الدرس في شرح عقيدة الرازيين 15، ألقاها
من قال بخلق القرآن فهو كافر بالله العظيم، لأن القرآن كلام الله غير مخلوق. هذا الحكم مجمع عليه بين السلف.
من شك في كفر من قال بخلق القرآن مع فهمه للمقالة يعتبر كافرًا، بينما قد يعذر الجاهل. الواقفة الذين يتوقفون في الحكم على القرآن يُناقش حكمهم.
أهل البدع يتميزون بالوقيعة في أهل الأثر، وكان السلف يمتحن الناس بالأشخاص. يُحذر من أهل البدع الذين يظهرون السلامة ثم يبدون بدعهم.
أهل الأهواء والبدع يسمون أهل السنة بألقاب تسيء إليهم، مثل حشوية ومشبهة. أهل السنة يثبتون لله الأسماء والصفات ويؤكدون على اتباع السنة.
المرجئة يعتقدون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، بينما يثبت الكتاب والسنة أن الإيمان يزيد بنص الآيات القرآنية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمامان الرازيان أبو زرعة وأبو حاتم عليهما رحمة الله: ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر. قولهما: ومن زعم أن القرآن مخلوق، الزعم يطلق على ما يتكلم فيه من الكلام مما هو محل شك وعدم تثبت، ولكن ذكرها هنا لبيان بطلان هذا القول، فهو يقول: ومن زعم أن القرآن مخلوق، أي من قال بأن القرآن الذي بين أيدي المسلمين الذي يتلوه المسلمون ويتعبدون الله جل وعلا به ذلك الكتاب العظيم الذي جعله الله جل وعلا سراجًا منيرًا وجعله الله جل وعلا هدًى مبينًا وجعله الله عز وجل شفاءً لما في الصدور إلى غير ذلك من المعاني التي جعلها الله جل وعلا في القرآن. من زعم بأن هذا القرآن الذي هو كلام الله جل وعلا الذي تكلم به ربنا تبارك وتعالى كلامًا حقيقيًا بصوت نفسه وحرفه، كلم به جبريل وأنزله جبريل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال الله عز وجل في بيان أن القرآن من كلام الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ سَأَلَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، نصٌّ واضحٌ صريحٌ يُبَيِّنُ هذا المعنى. وأن القرآن كلام الله جل وعلا، والنبي صلى الله عليه وسلم في بدء البعثة كان يدعو القبائل فيقول: من يؤويني حتى أُبلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟ وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ من كتاب الله جل وعلا، كتابٌ أنزلناه مباركٌ ليدَّبر آياته، فهو منزل من عند الله تبارك وتعالى. فمن زعم أن هذا القرآن أنه مخلوقٌ فهو كافرٌ بالله العظيم أولًا؛ لأنه مُكذِّبٌ لكلام الله جل وعلا، الله جل وعلا يقول: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وهذا المُدبر عن الحق يقول بأن الله جل وعلا لم يتكلم حقيقةً، وإنما هذا القرآن الذي بين أيدي المسلمين يتعبَّدون الله جل وعلا به ليلًا ونهارًا بأنه مخلوق، فالمسلمون إذن يتعبَّدون بشيءٍ مخلوقٍ كأنفسهم، وهذا في غاية الضلال والعياذ بالله. وأيضًا؛ لأن قائل هذه المقالة يزعم بأن صفةً من صفات الله جل وعلا وهو الكلام ومنه القرآن أنها مخلوقة، ومن زعم في صفةٍ من صفات الله جل وعلا أنها مخلوقة فهو كافرٌ بالله العظيم؛ لأن صفات المخلوقة لا تكون إلا للمخلوق، فهذا فيه تنقصٌ لله رب العالمين تبارك وتعالى، فهو كذلك بهذا الاعتبار كفرٌ وزندقة والعياذ بالله. وهذا الأمر أي كفر من زعم أن القرآن مخلوقٌ مجمعٌ عليه بين السلف، استقر وتم وظهر واشتهر وانتشر، أجمع السلف على كفر من قال بأن القرآن مخلوق، لا خلاف بين العلماء، لا خلاف بين الأئمة رحمهم الله تعالى؛ بأن من قال بأن القرآن مخلوق بأنه كافر. وفتنة خلق القرآن المشهورة المعروفة التي ثبَّت الله جل وعلا فيها الإمام أحمد ومن معهم من إخوانه من الأئمة الذين ثبَّتهم الله جل وعلا على الصدع بالحق والثبات عليه حتى انقشعت، ترك الظلمة وظهر النور ساطعًا واضحًا بفضل الله جل وعلا، وعلم القاص والدانى صحة مقالة السلف من أن القرآن كلام الله جل وعلا منه بدأ وإليه يعود. وأنه ليس بمخلوق، منه بدأ أي أن الله جل وعلا ابتدأ الكلام به، فهو منه جل وعلا لا من غيره، ومنه بدأ أي منه ظهر؛ لأن البدو يطلق ويراد به الظهور، فالأئمة رحمهم الله تعالى في قولهم في قول الأئمة منه بدأ فُسِّر بتفسيرين: التفسير الأول منه ابتدأ من الابتداء، أي أن الله جل وعلا هو الذي ابتدأ الكلام به لا أنه صدر من غيره. والمعنى الثاني من البدء أي من الظهور، والمعنى أن الله جل وعلا أن ذلك الكلام إنما ظهر من الله جل وعلا وكان من الله جل وعلا لا من غيره، وإليه يعود إليه يعود كذلك فُسِّر بتفسيرين: الأول أن معنى إليه يعود أي أن الكلام يعود إلى من تكلم به ابتداء، أن الكلام يعود إلى من تكلم به ابتداء، فمن تكلم بكلام ابتداء فإن نسبة الكلام ترجع إليه. فقول الآئمة منه بدأ وإليه يعود أي نسبة الكلام ترجع إلى من تكلم به ابتداء، هذا معنى، والمعنى الثاني الذي فُسِّر به وإليه يعود أي وإليه يعود يوم القيامة حينما يرفع الله جل وعلا القرآن من الصدور ومن المصاحف والكتب كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة من حديث حذيفة وبنحو حديث عبد الله بن عمر، حديث حذيفة عند أحمد وحديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم. فأشهد من هذا أن الأئمة مجمعون على أن القرآن كلام الله جل وعلا غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بإجماع السلف؛ لما تقدم؛ لأنه مكذب لكلام الله جل وعلا، الله جل وعلا يقول: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وهذا يقول: لا، لم يسمع كلام الله، وإنما سمع كلام مخلوق، فهؤلاء مكذبون. وكذلك؛ كما ذكر أن من قال بأن القرآن مخلوق فهو تنقص الله جل وعلا؛ إذ جعل من صفات الله جل وعلا ما هو مخلوق، وإن كانوا يقولون بأن الله جل وعلا أصلا لا يتصف بصفة، وهذا قول جهمية، والجهمية كما مر معنا كفار. قال رحمه الله: قال ومن زعم أن القرآن مخلوق أي أنه خلق من خلق الله جل وعلا كغيره من المخلوقات، قال: فهو كافر بالله العظيم، كافر بالله العظيم لما تقدم، ولما كذلك ذكره بعض الأئمة رحمهم الله تعالى كالإمام أحمد وغيره. كالإمام أحمد وغيره عليهم رحمة الله، حينما سمع مقالة ابن أبي دؤاد وغيره، قال: هؤلاء يقولون بأن علم الله جل وعلا مخلوق، ومن قال بأن علم الله جل وعلا مخلوق، قال: لأن القرآن من علم الله، وقرأ قول الله جل وعلا: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، فمن زعم بأن القرآن مخلوق فهو ماذا؟ يزعم بأن علم الله جل وعلا مخلوق، ومن زعم هذا فهو كافر كذلك بإجماع. وقولهما: فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل من الملة، أي أن من قال هذه المقالة فإنه كافر الكفر الأكبر، وفي قولهما كافر كفرًا ينقل عن الملة في دلالة؛ لماذا؟ بأهل الحق أهل السنة والجماعة من أن الكفر كفران: كفر أكبر مخرج من الملة، وكفر أصغر لا يخرج من الملة، خلافًا لمن خالف وعارض في هذه المسألة كالخوارج الذين يقولون بأن الكفر كفر واحد، من وقع فيه فقد خرج عن الملة. والأئمة رحمهم الله تعالى ينصون كما ترون: فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة، أي أن من صدر منه ذلك يكون كافرًا الكفر الأكبر، ويكون مرتدًا عن دين الله جل وعلا، يستتاب وإلا ضربت عنقه، وهذا أي أمر الاستتابة وأحكامها ترجع إلى ولاة الأمور. وقوله: ومن شك في كفره أي من شك في كفر من قال بأن القرآن مخلوق أن ليس الكفر فقط فيمن قال القرآن مخلوق، بل يتعدى إلى من شك في كفره من قال بأن القرآن مخلوق، فهو يقول: ومن شك في كفره أي في كفر من قال إن القرآن مخلوق من من يفهم، وهذا قيد لا بد منه. ومنه يعلم أن أمر الكفر ومن وقع في الكفر ليس كل من وقع في الكفر فكافر، ليس كل من وقع في الكفر فكافر؛ حتى تتوفر الشروط في حقه وتنتفي فيه كذلك أو تنتفي في حقه الموانع، ومن أعظم الشروط العلم أي العلم بأن ذلك الشيء كفر، أو أقل أحوال أن يعلم بأنه حرام، ومن أعظم الموانع الجهل. لذا كما ترون يقولون: ومن شك في كفره ممن يفهم فكافر، فهذه الفقرة لها منطوق مفهوم، منطوقها أن من شك في كفر من قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر ممن يفهم مقالة أولئك الجهمية، ومن كان يشك في هذه المسألة لجهله ما يعلم ما اطلع على هذه المسألة ولا يعلم أبعادها، وإنما سمع أناسًا يقولون هذا وآخر يقولون القول المخالف لهم، وما يدري ما هي المسألة أصلا، فمثل هذا ربما عذر بجهله. ولكن يعلم، فإن أصر بعد ذلك ألحق به الحكم، إن علم وأصر بعد العلم ألحق بأولئك؛ لأن مانع الجهل قد انتفى في حقه، والحالة كذلك، قال: ومن شك في كلام الله عز وجل هذا أمر آخر، الأول من شك في كفر من زعم أن القرآن مخلوق هذا ماذا؟ هذا كافر إن كان يفهم ما يقول ويفهم عقائد أولئك. مسألة أخرى يقولون: يقولان الإمامان الرازيان: ومن شك في كلام الله عز وجل فوقف شاكًا فيه يقول: لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهم، والجهمية كما مر معنا ما هو؟ أحكامها الجهمية كفار. فلو أن إنسانًا قيل له: ها الكلام الله جل وعلا ماذا تقول في كلام الله جل وعلا؟ فيقول: لا أقول بأنه مخلوق ولا أقول بأنه غير مخلوق، هذا يقول الإمامان الرازيان بأنه ماذا؟ بأنه جهم، وهذه فرقة ظهرت في زمن فتنة القرآن وبعدها بقليل، سميت ماذا؟ تسمى الواقفة. ما هي الواقفة؟ يقول: لا ندري، نحن متوقفون في الحكم، لا نقول هذا ولا نقول هذا، نقول: لا ندري، ما معنى هذا؟ لا ندري أي قد يكون مخلوقًا وقد لا يكون مخلوقًا، فحقيقة قول هؤلاء عند الأئمة رحمهم الله تعالى أنه هو كقول الجهمية؛ إلا أن الجهمية أظهر المقالة أي بأن القرآن مخلوق. ولكن لما صاح فيهم الأئمة وبين عوارهم وبين ضلالهم وبيّنوا فحش ما قالوه، انتقل هؤلاء من تلك المقالة الظاهرة الكفر والمنكر إلى قول آخر له ظاهر وباطن، ظاهر التشكيك فيه تلبيس فيه كذلك اشتباه، وباطنه ماذا؟ هو نفس قول الجهمية. لذا كان الأئمة رحمهم الله تعالى أن من قال هذه المقالة قالوا بأنه ماذا؟ بأنه جهم، لماذا؟ لأن حقيقة قوله هو قول ماذا؟ قول جهمية، إلا أنه ما جسر ما جسر أن يقول ماذا؟ بأن القرآن مخلوق، فرجع إلى التمويه وإلى التلبيس وإلى التشبيه أي تشبيه الباطل أو تشبيه الحق بالباطل أو الباطل بالحق. قال رحمه الله تعالى: ومن وقف في القرآن جاهلًا علم يعني الأول، ومن شك في كلام الله عز وجل فوقف شك فيه يقول: لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهم، ومن وقف في القرآن جاهلًا علم وبدع ولم يكفر، وهذا كذلك نص يبين لنا مسألة العذر بالجاهل، مسألة العذر بالجاهل. فهما يقولان: ومن وقف في القرآن جاهلًا أي ما ظهر له حكم أحد الأحكام لا عن علم ولكن لجاهله، اضطربت عنده الأقوال جاهل اضطربت عنده الأقوال، فما الحكم؟ يقولان: ومن وقف في القرآن جاهلًا علم فقط لا، وبدع؛ لماذا؟ لأن هذا القول أقل أحوال بأنه ماذا؟ بأنه بدع وضلال، وإن كان صدر من ماذا؟ ممن يجهل تلك المقالة، فهو وإن لم يكفر بدع. قال: وبدع ولم يكفر، وتأمل إلى هذه المسألة في ماذا؟ فيمن صدر منه كفر، من صدر منه قول كفري، ولكنه عن جهل لا يعلم، لا يعلم فهو يعذر بجهله من الكفر، ولكنه يضلل، يقال بأنه ماذا؟ بأنه ضال، وهذه أحكام ينبغي لنا أن نعلمها، هذه أحكام سلفية أثرية. أن الإنسان إذا وقع في الكفر جهلا أو كان هناك مانع من الموانع، فأول ما يحكم عليه باعتبار هذه المقالة بأنه ماذا؟ بأنه ضال، ثم ينظر: إن كان قالها عن علم يكفر، ما هناك موانع، توفرت في حق الشروط يكفر بالله العظيم، وإن كان وجد مانع أو تخلفت بعض الشروط فإنه يكون ماذا؟ لا يكفر، ولكنه يكون ضالًا مبتدعًا. ويكون ضالًا مبتدعًا، ولهذه أمثلة ونظائر كثيرة، من نظر في كلام الأئمة السابقين واللاحقين يرى هذا واضحًا جليًا في كلامهم وفي أقوالهم، قال: ومن وقف في القرآن جاهلًا علم وبدع ولم يكفر، ومن قال لفظًا بالقرآن مخلوق فهو جهم. وهذه كذلك مسألة من المسائل التي ظهرت عقب فتنة خلق القرآن، لما بيّن الأئمة في عهد الإمام أحمد كفر هذه المقالة أي قول من قال بأن القرآن مخلوق، بيّنوها وبيّنوا عوارها وبطلانها، وظهرت للقاص والدانى أنه كفر، انتقل الجهمية من لفظ إلى آخر. بدلًا أن يصرح بأن القرآن مخلوق ماذا؟ قال: صار يقول قائلهم لفظًا بالقرآن مخلوق، أو يقول ماذا؟ القرآن بلفظ مخلوق، ماذا أرادوا بهذا؟ أرادوا التلبيس والتدليس والتشبيه على الجهل؛ بحيث أنهم إذا جاءهم الإنسان قال لهم: كيف تقول لفظي بالقرآن؟ يقول: لفظي كلامي، كلامي أنا. وإذا جاءهم صاحبهم قالوا: لفظي أي القرآن، واضح جماعة، لذا لما كان في حقيقة الأمر قولهم أي قول من ابتدع هذا هذه المقالة وهذه القالة وهذا اللفظ، لما كان مقصدهم به هو مقصد من سبقهم من الجهمية القائلين بأن القرآن مخلوق. لكن الأول صرحوا فقمعوا أولئك، أتوا بماذا؟ بلفظ حتى يمشأ بلفظ مجمل حتى ماذا؟ يمشأ، فوقف أمامهم الأئمة رضي الله عنهم وراحمهم الله، فقالوا: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهم؛ لماذا؟ لأن حقيقة قولهم ومآل قولهم ما هو؟ القول بأن القرآن مخلوق. أو القرآن بلفظ مخلوق فهو جهم، هذا متى قاله الأئمة؟ لما صدرت هذه المقالة، قد يقول قائل: أهل السنة والجماعة المتأخرون منهم يفصلون في مثل هذه الألفاظ ويجعلون من الألفاظ المجملة الذي لا تثبت مطلقة ولا تنف مطلقة، واضح جماعة. فما الجواب؟ الجواب أن الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد رحمه الله تعالى ومن كان في طبقته؛ لما كانت تلك المقالة أول ما ظهرت لم تصدر إلا عن جهم، لم تصدر إلا عن من عن جهم، وحقيقتها هو قول جهمية، صاح بها وحكم على أن القائلين بها جهمية. ومن جاء بعدهم؛ لما رأى أن المقالة فيها إجمال، وأن أولئك إذا تكلم معهم أو نوضر أو إلى غير ذلك أتوا بماذا؟ أتوا باللبس المشروع الصحيح، فاحتاج الأئمة كالإمام البخاري رحمه الله ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما من الأئمة إلى تفصيل هذه المقالة. لذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في مختصر الصواعق، وكذلك الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه: أن هذه الفتنة أول ما ظهرت، كان للأئمة رحمهم الله تعالى في صدها وفي ردها مسلكان: المسلك الأول هو مسلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى ومن ذهب إلى مذهب الإمام أحمد. وهو إغلاق هذا الباب من أصله، بماذا؟ أغلق هذا الباب من أصله؛ بأن قالوا: من قال لفظ القرآن مخلوق وجهمي، من أجل ماذا؟ من أجل أن يقطع وأن يسد أبواب من أصلها، وترد هذه البدعة من أصلها، قال: والمسلك الآخر مسلك الإمام البخاري رحمه الله تعالى ومن ذهب إلى مذهبه. ما هو المسلك الآخر؟ المسلك الآخر تبيين الإجمال في ذلك اللفظ، وإحقاق الحق منه وإبطال الباطل، فالبخاري رحمه الله تعالى كما في كتاب خلق أفعال العباد تكلم على هذه المسألة، فقال: بأن قول القائل يعني معنى كلامه أن قول القائل لفظي بالقرآن مخلوق هذا لا يخل من أحد أمرين ما هما؟ إن أراد لفظ أي الملفوض، إن أراد بقوله لفظ أي الملفوض أي المقروء بأنه مخلوق فكافر؛ لماذا؟ لأنه على هذه الحالة يقول بأن القرآن ماذا؟ مخلوق، ومن قال لفظًا بالقرآن مخلوق بمعنى صوت وقراءة وفعلي الذي أفعله في قراءة القرآن مخلوق، فأفعال العباد ماذا؟ مخلوق، فهو المعنى. فهذا المعنى الصحيح، لذا كان من كلامه رحمه الله تعالى وكلام الأئمة أن قال: الكلام الكلام كلام البارين والصوت صوت القارين، الكلام كلام البارين أي كلام الله جل وعلا، والصوت صوت من صوت القارين، فكلام الله غير مخلوق، وصوت القارين ماذا؟ مخلوق، هذا هو التفصيل التي تظهر به المسألة. لذا علق على هذين المسلكين الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: قال: فأما أحمد فأما الإمام أحمد رحمه الله تعالى فوقف أمام هذه البدعة، قال: فأغلق بابها سدًا لوسائل ماذا؟ الشر ودرائعه، قال: وأما الإمام البخاري رحمه الله تعالى فبيّن ووضح وحقق، فبيّن الحق وأبطل الباطل. واضح جماعة، الإمام البخاري بيّن ووضح وفصل وحقق في المسألة، فبيّن الحق وأبطل ماذا؟ وأبطل الباطل؛ بحيث أنه لم يبقى لذين مقالة في هذه المقالة مخرج، إما أن تقول كذا وإما أن تقول كذا، إن قلت كذا فهو حق، إن قلت كذا فهو ماذا؟ فهو باطل، وبهذا انقطع بحمد الله جل وعلا مثل تلك المقالة. قال رحمه الله تعالى: قال أبو محمد، وسمعت أبي يقول: أبوه أي أبو حاتم، قال: وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، سواء المتقدمين منهم أو المتأخرين، لذا إذا رأيت رجلًا يطعنه في أهل الأثر فإنه صاحب بدعة، وهذه الفقرة يستدل بها العلماء على الامتحان بالأشخاص بالأئمة. وهذا أمر سائغ شائع ذائع، قد كان الأئمة رحمهم الله تعالى يمتحنون به، فكان الأئمة رحمهم الله تعالى كل من تكلم في الإمام أحمد رحمه الله تعالى فهو مبتدع ضال، من تكلم في الأوزاعي في الشام فهو ضال، من تكلم في فلان وفلان وفلان يسمونه فهو ماذا؟ فهو ضال مبتدع. فكانوا يمتحنون الناس بمن؟ بالأشخاص بأهل الأثر، بالأئمة الذين اشتهروا بالسنة والأثر، فلذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة: إن أردت أن تعرف المبتدع فمن علامتي ماذا؟ الوقيعة في أهل الأثر، في أيامنا هذه وقبل هذا تعرف أهل الأهواء إذا طعنوا في من؟ في الأئمة. إذا جاء إنسان يطعن في الإمام عبد العزيز بن باز علم بأنه ماذا؟ بأنه صاحب بدعة، إذا طعن في الإمام الألباني علم بأنه صاحب بدعة، وهكذا قل في الأئمة الآخرين كالعثيمين، كالوادعين، ومن الأحياء نسأل الله تبارك وتعالى أن يمد في أعمارهم أن يبارك فيها وأن يجعلها في طاعته جل وعلا. الأئمة الموجودين كالإمام صالح الفوزان، كالإمام ربيع بن هادي المدخلي، كالإمام صالح لحيدان، ومن كان على شاكلتهم من أئمة العصر الأحياء الآن، إذا رأينا إنسان يطعن في الفوزان هل تشك في أنه صاحب بدعة وهوى؟ إذا رأينا اليوم رجلًا يطعن في الإمام ربيع بن هادي المدخلي هل تشك في أنه صاحب بدعة وهوى؟ فهذه قاعدة سنية أثرية عليها أنوار السلف وأقوال السلف وآثار السلف، وهذا الأثر يدل على هذا المعنى، وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، إذا رأيت رجلًا يطعنه في أهل الأثر فاعلم بأنه مبتدع، وإن تظاهر بالسنة وإن أرخى لحيته وقصر ثوبه وتكلم بكلامه عن السنة والجماعة. إذا وقع في أهل السنة ووقع في أهل الأثر من المتقدمين أو من المتأخرين فاعلم أنه صاحب بدعة وهوى، إلا أن أصحاب البدعة والهوى في بدء أمرهم لا يظهرون ما عندهم، بل يرمون عن بعد، إن أصابت رميتهم رموا أخرى وأخرى وأخرى حتى بعد ذلك يظهرون ما عندهم. وإن رأوها ردت خاسئة وهي كذلك بحمد الله جل وعلا، اختفوا، لذا كان من كلام الإمام البربهاري رحمه الله تعالى في كتاب شرح السنة، مثل بمثال عظيم، والواقع خير شاهد لذلك المثال، قال: أهل الأهواء كالعقرب، قال: تخفي قسدها فإذا مر بها الإنسان لذغته. أهل الأهواء حال كحال هؤلاء، كالعقرب مدفون، لكن إذا مر الإنسان ماذا؟ عمل لذغ، وأهل البدع كذلك الأصل أنهم ماذا؟ دائمًا يكونون مستترين، لكن إذا وجدوا الفرصة لذغوا وبثوا سمومهم في المجتمعات أفرادًا في ابتداء الأمر، ثم ينشرونها في المجتمعات، ثم يظهرون أنفسهم أو يظهرهم من تعصب لهم. بأنهم هم حملة الشريعة والدين، وأنهم هم أهل الغيرة على سنة سيد الأولين والآخرين، والشاهد خير والواقع خير شاهد من قبل ومن بعد، تجد الرجل أول ما يظهر يكون يظهر ماذا؟ السلامة والتمسح بأهل السنة والجماعة. وأنه من أهل السنة والجماعة، ويثني على الشيخ فلان والإمام فلان والعالم فلان، فإذا به بعد أيام إذا مات العالم الفلان أو رأى عندهم أتباع وقوة يقول: ذهب زمن الخوف، ويأتي بكلام يخالف ما كان قاله قبل، ومن البلية كما قال حذيفة بن اليمان: أن تعرف ما كنت تنكر، جاء في ذلك حديث وجاء كذلك موقوفًا بمعنى على حذيفة. قال: من البلية أن تعرف ما كنت تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، ثم قال لمن أوصاه: وإياك والتلون في الدين، إياك احذر أن تتلون في الدين، اليوم بالأمس كنت ترى ذلك الشيء معروفًا وحقًا وسنة واستقامة وخيرًا، وليوم تراهم باطلًا ومنكرًا وتشددًا وتعنتًا ومذهب ضيق لا يسع الأمة. مذهب ينفر مذهب في غلظة في تنفير ليس في حكمة، إلى غير ذلك، إذا وصل الإنسان إلى هذه الحالة فليعلم أنه قد تغير، يعلم أنه قد تغير، فعليه أن يتوب إلى الله جل وعلا وأن يرجع إلى الله جل وعلا، فإن وصل به الأمر إلى أن تكلم وطعن في أهل الأثر فهو مبتدع ضال. وإن كان من كان، وإن كان أتباعهم يملؤون الأرض مبتدع ضال، الحق لا يعرف بالكثرة، الحق يُعرف بالحق بالإتباع، بالسير على ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحابه والتابعون لهم بإحسان والأئمة الأعلام في كل زمن ومكان، هذا هو الحق. الحق بحمد الله جل وعلا له منارات وله علامات وله نور جعله الله جل وعلا يُبصرهم كل من وفقه الله جل وعلا، ومن أعظم منارات الحق أئمة الأثر الذين جعلهم الله جل وعلا علامات للحق ومنارات له، يستضئ بها ويهتدي بها الناس في ظلمات البر والبحر. منارات من سار إليها وبها ومعها نجى ووصل بإذن الله رب العالمين جل وعلا، ومن تخلف عنها ونظر إلى بنيات الطريق وجعل يسيرهم يمينًا وشمالًا يعتمد على رأيه تارة وعلى عقله أخرى وعلى ماله أو جاهه ثالثة ورابعة، فهذا على زيغ وبداية زيغ والعياذ بالله. فليحذر مرء أن يخالف ما كان عليه قبل وما كان عليه الأئمة أئمة الهدى من قبل ومن بعد، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، الإنسان ليس بحاجة إلى أن يفتح باب ضلالة وباب بدعة وباب استحسان. يكفيك يا أخي أن تتبع، يقول عبد الله بن مسعود أيضًا: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، خير من اجتهاد في بدعة، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه وقد أوصى من أوصى في زمنه من التابعين أوصاهم بلزوم الكبار بلزوم غرز الكبار بلزوم غرز أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والأكابر. قال: ما زلتم بخير ما كنتم خلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كنتم وراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرائكم، ما زلتم بخير ما أخذتم العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن كبرائكم، قال: فإن أخذتم العلم عن الأصاغر فذلك حين هلكتكم. هذه وصايا سلفية، وصايا أثرية، وصايا تأصيلية لطالب العلم يسير خلف الأكابر في كل وقت وفي كل حين، ولا سيما إذا وقعت الفتن، نسأل الله عز وجل أن يعيدنا منها ما ظهر منها وما بطن، قال: وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية، يريدون إبطال الآثار. الزنادقة الضلال المارقون الخارجون عن الإسلام والسنة يصفون أهل الأثر أي أهل السنة أي أهل الحديث بأنه ماذا؟ حشوية، ما عندهم إلا حديث إلا حدثنا وأخبرنا، ما عندهم إلا قال الله قال رسوله، هكذا يزعم والعياذ بالله، وهل دين الله جل وعلا إلا قال الله قال رسوله؟ فهؤلاء ما قال زنادقة، لذا جاء عن بعض الأئمة رحمه الله تعالى أنه جاءه بعض أهل أهواء يناظر، فقال لهم: حدثنا فلان، قاله: دعنا من حدثنا وأخبرنا، قال: أخرج من عندي يا كافر؛ لماذا؟ لأنه يقول: دعنا من حديث رسول الله، دعنا من حدثنا وأخبرنا معناه دعنا من حديث رسول الله. ومن لم يرضى بحديث رسول الله ولم يقبل حديث رسول الله لم يرضه حكمًا بل لم يرضى بسماعه، هل يكون من أهل الإيمان؟ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا، فهذه علامة من علامات أهل الزندقة وأهل الضلال وأهل الرأي في كل زمن ومكان. قال رحمه الله تعالى: وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، أهل السنة لما كانوا يثبتون لله جل وعلا الأسماء والصفات على الوجه اللائق بالله جل وعلا، قالت عليهم الجهمية وفيهم الجهمية ماذا؟ بأنهم مشبهة؛ لماذا؟ لأن الجهمية معطلة، فالجهمية تقول على أهل السنة والجماعة مشبهة. وأهل السنة والجماعة يقولون على الجهمية بأنهم معطلة، وصدقوا في ذلك، ومن العجيب أن المشبهة يقولون في أهل السنة والجماعة ماذا؟ معطلة، يعني انظر: المعطلة يقولون في أهل السنة والجماعة ماذا؟ مشبهة، والمشبهة وهي فرق ضالة كانت في زمن الإمام أحمد رحمه الله تعالى ثم انقرضت بحمد الله. كانت تقول ماذا؟ تقول في أهل السنة والجماعة بأنهم ماذا؟ معطلة، يعني لا الجهمية ترى أنهم معطلة بل ترى أنهم مشبهة، ولا المشبهة ترى أنهم مشبهة بل ترى أنهم ماذا؟ معطلة، والحق مع أهل السنة والجماعة، فهم يثبتون لله جل وعلا ما أثبته الله جل وعلا لنفسه. إثباتًا خلافًا للمعطلة من غير تشبيه خلافًا للمشبهة، وتنزيهًا خلافًا للمشبهة من غير تمثيل خلافًا للمعطلة، يعني وتنزيهًا من غير تعطيل خلافًا لماذا؟ للمعطلة، فالحق وسط بين باطلين، والهدى وسط بين ضلالتين، ورحم الله ابن القيم إذ يقول: ما أمر الله جل وعلا بأمر إلا للشيطان في نزغتان: نزغة إلى غلو وإضاعة، ونزغة إلى تفريط وتضييع. قال: ودين الله وسط بين الجافي والغال فيه، كالوادي بين جبلين، مثال عظيم يبين فيه وسطية أهل السنة والجماعة بين أهل الأهواء والبدع، بين جبلي الأهواء والبدع هم وسط على الصراط المستقيم وعلى الطريق القويم بحمد الله رب العالمين. قال رحمه الله تعالى: وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة، القدرية يقول في أهل السنة والجماعة بأنهم مجبرة؛ لماذا؟ مجبرة؛ لأنهم يثبتون أفعال العباد، لأنهم يثبتون لله جل وعلا أفعالًا ويثبتون العباد ماذا؟ أفعالًا، فالقدرية ينفون عن الله عز وجل ماذا؟ المشيئة والإرادة. أهل السنة والجماعة يثبتون لله جل وعلا مشيئة وإرادة، ويثبتون العبد مشيئة وإرادة، فقول القدرية بأن أهل السنة والجماعة مجبرة؛ لماذا؟ لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لله جل وعلا المشيئة والإرادة والقدرة، وقد تقدم معنى بحمد الله جل وعلا كلام على القدرية وعلى باطلهم. قال: وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة، المرجئة لا ترضاه للسنة والجماعة، القدرية لا ترضاه، والمرجئة كذلك ماذا؟ لا ترضاه، المرجئة يعني وهي فرقة كما مر معنا تقول بإرجاء الأعمال عن الإيمان، أي أن الأعمال لا تدخل في الإيمان، تسميه للسنة ماذا؟ مخالفة وتسميه ماذا؟ نقصانية. أن يقول بأن الإيمان يزيد وينقص؛ لماذا؟ لأن الجبرية عندهم ماذا؟ أو لأن المرجئة عندهم ماذا؟ لأن المرجئة عندهم الأعمال أو الإيمان لا يزيد ولا ينقص، بل هو كالكتلة الواحدة إما أن يوجد جملة وإما أن يذهب جملة، والحق مع أهل الأثر مع أهل السنة والجماعة كما دل على ذلك الكتاب والسنة. قال الله عز وجل: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾، قال النبي