الدرس في كتاب الأطعمة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع تعريف اليمين اللغوي والشرعي ومشروعيتها، مبيناً أركان انعقادها من الحلف بالله أو بأسمائه وصفاته غير الخبرية الذاتية، وجواز الحلف بالوجه والقرآن. كما يحذر من الحلف بغير الله لاعتباره شركاً، ويشير إلى كفارة الحنث ومشروعية الرجوع إلى ما هو خير.
يؤكد المقطع تحريم الحلف بغير الله وعدّه شركاً أصغر، ثم يفصل في شروط اليمين المنعقدة الموجبة للكفارة ككونها بالله وعلى أمر مستقبل. ويقسم اليمين إلى ثلاثة أقسام: المنعقدة، والغموس، واللغو، مع تعريف الحنث كشرط لوجوب الكفارة.
يستعرض المقطع شروط وجوب الكفارة من اختيار الحالف وذاكرته وعقله وبلوغه وقصده، مبيناً أن الإكراه والخطأ والنسيان والغضب الشديد يسقطون الكفارة ويمنعون انعقاد اليمين. ويوضح صور الحنث بالفعل أو الترك الموجبة للكفارة عند توافر الشروط.
يختتم المتحدث الجلسة بالتأكيد على أن الموضوع المشار إليه سيتم تناوله في وقت لاحق من الجلسة إن شاء الله، داعياً الله التوفيق والسداد.
أشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال المعلّف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في كتابه "منهج السالكين توضيح الفقه في الدين"، باب الأيمان والنذور: الإيمان أو الأيمان بفتح الهمزة، المراد بها اليمين، وسميت بذلك لأنهم كانوا إذا تحالفوا على شيء ضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين الآخر، فسميت بيمين. قال: لا تنعقد اليمين إلا بالله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته. واليمين دل الكتاب والسنة والإجماع على مشروعيتها فيما يحتاج إليه من يمين. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ﴾. وهكذا جاء في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحلف بقوله: «والذي نفسي بيده»، وبقوله: «كذلك ورب الكعبة»، وغير ذلك مما ورد في السنة. فاليمين ثابتة إذا احتيج إليها. وقوله هنا: "لا تنعقد اليمين"، أي التي تجب فيها الكفارة إذا حنث فيها. يعني الإنسان إذا حلف على شيء ثم أراد أن يرجع عن هذا الحلف، قال: والله لا أدخل بيت فلان، ثم بدا له أن يدخل، فهنا تنعقد يمينه لأنه عقد هذه اليمين. فإذا أراد الرجوع عن يمينه فيجب عليه أن يكفر عن هذه اليمين. فالمراد: لا تنعقد اليمين، أي التي تجب فيها الكفارة إذا حنث فيها. إذا رجع عن يمينه فأراد أن يدخل هذا البيت، فلا نمنعه. الذي يحلف على شيء لا نقول له: خلاص لا يجوز لك مدى حياتك، لا. إذا أراد أن يرجع عن هذا الحلف فله ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير». إنسان ربما أحياناً يحلف عن غضب، عن تسرع، ثم يندم، فنقول له: الحمد لله، الشرع يسر على المسلم، فما عليك إلا أن تكفر عن يمينك وتأتي الذي تراه خيراً. إذا رأيت أن دخولك هذا البيت خيراً، فكفر عن يمينك وترجع عن دخولك إلى البيت، وهكذا في غيرها من الأيمان. الأيمان: وهنا قوله: "إلا بالله أو اسم من أسماء أو صفة من صفاته". الآن شرع في الكلام على شروط عقد الأيمان: متى تنعقد الأيمان؟ الشرط الأول ما ذكره هاهنا: أن يكون الحلف بالله، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته. فالحلف بالله تقول: والله. أو اسم من أسماء، أي اسم من أسمائه، تقول مثلاً: والرحمن، بأي حرف من حروف القسم. وحروف القسم ثلاثة: الواو، والتاء، والباء: والله، وتالله، وبالله. طيب. أو اسم من أسماء: يعني الرحمن، والعزيز، ونحو ذلك. أو صفة من صفاته، ويتقيد هذه الصفة بأن لا تكون من الصفات الخبرية الذاتية. فقد ذكر الشيخ ابن عثيمين أنه لا يجوز الحلف بالصفات الخبرية الذاتية، وهي التي بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء، مثل اليد والأصبع، فهذا لا يجوز الحلف بها، مع أنها صفات للعزيز، لكنها صفات خبرية ذاتية. واستثنى العلماء الحلف من هذه الصفات الذاتية الخبرية بصفة واحدة فقط، وهي الوجه. قالوا: لأن الوجه يعبر به عن الذات، ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾، أي ويبقى ربك، فيجوز الحلف بالوجه. هذا مما استثني، وهي صفة خبرية ذاتية، لكن يجوز الحلف بها لأنه جاء في القرآن وفي السنة أنه يعبر بهذه الصفة عن الذات، ولم يأت في القرآن والسنة التعبير عن الذات بغير صفة الوجه من الصفات الذاتية الخبرية. وأما غيرها من الصفات الذاتية الخبرية فلا. فالمراد هنا بالصفات: أي الصفات غير الخبرية الذاتية، كالحلف بعزة الله، وهذا قد ورد، ﴿ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي ﴾، أو في الحديث الآخر: «كذلك وعزة الله»، ونحو ذلك مما جاء فيه الحلف بصفة من صفات الله سبحانه وتعالى. بل حتى ذكر العلماء يجوز الحلف بآيات الله الشرعية، وهو القرآن، وتحلف مثلاً بكتاب الله أو بآيات الله الشرعية، فهذا يجوز لأن القرآن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته. بخلاف الحلف بالصفات أو بالآيات الكونية، فلا يجوز الحلف بالشمس أو القمر أو الليل أو النهار. بالنسبة للمخلوق لا يجوز له الحلف بذلك. فإذا حلف الحالف بالله، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، هنا يعد حلفاً بالله. قال: والحلف بغير الله شرك، لا تنعقد به اليمين، وقد نهى الشرع عنه. قال عليه الصلاة والسلام: «من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر». وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، أو ليصمت. نعم، وجاء في حديث عمر أيضاً، قال عمر رضي الله تعالى عنه: قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحلفوا بآبائكم، لا تحلفوا بآبائكم». فالحلف بغير الله شرك، وهو من الشرك الأصغر، الأصل أنه من الشرك الأصغر، إلا إذا اعتقد الحالف في المحلوف به ما يعتقد في الله عز وجل، فهو قد يصل إلى حد الشرك الأكبر، كما هو مفصل في كتب العقيدة. فمن حلف بغير الله فلا تنعقد به اليمين، بل هو آثم وقد وقع في الشرك. فلو إنسان مثلاً قال: "والعيدروس ما سأسافر إلى بلد كذا"، فهنا أثم على حلفه بغير الله، ولا تنعقد هذه اليمين. فلوا سافر لا تلزمه كفارة يمين، لا تلزمه كفارة يمين. وقد ذكر أهل العلم الاتفاق على ذلك، الاتفاق على ذلك. اتفق الأئمة أن من حلف بغير الله لا تنعقد يمينه، لا تنعقد يمينه. نقل هذا الاتفاق شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. فإذا لا بد في اليمين أن تكون بالله، باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته. قال: ولا بد أن تكون اليمين الموجبة للكفارة على أمر مستقبل. هذا الشرط الثاني، هذا الشرط الثاني من شروط كفارة اليمين: أن تكون على أمر مستقبل، ولا تكون على أمر ماضي، كما سيبين المؤلف. نمثل على الأمر المستقبل والأمر الماضي: الأمر المستقبل يعني الذي يكون بعد الحلف، فتقول مثلاً: والله لا أدخل بيت فلان، أو والله لا أذهب السوق هذا اليوم، وما زلت في هذا اليوم، تمام. فإذا كان اليوم معمولاً موجوداً وأنت ذهبت، فهذا أمر مستقبل واضح، فهذا هو مثال الأمر المستقبل. أما مثال الأمر الماضي: كأن تقول: والله ما ضربت زيداً. ضرب متى وقع؟ في الزمن الماضي، تمام. فهذا لا يعد يميناً بمعنى تنعقد بها اليمين التي يلزم بها الكفارة، لا، لأنه على أمر قد مضى، على أمر قد مضى. وسيبين المؤلف أنواعاً أخرى من أنواع اليمين. فاليمين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: اليمين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: يمين منعقدة، يعني التي يلزم بها كفارة اليمين، ويمين الغموس، والثالثة اللي هي اللغو، اليمين التي هي بمعنى اللغو وليس العقد، فهي ثلاث. وسيبين المؤلف ذلك إن شاء الله تعالى. نحن الآن في سياق ذكر شروط ماذا؟ شروط كفارة اليمين المنعقدة، اليمين المنعقدة. متى تنعقد اليمين؟ يعني اليمين التي يلزم بها كفارة اليمين. اليمين، فذكرنا الشرط الأول: أن تكون بالله، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته. والشرط الثاني: أن تكون في أمر مستقبل، أن تكون في أمر مستقبل. قال: فإذا كانت على ماض، هذا اليمين على ماض، وهو كاذب عالماً، فهي اليمين الغموس. إنسان قال مثلاً: والله ما أخذت أرض فلان. هذا الآن في أمر مستقبل أو ماضي؟ بل أمر ماضي. فإن كان صادقاً، خلاص، هذا يعد يميناً صادقة، ما فيها شيء، لا كفارة يمين ولا شيء، واضح. وإن كان كاذباً فهذا تسمى اليمين الغموس. لماذا سميت غموساً؟ قالوا: لأنها تغمس صاحبها في النار، والعياذ بالله. وذكرت في حديث السبع الموبقات: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها اليمين الغموس، بهذا اللفظ. ذكر منها أيش؟ اليمين الغموس. فهذه تسمى يمين غموس. قال: وإن كان يظن صدق نفسه فهي من لغو اليمين. يظن صدق نفسه، وضابط لغو اليمين: أن يتلفظ بالقسم وهو لا ينوي ولا يريد القسم، ما نية العقد، عقد اليمين، وإنما شيء جرى على لسانه، كما جاء في حديث عائشة: هو قول الرجل: «بلى والله، ولا والله». يعني عند الكلام، بعضهم اعتاد على هذا. طيب، لما يتكلم يقول: والله ما... يعني قلت ذلك، والله كذا، والله، يريد أيش؟ يعني من باب لغو اليمين، ليس من باب الصدق في اليمين، ليس من باب الصدق في اليمين، وإنما من باب ما جرى على لسانه، أو ما تلفظ به وهو لا ينوي ولا يريد القسم، ولا يريد القسم. نعم، فهذا هو لغو اليمين الذي يجري على لسانه بغير قصد، قال: كقوله: "لا والله، بلى والله"، في عرض حديثه، يعني في سياق حديثه. قال: وإذا حنث في يمينه، إذن هنا من شروط كذلك من شروط كفارة اليمين الحنث. وما معنى الحنث؟ يعني الرجوع عنها. فإذا لم يرجع عنها فليس عليه شيء. مثال ذلك: مثال ذلك، قال: والله لا أدخل بيت فلان، أو والله لا أسافر إلى بلد كذا، طيب، ولم يفعل، ما تراجع، لا يزال على حلفه، فهنا ليس عليه شيء لأنه لا يزال على الحلف، واضح. فإذا رجع عنها، حنث عنها، فهنا تلزمه أيش؟ الكفارة. قال: والله لا أدخل بيت فلان، ثم دخل، ثم دخل. وأيضاً نستفيد من هذا، وأيضاً هذا من شروط، من شروط كفارة اليمين، ونبه عليها الشارح: أن يكون مختاراً. فخرج بهذا المكره. إنسان قيل له: احلف أنك ما تدخل بيت فلان، وإلا ضربناك، وإلا سجناك. طيب، فهو يعني مكره على هذا الحلف، فهنا لو رجع عن حلفه ليس عليه شيء. قال: هيا قل: والله لا آتي هذا المكان مرة أخرى. قال: ليش؟ أنا أريد أن آتي. قالوا: إما أن تحلف وإلا ضربناك، وإلا قتلناك، وإلا سجناك. فهنا الآن أكره على هذا، الإكراه ملجئ، فحلف. فإذا جاء إلى هذا المكان ليس عليه شيء لأنه مكره. وكذلك من شروط كفارة اليمين كما ذكر: أن يكون ذاكراً، أن يكون ذاكراً. فلو مثلاً قال: والله ما أدخل بيت فلان، مرت سنة سنتين، نسي إنه حلف أصلاً، فجاءت مناسبة ودخل، فبعد ما دخل وخرج، واحد ذكره: قال: لا أذكر أنك حلفت. قالوا: صحيح، أنا حلفت لكن نسيت. فهنا ليس عليه كفارة، لكن يستمر في حلفه، بمعنى أنه لا يدخل مرة ثانية ذاكراً، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، ومنها عن أيش؟ عن ها... رفع القلم عن ثلاثة: عن أيش؟ النائم، أيوة... ها، والصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق. لا، الحديث الآخر: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». فهذا دليل: الخطأ والنسيان والإكراه. نعم، وذكروا أيضاً من شروطه العقل، أن يكون الحالف عاقلاً. فلو كان سكران أو مجنون وحلف: قال: والله ما سأذهب دكاني، وقوم سكران، راحت السكرة، وراح يداوم في دكانه، فإن يقول له: أنت حلفت وحنث، لأنه لا عقل له حال الحلف. ولذلك اشترطوا في الحلف القصد، أن يكون قاصداً للحلف. نعم، وذكروا أيضاً من الشروط البلوغ، فأخرجوا الصبي. وهل يشمل الصبي المميز وغير المميز؟ بالنسبة لغير... بالنسبة للمميز خلاف: هل يقع يمينه أو لا يقع؟ والصحيح أنه يقع، طالما أنه يعرف معنى الحلف وهو مميز، فيقع منه ذلك الحلف. نعم، فهذا خلاصة ما ذكره أهل العلم من شروط ماذا؟ من شروط كفارة اليمين، من شروط كفارة اليمين. نعم، فإذا حنث في يمينه، بأن فعل ما حلف على تركه. مثال: فعل ما حلف على تركه، قال: والله لا أدخل بيت فلان. الآن حلف على ترك الدخول، صح؟ ترك الدخول، صح. نعم، فإذا فعل ما حلف على تركه، دخل، فهنا بالشروط المتقدمة يكفر عن يمينه. أو ترك ما حلف على فعله، قال: والله لأذهبن إلى بيت فلان، ثم لم يذهب. طيب، استمر في ذلك، فهنا يعني ترك ما حلف على فعله، فيجب عليه أن يفعل هذا، وإلا يكفر عن يمينه. قال: وجبت عليه الكفارة. وإن شاء الله الكلام على الكفارة نأخذه في الدرس القادم بإذن الله. إلا هنا... والله تعالى... غضب شديد، غضب شديد، غضب شديد، غلام صغير، غضب شديد، غضب شديد. إذا كان هذا الغضب مطبقاً، يعني بحيث ما يدري ما يقول، فهذا لا تنعقد اليمين، لأن اليمين اشترط فيها القصد، وهنا لم يقصد لشدة الغضب. مثل الطلاق، قالوا: الطلاق لا ينعقد عند الغضب الشديد الذي يصل صاحبه إلى حد الإغلاق، ما يدري ما يقول، ما يدري ما يقول، ما يقول. فهذا حكمه حكم المجنون، وحكم كذلك غير القاصد، فلا ينعقد. متى حدود... يقول: هذا الرجل إذا كان الإكراه ملجئاً، الإكراه الملجئ هو الذي يؤدي إلى قتل، أو إلى ضرب لا يتحمله. أما إذا كان يتحمل الضرب، ضرب خفيف، هذا ليس ملجئاً، لأن الإكراه قسموا إلى قسمين، كما هو معلوم في كتب أصول الفقه: إكراه ملجئ، وإكراه غير ملجئ. فليس كل إكراه يرخص لصاحبه الوقوع في المحظور، لا، وإنما هو الإكراه الملجئ الذي يؤدي إلى الوفاة، أو يؤدي إلى بلاء لا يستطيع تحمله، أو سجن لا يستطيع تحمله. فتفاصيل موجودة في هذه القاعدة في كتب الأصول. إذا تخويف... لا، التخويف ما يعد. إذا هو يعلم أنهم ما سيفعلون شيء، فهذا لا يعد إكراه ملجئ. نعم، يتحمل. إن شاء الله، إن شاء الله. نعم، هذا سيأتي معنا إن شاء الله، إن شاء الله.