الخطبة بعنوان كرامات الأولياء، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 رجب 1439هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الخطيب أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون الذين تنالهم الولاية بأداء الفرائض والتقرب بالنوافل، فيحبهم الله وينصرهم. ويبين صور البشرى لهم في الدنيا كالرؤيا الصالحة، تبشير الملائكة عند الموت، ووعد الثواب العظيم.
يعرض المقطع تعريف الكرامات كخوارق عادات يُظهرها الله على أيدي المؤمنين المتقين، ويذكر شروط أهل السنة لصحتها من سلامة السند واستقامة صاحبها. كما يفرق بين الكرامة التي لا تُغلب لأنها من الله، والشعوذة التي تُغلب وتصدر من الفاجر، ويرد على الغالية والجاحية.
يسرد كرامات ثابتة لصحابة كخبيب بن عدي وعاصم بن ثابت وأسيد بن حضير وعباد بن بشر، ثم يحذر من ادعاءات مبالغ فيها تُنسب لبعض المشايخ كإيقاف الشمس وإحياء الموتى. يؤكد أن كرامات الأولياء الحقيقية لا تتجاوز معجزات الأنبياء ولا تثبت إلا لمن استقام على الشرع.
يستهل المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ثم ينتقل إلى التكبير وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهي الافتتاحية المعتادة للخطبة أو مجالس الذكر.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. يُبَيِّنُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في هذه الآيات المباركات معنى الولاية، ومن هو الولي، وما له من منزلة رفيعة عند الله سبحانه وتعالى. فقال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾، وأولياء جمع ولي، والولي قد بيَّنه ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية التي بعدها في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «كل مؤمن تقي فهو لله ولي». فالولاية لا تقتصر على نسب دون نسب، ولا على بلد دون بلد. الولاية ليس معناها أن يُبنى على صاحبها قبة أو ضريح، أو أن يُزار زيارة شركية أو بدعية. إنما الولي هو المؤمن التقي كما سمعت في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. فالولاية منزلة في الدين عظيمة، لا يبلغها إلا من عمل بالدين ظاهرًا وباطنًا. فلها جانبان: جانب من قبل العبد، وهو بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، والتدرج في مراقي العبودية بالنوافل. ويُبَيِّن ذلك في تلك الآيات في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. والجانب الآخر يتعلَّق بالرب سبحانه وتعالى، وذلك محبَّتُهُ عزَّ وجل لهذا الولي، ونُصرته، وتثبيتُهُ على الاستقامة. وذلك في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وَيُؤَكِّدُ ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة في حديث الولي، وهو حديث قدسي، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ». ففي قوله: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ» يشمل امتثال الأوامر والابتعاد عن النواهي. وفي قوله: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ» فيه تدرُّج هذا الولي في مراقي العبودية وذلك بالنوافل، وهذا من جانب العبد. وأما قوله سبحانه وتعالى في هذا الحديث: «حَتَّى أُحِبَّهُ» فهذا هو ما يتعلَّق بالرب سبحانه وتعالى تجاه هذا الولي. أيها المؤمنون، عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى يُؤيِّد هذا الولي وينصره ويوفِّقه ويسدِّده، بل يُبشِّره في الدنيا قبل الآخرة كما في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. والبشرى في الحياة الدنيا تشمل ثلاثة معًا، وكلها صحيحة، وكلها يدل عليها اللفظ. أما المعنى الأول: فهي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له، كما جاء عند أحمد والطبراني من حديث أبي الدرداء أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فقال له عليه الصلاة والسلام: «لَمْ يَسْأَلْنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُكَ»، ثم قال له: «الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ». صحَّحه العلامة الألباني في الصحيحة. وهكذا جاء عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ»، قالوا: وما المُبَشِّرَاتُ يا رسول الله؟ قال: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ». فهذه من المُبَشِّرَات. وأما المعنى الثاني من معنى البشرى في الحياة الدنيا: فهو ما يكون لهذا الولي من تبشير الملائكة عند الاحتضار، عند النزع، وذلك في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فيا لها من بشرى، ويا له من اطمئنان في هذا الموقف العصيب. وأما المعنى الثالث من معاني البشرى في الحياة الدنيا: فهو ما بشَّر الله عز وجل به عباده المؤمنين بالثواب الجزيل والأجر العظيم. قال الله عز وجل: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. وأما البشرى في الآخرة: فهي البشرى بالجنة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. أيها المؤمنون، عباد الله، كما سمعتم هذه الولاية، فلعل من طلبها وسعى إليها فإنه يبلغها بإذن الله، وذلك بالإيمان والتقوى. وليس من لازم الولاية، وليس من شرطها، أن تظهر على يديك خوارق العادات أو خارقة العادة. ليس من شرطها، وإنما ذلك أمر زائد وإضافي يُظهره الله سبحانه وتعالى على يدي من شاء من أوليائه. فإن هذه تُسمَّى بكرامات الأولياء، يُكرِم بها من يشاء من أوليائه. فالكرامة: أمر خارق للعادة يُظهره الله على أيدي من شاء من خلقه. واعلموا عباد الله أن هذه الكرامات يُثبتها أهل السنة والجماعة، يُثبتها بشروطها. فمن شروطها: أن يصح السند بها، إما بنقل أثقات، وإما برؤية العين. فإذا ثبت ذلك، فحاشى لأهل السنة أن يُنكِروا ذلك. وقد ورد ذلك في كتاب الله، وفي صحيح سنة رسول الله، وهذا ما يُشاهده الناس ويظهر في واقعهم. وكذلك من شرط هذه الكرامة عند أهل السنة: أن تظهر على أيدي المستقيم المؤمن التقي، كما وصف الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. أما إذا ظهر خارق من خوارق العادات على أيدي فاجر فاسق مشعوذ ساحر، فإن ذلك من الشعوذة والدجل والسخافات، وليس من الكرامات. فاعلم يا عبد الله أن هناك فرقًا بين كرامات الأولياء وبين شعوذة المشعوذين وسخافات المشركين. ومن تلك الفروق أخي المسلم: أن الكرامة تظهر على يد المستقيم، وأما الشعوذة فإنها تظهر على يد الفاجر الفاسق المخالف لشرع الله سبحانه وتعالى. ولذلك جاء عن الإمام الشافعي عليه رحمة الله أنه قال: «إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء، أو يسير على الماء، فلا تقبلوا دعوى ولايته حتى تعرضوا أعماله على الكتاب والسنة». هذا هو المعيار في معرفة الولاية: أن يعرض عمله على الكتاب والسنة. وهكذا من شروط هذه الكرامة الصحيحة: أن صاحبها لا يغتر بها، ولا يزكي نفسه بها. فقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى * هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. فلا يفخر، ولا يدعي أنه هو المطاع، وهو المتبع، ونحو ذلك، لأنه قد ظهرت على يديه كرامة. إن دعا أحد إلى ذلك، فاعلم أنه دجال من الدجاجلة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا تدل على أن صاحبها معصوم، أو تدل على وجوب اتباعه في كل ما يقول». ذكر ذلك شيخ الإسلام في كتابه «النبوات». فالولي والمتقي لا يفخر إن أكرمه الله بتلك الكرامة. وهكذا من التمييز بين كرامات الأولياء، وكذلك شعوذة المشعوذين وكذب الدجالين: أن الشعوذة، أو أن المشعوذ، إذا جاء من هو أقدر منه في الشعوذة، غلبه. غلبه. أما الكرامة فإنها لا تُغلب. أما الكرامة فإنها لا تُغلب، لأنها من الله سبحانه وتعالى. وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، قد سمعتم أن أهل السنة والجماعة يثبتون كرامات الأولياء بشروطها المعتبرة من الكتاب والسنة. ألا واعلموا عباد الله أن هناك طائفتين قد ضلَّتا السبيل في هذه المسألة، وهما طرفا نقيض. فطائفة: أجازوا خوارق العادات بدون حد، فغلوا في إثباتها بالكذب والشرك، والدعاء الغيبي والبدعي، والسخافات ونحو ذلك، وهم الأشاعرة ومن جرى نحوهم من الصوفية وغيرهم. وهناك طائفة أخرى، طرف نقيض للطائفة الأولى، وهم المعتزلة والعقلانيون ومن جرى نحوهم، فإنهم لم يجيزوا خوارق العادات لغير الأنبياء، فأثبتوها للأنبياء فقط. يقول البغدادي رحمه الله تعالى: «وأنكرت القدرية كرامات الأولياء لأنهم لم يجدوا في أهل بدعتهم ذا كرامة، لأنهم لم يجدوا في أهل بدعتهم ذا كرامة، فأنكروا كرامات الأولياء جملة وتفصيلًا». فوفَّق الله أهل الحق إلى القول الوسط الذي هم عليه في جميع المسائل، وفي جميع العقائد والعبادات. أيها المسلمون، عباد الله، إن أهل السنة قد دوَّنوا في كرامات الأولياء، وقد أفردوا لها بابًا مستقلًا في كتب العقائد. فقد أفرد الإمام اللالكائي في كتابه «مجموع اعتقاد أهل السنة والجماعة» فصلًا مستقلًا في كرامات الأولياء. وهكذا شيخنا الوادعي عليه رحمة الله، وقد ذكر جملة طيبة، وذكر فصلًا في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»؛ لأن كرامات الأولياء تدل على صدق رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، كما تقدَّم من قول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. فأهل السنة يثبتون ويؤمنون بما صحَّ من كرامات الأولياء، سواء كان في عهد الصحابة، أو من كان بعدهم إلى زماننا هذا، إلى أن يورث الله الأرض ومن عليها. وقد جاء في القرآن، وفي السنة، ذكر شيء من تلك الكرامات. من تلك الكرامات: قال الله عز وجل في شأن مريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وقد وقع هذا أيضًا لصحابي جليل من صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح البخاري، وهو خبيب الأنصاري رضي الله تعالى عنه. لما أسره المشركون، تقول بنت الحارث، والبيت الذي أسر فيه بيت أهلها: «لقد وجدت عند خبيب، لقد وجدت عند خبيب عذق عنب أو قطف عنب، ومن يأكل منه، وإنه لموثق بالحديد، ولم يكن في مكة من ثمر، وما أرى ذلك إلا رزقًا رزقه الله خبيبًا». فهذه كرامة ذكرها العلماء لخبيب الأنصاري رضي الله تعالى عنه. وكذلك وقعت كرامة أخرى للصحابي الجليل، وقد جاءت قصته في نفس حديث خبيب، وهو عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه. لما قتله ألم الكفار من غير أهل قريش، سمعت قريش بذلك، فأرادت أن تأخذ قطعة منه لتتعرف عليه، فأرسلت نفرًا منهم، فبعث الله ظُلَّة، بعث الله ظُلَّة من الدَّبْر، والدَّبْر هو ذكور النحل، أو هذه الحشرات التي نسميها الهنابير أو نحو ذلك، جُعِل عليه مثل الظُّلَّة، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا. وهذا الحديث في صحيح البخاري، وذكره شيخنا في الصحيح المسند. وهكذا وقعت كرامة لأسيد بن حضير، وكذلك عباد بن بشر رضي الله تعالى عنهما. فلقد كانا عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ليلة مظلمة حندس، أي شديدة الظلمة، فلما انصرفا أضاءت عصا أحدهما، فمشيا عليه، فلما افترقا أضاءت عصا الآخر. رواه الحاكم، وذكره شيخنا الوادعي في الصحيح المسند من دلائل النبوة. وهكذا كم جاء في السنة من استجابة الله عز وجل لدعاء الصحابة، كدعاء العباس بن عبد المطلب في الاستسقاء، وكدعاء أنس بن النضر لما قال: «والله لا تُقطع ثنية الربيع»، فألقى الله في قلب من أراد القصاص العفو والرضا، فعفوا عنها، وقد كانوا قبل ذلك مصرِّين على القصاص. وكم من الدعوات التي جاءت في السنة والتي استجاب الله عز وجل فيها لصحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقد نبَّه شيخ الإسلام في كتابه «النبوات» على مسألة مهمة في إثبات كرامات الأولياء، وهي: أن كرامات الأولياء تكون دون معجزات الأنبياء. تكون دون معجزات الأنبياء. فهؤلاء الذين غلوا في إثبات الكرامات لأصحابهم يذكرون أمورًا لربما ما وقعت لأنبياء الله، أو وقعت لهم في مقام المعجزة أو نحو ذلك. فذاك يدَّعي أن وليَّه أو شيخَه يبيع السيول، فيُسمَّى ببيع السيول، ويذكرون ذلك في كراماتهم. وذاك يزعم أن شيخَه أو وليَّه قد أوقف الشمس حتى يقضي حاجته قبل الغروب. وذاك يزعم أن شيخَه يصلِّي في الحرم، وبيته ومسكنه في اليمن أو في الشام. وذاك يزعم أن كذلك وليَّه أوقف السيول حتى تغتسل ابنته التي اشتاقت إلى الغسل في هذا السيل. وذاك يزعم أن شيخَه يُحيي الموتى، فذاك الديك الميت قام صارخًا بعد أن أحياه هذا الولي. ما هذه السخافات أيها المسلمون، عباد الله؟ هذه سخافات، وليست بكرامات، ويذكرونها من غير خطام ولا زمام. وهكذا يفتخرون بها ليُعظِّم الناس شيوخَهم، وهكذا ساداتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهناك أمر آخر أيضًا في الرؤيا الصالحة التي هي كذلك من كرامات الأولياء: أن هذه الرؤيا لتنبني عليها الأحكام الشرعية. فلا يُقال للناس: رأيتُ رؤيا أن النبي عليه الصلاة والسلام معي، أو أنه خرج معي وعلمني هذا الدعاء، دعاء لم يرد في الكتاب ولا في السنة، إنما أصله من رؤيا شيطانية، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيُعلَّم الناس هذا الدعاء من أجل أن يحفظوه، ومن أجل أن يتعبدوا الله به. ما هكذا الكرامات أيها المؤمنون، عباد الله. فينبغي على المسلم أن يضبط هذا الباب، باب الكرامات، وأن لا يقبل إلا ما صحَّ به السنة، وأن لا يقبل كرامة إلا ممن استقام على دين الله، ممن هو مؤمن تقي. ما تراه يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو يصافح النساء، ويدخل عليه النساء الأجانب، أو يأكل أموال الناس بالباطل، أو يسب الناس، أو نحو ذلك، ثم يُقالوا: إن هذا ظهرت عليه خوارق العادات. نعم، لعلها تكون من الشياطين. كذاك الذي يزعم أن شيخه تجده في نفس الوقت في عدة بيوت، إذا ذهبت أي بيت من البيوت تجده في ذاك البيت في نفس الساعة وفي نفس اللحظة. لعل ذلك من تمثيل الشيطان، يتمثل به في وقت واحد. فاتقوا الله عباد الله، واضبطوا هذا الباب، واعلموا أن كرامات الأولياء ليس معناها أن يُعظَّم هذا الولي كتعظيم الله عز وجل، أو أن يُغترَّ بمخالفاته الشرعية وبطريقته البدعية، فإن ذلك لعلَّه يكون من الشيطان. وإنما الولاية تُثبَتُ لذلكم الولي التقي المؤمن إذا ثبتت، وإذا لم تكن هذه الكرامة أعظم وأرفع من كرامات أو من معجزات الأنبياء. وقال الله بمنه وكرمه أن يُفقِّهنا في الدين، وأن يعلمنا التأويل. اللهم اغفر لنا وارحمنا، وتُب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارِك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الله أكبر، الله أكبر، شهدوا أن لا إله إلا الله، شهدوا أن محمدًا رسول الله...