الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 55، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع وفاة عم النبي أبي طالب وزوجته خديجة رضي الله عنها، ويوضح الآيات القرآنية التي نزلت في أبي طالب كقوله تعالى: ﴿وهم ينهون عنه وينأون عنه﴾ و﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، مع ذكر الحديث الصحيح في البخاري ومسلم عن وفاة أبي طالب على الشرك رغم دعوة النبي له بالشهادة، ويناقش آراء العلماء كالسيوطي ومن تبعه في ادعاء إسلامه، منتقداً من يضعف الحديث الصحيح بجهل.
يبيّن المقطع أن مرسل الصحابي الذي سمع من النبي ﷺ مقبول بالإجماع، ويناقش احتمال حضور المسيب بن حزن للمجلس المذكور، ثم ينتقل إلى إيراد أخبار أبي طالب ومعجزاته وأشعار مع نقد أسانيدها، مبينًا ضعف يحيى بن سلمة بن كهيل وحبة العرني وعدم قبول حديثيهما.
يعرض المقطع روايات مختلفة عن إسلام أبي طالب، أبرزها رواية ابن إسحاق عن موته وهو يلهج بالشهادة، ثم ينتقدها لجهالة في إسنادها ومخالفتها للأحاديث الصحيحة التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجزم بإسلامه، بل سأله: «هل نفعت عمك بشيء؟» ووصفه بعد موته بالشيخ الضال، فيخلص إلى عدم ثبوت إسلام أبي طالب.
يذكر المقطع رواية صحيحة عن ابن عمر رضي الله عنهما أن آية ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ نزلت في أبي طالب، ويؤكد صحة إسناد هذه الرواية وقوتها على ما سواها، مع الإشارة إلى أن التفصيل في ذلك سيأتي لاحقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الحافظ الذهبي رحمه الله: ثم توفي عمه أبو طالب وزوجته خديجة. قال: يُقال في قوله تعالى: ﴿وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم﴾ أنها نزلت في أبي طالب، ونزل فيه: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾. وهذا الباب عقده رحمه الله في وفاة أبي طالب، وفي وفاة زوجته خديجة رضي الله تعالى عنها. قال سفيان الثوري عن حبيب أبي ثابت عن من سمع ابن عباس يقول في قوله: ﴿وهم ينهون عنه﴾ قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وينأى عنه. وهذا في السيرة لابن إسحاق، لكن فيها جهالة. قال: ورواه حمزة الزيات عن حبيب، عن حبيب الظاهر بن أبي عمرة، أو عن حبيب وهو أخوه حبيب بن حبيب بن الزيات، قال: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وهذا إسناد صحيح. ﴿وهم ينهون عنه وينأون عنه﴾، فكان أبو طالب ينهى قريشًا عن أذيتِه ويدافع عنه، ينهى عنه ويدافع. وهذه الآية عامة، ولو صح هذا السبب فالآية عامة في هذا الأمر؛ لأن بعض العلماء يقول: إنها في الكفار. وقال معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عم، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله». فقال: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» قال: فكان آخر كلمة قال: «على ملة عبد المطلب». فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لأستغفرن لك ما لم أنهَ عن ذلك» أو «ما لم أنهَ عنك». فنزلت: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾. ونزلت: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾. أخرجه مسلم، وهذا الحديث أيضًا في البخاري، أخرجه كذلك البخاري. قال البخاري: مثله من حديث شعيب بن أبي حمزة. فيُراد برواية معمر في مسلم، ورواية شعيب عن الزهري في البخاري. وهذا الحديث فيه أن أبا طالب توفي وهو على الشرك، توفي وهو على الشرك. وقد حاول بعض الناس، ومنهم السيوطي، أن يثبت أن أبا طالب أسلم قبل أن يموت، وسيأتي ما الذي جعل السيوطي وغيره يقول بذلك. لكن الأدهى والأمر أن بعض المعاصرين من هؤلاء، ممن تبنى هذا الأمر، وأن أبا طالب أسلم وأنه مات على الإسلام، يقول: إن هذا الحديث لا يصح. وهذه جرأة عظيمة، لماذا؟ قال: لأن المسيب بن حزن ليس من كبار أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا جهل. والأمر الثاني: أنه قال إن المسيب بن حزن لم يحضر هذا المجلس، لم يذكر أنه حضر هذا المجلس. وهذا جهل آخر؛ لأن حتى وإن لم يحضر هذا المجلس، فالعلماء قد أجمعوا على قبول رواية المرسل من الصحابي إذا كان الصحابي قد سمع من النبي عليه الصلاة والسلام. وإنما حصل الخلاف فيمن لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام. فقال بعض العلماء: مرسله كمرسل كبار التابعين. وأما من حضر، ممن سمع من النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا مرسله صحيح. وقد ذكر الإجماع على هذا، إلا أن أبا إسحاق، أبا إسحاق الإسفرائيني، خالف في شيء من هذا الباب، ولا اعتبار بمخالفته. وقد جاء عن الأئمة أنهم قبلوا ذلك، ذكروه في كتبهم على أنه صحيح. فلذا فمرسل الصحابي صحيح. حتى هذا، إذا سلمنا له أنه لم يحضر، لم يحضر هذا المشهد، وليس بالحديث أنه لم يحضر. وحضوره ممكن؛ لأن أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وهو أخو أم سلمة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، هما مخزوميان، والمسيب بن حزن أيضًا مخزومي، فهو منهم، فقد يكون حضر معهم، قد يكون حضر معهم ولم يذكر نفسه، وإنما ذكر أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية. قال رحمه الله: وقد حُكي عن أبي طالب، واسمه عبد مناف، اسم أبي طالب عبد مناف. ابنه علي، وأبو رافع مولى النبي عليه الصلاة والسلام. قال ابن عون عن عمر بن سعيد: أن أبا طالب قال: «كنت في ذي المجاز مع ابن أخي، فعطشت، فشكوت إليه، فأهوى بعقبه إلى الأرض، فنبع الماء، فشربته». وهذا مرسل؛ فعمر بن سعيد كان الأشعث أو غيره، فيه أيضًا عمر بن سعيد بن العاص، فقد يكون ممن هؤلاء من التابعين. لأن ابن عون، عبد الله بن عون، هو من تبع التابعين، فلذا فهو مرسل. قالوا: عن بعض التابعين قال: «لم يكن أحد يسود في الجاهلية إلا بمال، إلا أبو طالب وعتبة بن ربيعة». معناه: ليسوا من أهل المال، لكنهم كانوا يسودون. قلت: ولأبي طالب شعر جيد مدون في السيرة وغيرها، وهو الذي يسمى اللامية، لامية أبي طالب، وهي قد ذُكرت في بعض المواضع بعض هذه اللامية. قال: في مسند أحمد من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، مسند أحمد من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى ضعيف. يحيى بن سلمة بن كهيل ضعيف، عن أبيه، وسلمة بن كهيل ثقة وتابعي جليل، لكن ابنه يحيى ضعيف. قال: عن حبة العرني، وحبة العرني أيضًا ضعيف، ضعفه أكثر أهل العلم، والحافظ قال: صدوق له أوهام. والذي ذكره أكثر أهل الجرح والتعديل أنه ضعيف، وأيضًا شيعي لا يقبل حديثه. قال: عن حبة العرني قال: رأيت عليًا ضحك على المنبر حتى بدت نواجذه، ثم ذكر قول أبي طالب: «ظهر علينا أبو طالب وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نصلي ببطن نخلة، فقال: ماذا تصنعان يا ابن أخي؟ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال: ما بالذي تصنعان من بأس، ولكن والله لا يعلوني إستي أبدًا». فضحك تعجبًا من قول أبي. وهذا لا يصح. وقد ذكرنا ذلك في إسلام علي رضي الله عنه أنه أول من أسلم، فهذا لا يصح. وقوله: «لا يعلوني إستي أبدًا»، معناه: أنه لا أسجد، لا أسجد حتى يعلو خلفي أمامي أو رأسي، ويريد السجود. وروى معتمر بن سليمان عن أبيه: أن قريشًا أظهرت لبني عبد المطلب العداوة وتواثبوا، فجمع أبو طالب رهطه، فقاموا بين أستار الكعبة يدعون الله على من ظلمهم. وقال أبو طالب: «إن أبا قومنا إلا البغي علينا، فعجل نصرنا، وخَلِّ بينهم وبين الذي يريدون من قتل ابن أخي». ثم دخل بآله الشعاب. وقد تقدم الكلام على دخول الشعب. وهذا كلام سليمان بن طرخان التيمي رحمه الله، وهو من التابعين. قال ابن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله. وهذا فيه جهالة، لم يذكر من هؤلاء أهله. والعباس بن عبد الله بن معبد بن عبد الله بن العباس. قال: عن ابن عباس قال: لما أتى النبي عليه الصلاة والسلام أبا طالب، قال: «يا عم، قل لا إله إلا الله، أستحل لك بها الشفاعة». قال: «يا ابن أخي، والله لولا أن تكون سبة على أهل بيتك، يرون أني قلتها جزعًا من الموت، لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها». فلما ثقل أبو طالب، رؤي يحرك شفتيه، فأصغى إليه أخوه العباس، أنا قبل أن يموت حرك شفتيه، قال: فأصغى إليه أخوه العباس، ورفع عنه، وقال: «يا رسول الله، قد والله قالها». فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لم أسمع». وهذا الحديث هو الذي جعل السيوطي وغيره يقولون: إن أبا طالب أسلم. وهذا الحديث لا يصح؛ ففيه جهالة من أهل العباس بن عبد الله بن معبد، فلم يذكر من هذا الذي حدثه، وهذه جهالة. وأيضًا فيه مخالفة، كما سيذكر المؤلف هنا، فيه مخالفة للحديث الصحيح. وانظر إلى الهوى، فاستدل بعضهم بهذا الحديث الضعيف على ضعف الحديث الصحيح. قلت: هذا لا يصح. ولو كان سمعه العباس يقولها، لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «هل نفعت عمك بشيء؟» أن لو كان سمع هذه المقالة من أبي طالب، وأنه قال: لا إله إلا الله، لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا السؤال: «هل نفعت عمك بشيء؟» ولما قال عليه بعد موت: «يا رسول الله، إن عمك الشيخ الضال قد مات». صحيح أن عمر بن دينار روى عن أبي سعيد بن رافع قال: سألت ابن عمر عن قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، قال: نزلت في أبي طالب. قال: نعم. أي ابن عمر قال: نعم. وهذا الإسناد صحيح، أقوى مما ذكروا. وسيأتي أيضًا الكلام على هذا فيما سيأتي إن شاء الله تعالى. فنتوكل بهذا، والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر