الخطبة بعنوان التحذير من الظلم، ألقاها
الظلم ذنب عظيم يؤدي إلى هلاك الديار وتمزيق الأمصار، وقد حذرت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من الظلم وبيّنت عواقبه الوخيمة.
نفى الله تعالى الظلم عن نفسه وأمر بتحريمه بين العباد، وقسم العلماء الظلم إلى ثلاثة أقسام، ويجب رد الحقوق إلى أصحابها يوم القيامة أو التحلل منها في الدنيا.
يُحذر من الظلم وعدم تغيير المنكر، ويُنبه إلى عواقب عدم التوبة والتحلل من الظلم، ثم ينتقل إلى الدعاء للنبي بالصلاة والسلام والبركة.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. إن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد، عباد الله، اتقوا الله واحذروا الظلم، فإن الظلم ذنب عظيم، ومرتع وخيم، بداياته محرقة، ونهاياته مهلكة. فكم من جبار بقهره قُسِم، وكم من باغٍ ببغيه قُسِم. الظلم يا عباد الله من أعظم ما يهلك الديار، ويمزق الأمصار، ويُحل غضب الجبار. وكما قيل: ليس شيء أقرب من زوال نعمة، ولا تعجيل نقمة، من الإقامة على الظلم. وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعلا، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. روى الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد صحيح عن أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ليس من ذنب أحرى أن يعجل الله العقوبة لصاحبه مع ما ادخره له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم». وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم عن الظلم وأنه من أعظم الأسباب لهلاك الأمم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾، ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. إن الله تبارك وتعالى نفى عن نفسه المقدسة الظلم لبشاعته، فقال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. وحرم الله جل وعلا على نفسه الظلم، تنزهًا عن هذا الوصف الذميم، قال ربنا تبارك وتعالى كما في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا». ففي الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه في خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم النحر في أعظم مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟». وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». كيف لا، وهو من أعظم أسباب رفع الأمن وزوال الاهتداء؟ قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. عباد الله، إن العلماء قسموا الظلم إلى ثلاثة أقسام: النوع الأول: الظلم في حق الله تبارك وتعالى، وهو الشرك بالله. النوع الثاني: ظلم الإنسان لنفسه بارتكاب المعاصي. النوع الثالث: ظلم العبد لغيره. ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء». وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم». وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «أتدرون من المفلس؟» فقال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيقضى عليه من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فحطت عليه، ثم طرح في النار». أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. عباد الله، علينا أن نتقي الله، علينا أن نتوب إلى الله، علينا أن ننظر في أنفسنا وفي مجتمعاتنا، فننهاها عن الظلم ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وإلا أحل الله تبارك وتعالى علينا من العقوبات ما لا نطيقها. قال الإمام أحمد في مسنده وأبو داود بإسناد صحيح من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه قال: «لعلكم تقرؤون قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فاسمع إلى هذا الحديث العظيم». قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناس الظالم فلم يمنعوه، فلم يأخذوا على يديه، أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه». قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. عباد الله، علينا أن نتقي الله، علينا أن نرجع إلى الله، علينا أن نتحلل من الظلم قبل أن لا يكون ذهب ولا درهم. إنما هي الحسنات، فأسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا وارحمنا، إنك أنت الغفور الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين.