر، من حيث المعنى والنظر، قالوا: لأن هذا هو القمار؛ لأن هذا هو القمار؛ لأن كلا المستبقين دفع عوضًا لفوز أحدهم، فهما كما يقول علماء، رحمهم الله تعالى: بين الغنم والغرم، بين الغنم والغرم. قالوا: وكل معاملة هي بين الغنم والغرم، فهي من الميسر، وهذا من هذا الباب، وهذه القاعدة قد مرت معنا في كتاب البيع: كل معاملة مدارها بين الغنم، أي: الغنيمة، الربح، وبين الغرم، أي: الخسارة، فإنها من الميسر. قالوا: وهذا من هذا الباب؛ لأن أحدهما سيربح، والآخر سيخسر، فهي داخل في معنى ماذا؟ فهي داخل في معنى الميسر، فلأجل هذا يمنع، قالوا: ولكن تجوز بصورة، في حالة، متى تجوز؟ قالوا: يجوز أن يدفع كلا المستبقين جعلا، عوضًا، لكن بشرط، ما هو هذا الشرط؟ أن يدخل بينهما محللا، أن يدخل بينهما محللا. ما معنى يدخل بينهما محللا؟ يعني: يأتي رجل إلى رجل، يقول: أنا سأدفع ألف ريال، وأنت أدفع ألف ريال، على أن نرمي، من أصاب، من أصاب، فله الربح، وله المال، فيقول آخر: يكون أفقه منا، يقول: نعم، لكن علمت أن هذه الصورة من القمار، وتجوز بحالها، ما هي هذه الحيلة؟ أن نأتي برجل ثالث يرمي معنا، واضح. يقول: لما يحصل هذا الرجل الثالث الذي يرمي معهم، يكون أحدهما، يعني: تخرج من صورة ماذا؟ القمار، الذي هو بين ماذا؟ بين الغنم والغرم؛ لأن الصورة تكون حينها فيها معنى من معاني ماذا؟ الجعل؛ لأن الثالث ليس دافعًا، ليس بين الغنم والغرم، بل هو ماذا؟ بين الغنم وبين السلامة، المحلل هو بين الغنم وبين السلامة. قالوا: فهذا هو الذي يحلل هذه المعاملة، فإذا أدخل ثالث، واشترط في هذا الثالث أن يكون كفأً لهما، أي: إن كان فرسًا ثالثًا أن يكون مثلهما، وإن كان راميًا أن يكون مثلهما، قالوا: إذا فعل ذلك جاز، واضح جماعة، أم لا؟ وعلى هذا قول جماهير الفقهاء، وشيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، وابن القيم، رحمهم الله تعالى: أجاز الجعل، ولو كان من كلا المستبقين، ولو لم يدخل بينهما محللًا، وهو الراجح، الراجح في هذه المسألة: أنه يجوز أن يستبق بعوض من كلا المستبقين. والدليل على الجواز، أولًا: عدم الدليل على المنع، والأصل في المعاملة ما هو؟ الحل، وأما حديث أبي هريرة، فتقدم أنه ماذا؟ أنه ضعيف، وأما ما ذكر من تعليل: من أنه فيه صورة القمار، فقال علماء، رحمهم الله تعالى: كالإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى وغفر له: هذا ليس من الميسر في شيء. قال: لأن الميسر من عمل الشيطان، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، قال: أما هذا فليس من هذا الباب، أما هذا ليس من هذا الباب، بل هذا فيه تقوية على طاعة الله جل وعلا، وفيه تقوية على إقامة الإسلام، وعلى إرغام الأعداء، وتنشيط المجاهدين على الخير والتقوية، وليس فيه معنى القمار، باعتبار أن القمار فيه معنى أكل أموال الناس بالباطل، القمار فيه معنى أكل أموال الناس بالباطل، لماذا؟ لأن المقامر يدخل فيه ماذا؟ فيه معاملة، جالس يكون مثلًا في أي معاملة، أوراق، مثل يلعبون أوراق، أو أشياء، يأخذ مال هذا، والآخر يأخذ مال هذا، ففيه أكل أموال الناس بالباطل. وأما هذا ففيه أكل المال بالحق؛ لما فيه من البذل، لما فيه من البذل والسعي والجهد، فلأجل هذا نظر العلماء، رحمهم الله تعالى، إلى هذا المبحث بهذا المنظار. ثم قال: من قال من العلماء، رحمهم الله تعالى: ولو قيل بأنه فيه شيء، مثلًا، من أمر الغنم والغرم، قالوا: فإن مصلحة إقامة الجهاد، والإعداد في سبيل الله تبارك وتعالى، أعلى وأعظم من مفسدة ماذا؟ ما يحصل من هذا الشيء. والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وبدرء المفاسد وتقليلها، قالوا: وهذا من هذا الباب، وهذا من هذا الباب، والأمر كما هو ظاهر، لا يخفى قوة هذا القول، لا يخفى قوة هذا القول، مذكور من الإمام ابن القيم، رحمه الله، بل ذكر الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى: أن الطرف الثالث الذي يسمى محللًا، قالوا: هذا يكون من باب تحليل ماذا؟ تحليل الحرام، يكون من باب تحليل الحرام، وتحليل الحرام ما حكمه؟ هيا جماعة، تحليل المحرم ما حكمه؟ محرم. قال: فهذا يدخل من هذا الباب، قال: فيكون الطرف الثالث، إن أخذ المال، يأخذه بالحق، أو بالباطل؟ بالباطل؛ لأنه محلل، قال: هذا حكم التيس المحلل في أمر النكاح، المرأة إذا طلقها زوجها ثلاثًا، قال بعض الفقهاء: لا بأس أن يؤتى برجل محلل، يسمى الشرع ماذا؟ بالتيس المحلل، تبقى عنده المرأة، يتزوجها، تبقى عنده ساعة، ساعتين، يوم، يومين، ثم يطلقها، ثم ترجع إلى من؟ إلى زوجها الأول، هذا يسمى ماذا؟ يسمى التيس المستعار؛ لأجل أن تحل المرأة لزوجها، هذا حيلة على الحلال، أو على الحرام؟ على الحرام، وحرمه شرعًا، وهذا كذلك حيلة على ماذا؟ على الحلال، أو على الحرام؟ على الحرام، وهذا من هذا الباب. وذكر الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، عن بعض التابعين، والظاهر أنه عبد الرحمن بن زيد، أو غيره: أنه سئل عن المحلل في السبق، هل كان يفعله أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فقال: القوم أعف من هذا، أي: أعف من أن يأخذ هذا المال بغير حقه، إذن إدخال المحلل فيه من الفساد أعظم من ماذا؟ من عدم إدخاله، وهذا هو الصواب. لذا علق الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر هذا الأثر، قال: وهذا من عظيم فقه السلف، والصحابة، رضي الله عنهم وأرضاهم: أنهم كانوا يستعفون عن مثل هذا، قال: وهذا هو الحق، وهو كما قال، رحمه الله تعالى وغفر له. فالحاصل: أنه يجوز أن يكون الجعل من طرف ثالث، ويجوز أن يكون الجعل من أحد المستبقين، هذا هو الصحيح من أقوال العلماء، رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم. قال رحمه الله تعالى: وأخذ سبق صاحبه، نعم، قال رحمه الله تعالى: فإن سبقهما، أي: الثالث، أحرز سبقيهما، وإن سبق أحدهما أحرز سبقه، وأخذ سبق صاحبه. قال: ولابد من تحديد المسافة، هذه شروط السبق، قال: ولابد من تحديد المسافة، سواء كان في العدو، يعني: كان في السبق في الحافر، أو في الخف، أو ما كان في معنى كذلك، في أيامنا هذا، كما سمعتم: كالسيارات العسكرية، سيارات الجيش، الذي استخدم في الكر والفر، وما شابه ذلك، لابد أولًا من تحديد المسافة. والمسافة، كما يقول العلماء، رحمهم الله تعالى: يرجع في ذلك فيها إلى العرف، يعني: انظر هذه السيارات، كم عرفًا تسير حتى تثبت، أو يثبت السبق لها، كذلك تحديد المسافة، باعتبار الرمي، الرمي مثلًا: سلاح له مسافة معينة، ما هي المسافة التي يستطيع بمثله أن يصيب الهدف؟ فتقدر بأعلى مسافة، وأكبر مسافة، يستطيع بها أن يصاب الهدف، إذ لو كان مطلقًا، لم استطاع ماذا؟ أن يضبط هذا الباب، ولو كانت مسافة لا يصاب بمثله الهدف، لكان فيه معنى من معنى العبث واللهو والإسراف. إذن قال: لابد أن يحدد، أن تحدد المسافة، الثاني: قال: وبيان الغاية، أي: إذا كان جريًا، يعني: سبقًا، سواء بخف، أو بحافر، أو ما كان في معنى، أو كان في رماية، قال: وقدر الإصابة، إصابة، إذا كان في الرمي، يعني: كان يقول أحدهما للآخر: هذه عشر طلقات، وهذه عشر طلقات، من أصاب مثلًا: تسع من عشر، استحق العوض، استحق الجعل، ومن لا، فلا، يعطيه عشر، يستطيع أن يصيب تسع من عشر، أو ثمان من عشر، أو سبع من عشر، المهم أن يحدد ماذا؟ عدد الإصابة، ولابد. قال رحمه الله تعالى: وصفتها، قدر إصابة، وصفتها، أي: إن كان هدفًا، يحدد له ذلك الهدف، وصفت تلك الإصابة، وكذلك باعتبار المتسابقة، من المستبقات، سواء كان مثلًا: الإبل، لابد أن تكون متساوية، كما يقول العلماء، وكذلك الخيل، لابد أن تكون متساوية، أي: قال علماء، رحمهم الله تعالى: فلا يسابق مثلًا: خيلًا عربية بخيل هجين، ولا كذلك إبلًا عربية بإبل بغية، أو هجين، أو ما شابه ذلك، لابد أن تكون من نفس الجنس. وكذلك في السلاح، لابد أن يكون من نفس النوع، يعني مثلًا: إذا تراميا في السلاح، يقال: لابد أن يكون هذا النوع مثل هذا النوع، يعني مثلًا: الآلي، يقول: هذا لابد أن تكون مثلًا: من صناعة روسية، والآخر أن يكون من صناعة ماذا؟ روسية، لابد من تماثل، وهكذا قل في بقية الأشياء، هكذا قل في بقية الأشياء. وذكر العلماء، رحمهم الله تعالى: مسألة، وهي: وهل يشترط التكافؤ باعتبار الأشخاص، أم التكافؤ فقط باعتبار الآلات؟ يعني: قلنا: الخيول لابد أن تكون عربية متكافئة، الإبل لابد أن تكون متكافئة، كذلك يفرع عليه مثلًا: السيارات إذا كانت تتسابق، لابد أن تكون متكافئة، الدبابات، الطائرات، وهكذا. الآن: بقية من يركبون، أو الرماة، هل يشترط فيهم كذلك التكافؤ أم لا؟ ذكر في هذه المسألة الخلاف كذلك، والراجح اشتراط هذا الشرط؛ لأن المعتبر، أو لأن العبرة، والحكمة من السبق: هو إظهار الأمهر. فأما إذا كان أحدهما أمهر، فانتفى المعنى الذي لأجله وضع السبق، واضح جماعة، إذا عرف مثلًا: هذا فارس من الدرجة الأولى، وآخر فارس من الدرجة الثانية، والفرس، وكل الفرسين جيدان، من سيفوز؟ ها جماعة، صاحب الدرجة الأولى، لا شك، ولا غريب، مثل رامي من الدرجة الأولى، رامي من الدرجة الثانية، إذا استبقيا، من سيفوز؟ في الغالب الأكثر، طبعًا صاحب الدرجة الأولى، من قبل أن يحصل للسبق. قالوا: فمثل هذا يفوت معنى إيش؟ الحكمة، والمعنى من السبق، قالوا: إذا لابد أن يكون متكافئين، الرماة، وكذلك من يركبون على تلك المراكب، لابد أن يكونوا متكافئين، فإن لم يكونوا متكافئين، فلا يصح فيه السبق، إذن لابد في السبق أن تتكافأ الآلة، وأن يتكافأ كذلك ماذا؟ صاحبها، وأن يتكافأ أصحابها. قال رحمه الله تعالى: وعدد الرشق، أي: إذا كان نبلًا، كما تقدم، أو في هذه الأيام مثلًا: رصاص، يقال له: عشر طلقات، بعشر طلقات، وكما تقدم: أن يقال: من أصاب تسع من عشر، له، استحق الجعل، ومن أخفق، فليس له شيء، فهذا من هذا الباب، لابد أن يشترط. قال: وإنما تكون المسابقة في الرمي على الإصابة، لا على البعد، هذه مسألة كذلك ذكرها الفقهاء، وهي: هل مسابقة في الرمي؟ الرمي سواء كان الرمي بالنبل، أو كان الرمي بالسلاح الحديث اليوم، في الدبابات، في كذلك الصواريخ، في الأسلحة اليدوية، هل يشترط في السبق الإصابة فقط؟ بمعنى أنهم لو يستبقون على الرمي، من رميه أبعد؟ يدخل في السبق أم لا؟ هذه المسألة وقع فيها خلاف بين الفقهاء. فمن أهل العلم ذهب إلى أن السبق إنما يكون في الإصابة فقط، أي: لا بد أن يحدد هدف، لا بد أن يحدد هدف، وأن تكون الرمية على ذلك الهدف، أما إذا كان مجرد من رميه أبعد، قالوا: هذا لا يدخل في السبق، لماذا؟ لأن المقصد من ذلك التقوية على الجهاد في سبيل الله، والإعداد في سبيل الله، والرمي الأبعد ليس فيه هذا المعنى. وذهب آخرون من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو كذلك اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وكذلك العلامة ابن القيم، في طائفة آخرين من أهل العلم، قالوا: وعلى هذا جرت عادة الناس إلى يومنا هذا: أنهم كما أنهم يترامون، أو كما أنهم يستبقون على إصابة الهدف، كذلك يستبقون على من رميه أبعد، من رميه أبعد، هذا كما هو واضح، معنى معتبر، فليس ثم دليل على اشتراط الهدف؛ لأن العبرة ما هي؟ العبرة بالتقوية، ما يكون سببًا للتقوية على الإعداد في سبيل الله جل وعلا، وكل المعنيين موجود، وكل المعنيين موجود، وإذا كان كل المعنيين موجود، فإنه يكون مباحًا. والله تعالى أعلم، والله تعالى أعلم. طيب، بقي هنا كما يقال: ملحقًا في المسألة، والوقت قد مضى، فلا بد أن يشار إليها إشارات، ما حكم المسابقات التي تسمى مسابقات رمضانية مثلًا؟ ما حكم المسابقات التي تسمى اليوم مسابقات رمضانية، أو مسابقات هكذا لأمر أو لآخر؟ العلماء، رحمهم الله تعالى، تكلموا كذلك على هذه المسائل، قالوا: فمثل هذه المسابقات لا يخلوا، إما أن تكون أولًا: بعوض من المشتركين في المسابقة، فيدخلون في معنى الميسر، وهو محرم. وإما أن يكون بغير عوض، ولكن تلك المسابقات ليس فيها معنى من معاني الإعداد في سبيل الله جل وعلا، أي: أن تكون مثلًا: مجرد ثقافية، مستبقات ثقافية، أو ما شابه ذلك، أي: ليس فيها معنى من معاني الإعداد، الإعداد والتقوية للجهاد في سبيل الله جل وعلا، إن أذن به ربنا تبارك وتعالى بشروطه وضوابطه. قال: وما كان كذلك، فإنه لا يشرع، كما مر معنا: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل»، فالحاصل: أن مثل هذه المسابقات، كما أفتى به جماعة من أهل العلم: لا تشرع؛ لما فيها من معنى المغالبات، ولما فيها من معاني اللهو، ولما فيها من معاني كذلك من المعاني البعيدة عن المعاني الشرعية التي لأجلها شرع السبق. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على