الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 23، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع التحدي الوارد في القرآن الكريم لإثبات أنه كلام الله، حيث تحدى الله العرب أن يأتوا بمثل القرآن أو سورة مثله. استعرض آراء العلماء حول ما إذا كان التحدي يشمل آية واحدة أم يقتصر على سورة كاملة.
يناقش المقطع مسألة إعجاز القرآن ورد على اعتقاد المعتزلة بأن الله صرف العرب عن الإتيان بمثله. يستدل على أن القرآن كلام الله بحروفه وكلماته من خلال أحاديث وآثار.
يناقش المقطع مسألة إعراب القرآن ومعناها، ثم ينتقل إلى مناقشة كون القرآن كلام الله تعالى. يتضمن المقطع الأخير دعاءً بأن ينفع الله السامعين ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا مع المؤلف رحمه الله تعالى في ذكره للأدلة الدالة على أن القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، وخاصة ما يتعلق بإثبات أن كتاب الله سبحانه وتعالى عبارة عن كلمات وحروف، وهو أراد بهذه المسألة الرد على الأشاعرة كما أسلفنا. وأن المؤلف رحمه الله تعالى نوّع لنا الأدلة الدالة على أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك ما كان في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، فربنا سبحانه وتعالى تحدى أهل الكفر أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فلو كان القرآن كما يدعي الأشاعرة، وأن كلام الله سبحانه وتعالى كلام النفس في ذاته جل في علا، إذن كيف يتحداهم ربنا سبحانه وتعالى في أمر ما عرفوه وما علموه؟ كيف يتحداهم الرب في أمر ما عرفوه ولا علموه ولا عقلوه؟ وكيف ذاك لأنه كلام النفس؟ إذن دل على بطلان أقوى قول لأشاعرة، وأن الله إنما تحداهم بأمر عندهم، وهو هذا الكتاب وهو كلامه سبحانه وتعالى. ذكرنا كذلك من باب الفائدة وإيضاح المسألة، وإن كانت هي مسألة تابع لهذه الفقرة، قلنا أن الله سبحانه وتعالى تحدى العرب بهذا القرآن على عدة مراحل، أولى هذه المراحل أن الله تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فما استطاعوا، ثم كان التحدي بعشر سور مثله، كذلك ما استطاعوا، ثم كان التحدي بسورة، وكذلك ما استطاعوا، ولن يستطيعوا إلى هذه الأزمان، وما استطاع أحد أن ينبري فيؤلف على نسق القرآن. لكن مسألة كذلك وهي: هل بلغ من التحدي أن الله تحداهم بآية، وهي ما دون السورة؟ هذه مسألة فيها أقوال العلماء، منهم من قال: نعم، أن الله عز وجل تحداهم ولو بآية واحدة. وما استدل من استدل بقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾، والحديث يطلق على أي كلام قل أو كثر، قل أو كثر، ولو كان آية، فأن الله قد تحدى العرب بأن يؤلفوا ولو آية واحدة، هذا قول. والقول الآخر، وهو الذي يحكى عن جمهور العلماء: إلى أن التحدي ما بلغ إلى آية، وإنما التحدي وقف عند السورة، ذلك أولًا لدلالة النص، فإن الله طلب منهم سورة ولم يطلب منهم آية. والأمر الثاني كما يقول العلماء: أن الآية قد لا تستشكل في أن يؤتى بمثلها، قد لا يستشكل مثل أقصر سورة أو أقصر آية في القرآن، كما قال العلماء في قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾، هذه آية وهي كلمة واحدة، فهل هذه الكلمة تعجز أحد من العرب أن يأتي بمثلها أو بمنوالها أو على شاكلتها؟ قد لا تعجز أحد أن يأتي بمثل هذه الكلمة. إذن، أو كذلك كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، هذه آية، هل يقال: لا يمكن لأحد أن يقول: ثم نظر؟ يمكن، بل قد قالها الكثير من الناس يقولون بهذه الكلمة: ثم نظر، فقالوا: هذه آية، فلهذا يرى الجمهور على أن التحدي ما كان في آية، لم يأتي التحدي في آية واحدة، وإنما التحدي في القرآن، وفي عشر سور، وفي سورة، أما التحدي بآية لم يقع، لأمرين اثنين: لأن ظاهر التحدي في الدلالة اللفظية جاءت إلى أدنى حد إلى سورة، ولم يأتي التحدي بآية. والأمر الثاني: أن تأليف آية قد لا يستشكلها البعض، وخاصة إذا علمنا أن هناك آيات متكونة من كلمة، ومنها من كلمتين، والغالب على جملة قد يقع، يمكن لأحد أن يؤلف على نسق القرآن إذا كان آية. ولهذا يرى الجمهور أن التحدي يكون في أقل مراحله إلى سورة، أما الآية لا يمكن أن يؤلف الآية، ليس وقع فيها تحدي. لكن بعض العلماء خرج بمخرج آخر، وقال: يمكن التحدي بآية، يمكن التحدي بآية بشرط أن تكون هذه الآية بمقدار سورة، يمكن أن يكون التحدي بآية بشرط أن تكون هذه الآية على مقدار سورة. ربنا سبحانه وتعالى تحدى العرب بما لا خلاف فيه، بأدنى مراحل التحدي بسورة، كهذه الآية كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾، وسورة نكرة، أي سورة، فلو قلنا: أي سورة؟ فما هي أقصر سورة في القرآن؟ سورة الكوثر، كانت من تكون من ثلاث آيات، من ثلاث آيات. قال علماء: فلو وجدت آية في كتاب الله عز وجل تأتي بمقدار سورة أو أكبر من سورة، فيمكن التحدي بها، واضح هذه المسألة، هذا مخرج، ومخرج طيب. قال علماء: إذا وجدنا آية وهذه الآية تأتي على مقدار سورة أو قل على أصغر سورة، وسورة الكوثر قلنا هي ثلاث آيات على قوم من يقول بأن البسملة ليست آية منها الكوثر، لكن على قوم من يقول بأن البسملة آية من كل سورة كما ذهب إلى ذلك الشافعية، إذن الكوثر أربع آيات. الحاصل: إذا وجدنا آية مثقالها ومقدارها يصل إلى حد سورة، فإن هذه الآية ولو كانت واحدة يتحدى بها. قال علماء: مثل آية الدين، آية الدين هي آية واحدة، هل لا يقول: لا يكون فيها التحدي؟ لا يمكن فيها التحدي؟ لماذا؟ لأنها تصل إلى مثل سورة الكوثر، بل هي أكثر، أكثر من صفحة كاملة، صفحة كاملة، فهي تزيل عن سورة الكوثر، فهي تعادل سورة وأكبر من سورة. ولهذا ينسب إلى الجمهور أن الآية قد يتحدى بها إذا كانت آية طويلة، أما إذا كانت آية مطلقة، كانت تكون كلمة واحدة، قالوا: هذا لا يمكن التحدي بها، وقوفًا على النصوص. وهناك محمل آخر يؤجل هذا إلى مسألة إذا تكلمنا في أصول التفسير، نذكر المحامل المتعلقة حول التحدي بما هو دون سورة، وما شروط العلماء التي وضعوها لهذه المسألة. وكذلك مسألة أخرى، وهي متعلقة بالتحدي، وهو كذلك يؤيد مذهب أهل السنة والجماعة، لأن القرآن هو من عند الله عز وجل، أن الله تحدى به العرب، عندما تحدى ربنا العرب، وهكذا من كان من على شاكلة من الإنس، وهكذا من عالم الجن، أن يتحدوا فيؤلفوا قرآنا أو يأتوا بسورة، كيف كان ردها؟ أولًا: هل استطاعوا؟ ما استطاعوا، ما الذي منعهم؟ هذه مسألة مهمة، مسألة عقدية التي تم الخلاف بين أهل السنة وبين أهل البدع، وخاصة من المعتزلة. لماذا الكفار ما استطاعوا أن يؤلفوا مثل القرآن؟ الجواب الذي يعرفه الصغير والكبير ممن تربى على الإسلام وعلى السنة وعلى الكتاب والسنة، لكان جوابه يقول: أن القرآن هو فيه قد بلغ غاية من الفصاحة، غاية من الفصاحة، لدرجة أن أهل الفصاحة وأهل البلاغة ما استطاعوا أن يؤلفوا على نسج القرآن، لفصاحة القرآن ولبلاغته وللإعجاز الذي فيه، هذا القول الذي يعرفه الصغير والكبير. لكن تتفاجأ أن أهل البدع كالمعتزلة، وأول من قال بهذا القول هو النظام، قال: إنما لم يأتوا بمثل هذا القرآن لأجل الصرفة، لأجل الصرفة، ما معنى الصرفة؟ معنى الصرفة: أن الله صرف العرب على أن يؤلفوا بمثل هذا القرآن، صرفهم، ما معنى صرفهم؟ بعضهم يصرح بهذا يقول: العرب كانوا بإمكانهم أن يؤلفوا بمثل القرآن، يستطيعون، على هذا اللسان واحد، واللغة واحدة، والأحرف الموجودة في القرآن هي موجودة عند الكفار، كان العرب بإمكانهم أن يؤلفوا كتابا يشبه القرآن، بإمكانهم هذا، لكنهم ما فعلوا، لماذا ما فعلوا؟ لأن الله أعجزهم، لأن الله صرفهم عن ذلك. قال: وهنا الإعجاز، إذن دل هذا الكلام على قولهم، وهذا قول مبتدع، دل هذا القول على أن القرآن هو ليس بمعجز في ذاته، لا، وإنما الإعجاز في قدرة الله سبحانه وتعالى، أن الله صرفهم صرفهم عن أن يؤلفوا مثل هذا القرآن، وإلا هم كما يقول مبتدع: إلا أن العرب كان بإمكانهم وعندهم القدرة عندهم القدرة على أن يؤلفوا كتابا يسير على نمط القرآن، لكن الله أبعدهم وصرفهم، وهذا قول باطل، وهذا قول ضلالة، وهذا كذلك أنبرى العلماء من أهل السنة في الرد عليهم. وهذا كذلك محله في كتب التفاسير، أو قول في أصول التفسير، وفي علوم القرآن، فالحاصل إخواني في الله: فالمؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذه الآيات الدالة على أن القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، فليس وحكاية وليس كذلك عبارة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة»، قال: حديث صحيح. وهذا الحديث لا يصح، بل هو ضعيف، وضعيف جدًا، الحديث رواه الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود رضاء الله تعالى عنه، لكن كما قال الهيثمي: قال فيه نهشل، وهو متروك، فيه نهشل، وهو متروك، فالحديث لا يصح. قال: «وقال عليه الصلاة والسلام: والمؤلف أراد من هذا أن في هذا الحديث، ولو على ضعف، لكن أراد الاستدلال بأن القرآن عبارة عن أحرف، وأن الإنسان يتعبد الله بهذه الأحرف، فدل على أن ذلك هو كلام الله، لأنه لا يتعبد إلا بما جاء عن الله عز وجل، فلو كان من قول جبريل أو من قول النبي كما تدعي الأشاعرة، لما كان فيه التعبد بألفاظه، فالقرآن هو حروف، فدل على ذلك على إثبات أن القرآن كلام الله». قال: «وقال عليه الصلاة والسلام: اقرأوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه»، وهذا هو الشاهد، قال: جعل المؤلف أن القرآن عبارة عن حروف، والحروف يتلفظ بها، وهذا يتصادم تصادمًا تامًا مع عقيدة الأشاعرة، لأن الأشاعرة عندما قالوا بأن كلام الله نفسي، فالله ما تكلم، إذن عندهم أن القرآن ليس كلمات وليس بحروف، هم يقولون بهذا: أن القرآن ليس بكلمات وليس بحروف، لأنه ما سمع من الله، ما سمع عنه سبحانه وتعالى، وإنه كلام نفسي. ولهذا فالمؤلف يستدل عليهم بهذه الآثار والأحاديث التي فيها إثبات الحروف للقرآن، وأن الله قد تلفظ به، فالقرآن كلمات وحروف. قال: «قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفهم»، إقامة السهم، أي في الاستقامة، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره، لا يجاوز تراقيهم، كناية على أنهم مع إصابتهم في قراءة القرآن، والحرص على ألفاظ القرآن، وأنهم في استقامة في تلاوته، إلا أنهم ما استفادوا من القرآن، فما كان هذا القرآن يدخل إلى أجوافهم، أي دلالة على أنهم لم يتعظوا به بقلوبهم، فهم أقاموه بالألسنتهم، لكن القلب عنه ببعد. قال: «لا يجاوز تراقيهم يتعجلون أجره، ولا يتعجلون يتعجلون أجره»، وكان هذا من الدواعي في استقامة القرآن على ألسنتهم: أنهم يريدون منه الأجر، يجعلون قراءة القرآن كحرفة، كحرفة ينالون منه مالًا وثمنًا. قال: «ولا يتأجلون»، أي: لا يؤخرون أجرة القرآن إلى يوم القيامة، المسلم يأتي بالقرآن، يتلو القرآن، يتلفظ بالقرآن، ما مراده من هذا التلفظ؟ هل يريد أجر الدنيا؟ لا، وإنما يؤخر أجر القراءة إلى يوم القيامة، فهذا المسلم ينظر ما إلى ما عند الله سبحانه وتعالى، وهذا يوم القيامة، ولا تنظر إلى ما عند البشر، وهذا الحديث يحسنه جماعة من العلماء، فقد رواه أحمد في مسنده، وهكذا يحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: «يقيمون حروفه» في إثبات ماذا؟ أن القرآن كلام الله. قال: «وقال أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه»، وهذا الأثر أخرجه من أبي شيبة، ومن أهل علم، طعن فيه، وقال: أنه ضعيف، حيث أن فيه جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، وفيه كذلك انقطاع، وفيه كذلك انقطاع، فهذا الأثر ما يصح. قال: لكن المعنى صحيح، ولكن يبقى هنا المعنى الذي قد ذكرناه سلفًا في قولهم: إعراب القرآن، فإعراب القرآن، ما معنى على هذه الآثار التي جاءت عن سلفنا، أو على صحة الأحاديث التي جاءت في ثواب من أعرب القرآن؟ فإعراب القرآن هنا، العلماء حملوه كما ذكرنا عن السيوطي رحمه الله تعالى: بمعنى معرفة معانيه، معرفة معانيه، هذا الذي تؤجر عليه. وإذا صح الأثر هنا عن أبي بكر الصديق وعن عمر في قولهم: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه، أي: فقه القرآن، والتعرف على معاني القرآن أحب إلينا من حفظ حروفه، فهذا معنى مستقيم، ويقولوا: هذا الذي نصره السيوطي رحمه الله تعالى في الإتقان، ودافع ومال إليه، وذكر أن إعراب القرآن هنا بمعنى أنه ماذا؟ بمعنى فهم المعاني، فهم المعاني. هناك قول من يقول بأنه ماذا؟ إعراب القرآن، إعراب عند النحاة: أنك تعرب القرآن، تحاول أنك تتخصص في مادة النحو، ثم تقبع القرآن فتعرب القرآن: مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، وصفة، هذا حال، وهذا كذا، قال به بعضهم، وقال السيوطي: قالوا: هذا تكلف، وهذا بعيد، هذا تكلف، وهذا بعيد، ليس هذا المقصود، وإلا قال به جماعة. وهناك قول آخر كذلك في معنى إعراب القرآن، قال بعضهم: إعراب القرآن هو أنك تأتي بألفاظه صحيحة، أنك تأتي بألفاظه صحيحة، ويتأتى ذلك بتعلم القرآن من تجويده، وإحسان ترتيله، فهذا المقصود بإعراب القرآن: أنك تأتي بألفاظ القرآن كما جاءت في القرآن، من غير أن تلحن فيه لحنًا فاحشًا، فتخفض المنصوب، وترفع المنصوب، كل ذلك من اللحن، إذن هذا معنى إعراب القرآن. إذا إعراب القرآن عندنا على معنى ثلاثة: إما على معنى اصطلاح النحاة: أنك تعربه، وإما على قول بعض العلماء: أنك تفهم معانيه، وإما أنك تأتي بألفاظه صحيحة، فهذا كله من إعراب القرآن، وهذا كما قلنا في محله في علوم القرآن، في المطولات حول الترجيح بين هذه الأقوال. قال: «وقال علي رضي الله تعالى عنه: من كفر بحرف فقد كفر به كله»، كذلك من كفر بحرف، وهذا دلالة على ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى: على أن القرآن هو كلام الله، عن هذا الميت، لو كان القرآن كما يدعي الأشاعرة بأنه من كلام جبريل، لما كان من أنكر حرفًا كفر، لأن هذا من قول جبريل، الجبريل عليه السلام هو الذي حكى ما في نفس الله، على ما يزعم الأشاعرة، إذا هو حكاية، ليس هو نص كلام الله، إنه حكاية عن كلام الله، فكيف نقول بإجماع المسلمين على من أنكر حرفًا واحدًا فقد كفر؟ وهل دلالة على أن القرآن ليس من جبريل، بل هو من ربنا سبحانه وتعالى؟ فقال: «من كفر بحرف فقد كفر به كله»، قال: «واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه»، قال: وهذا إجماع على أن الناس قد أقبلوا على القرآن بماذا؟ بحفظ سوره، أي بتعدادها، والآيات، والكلمات، والأحرف إلى آخره، وهذا منهم صيانة لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، فلو أنه من كلام جبريل، أو أنه من تنسيق نبينا عليه الصلاة والسلام، لا ما كانت له هذه المراعاة، ولكن لعلم العلماء، وبإجماع العلماء: أن هذا كلام مقدس، كانت هذه المعاملة، كانت هذه المعاملة. قال رحمه الله تعالى: «ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه»، وانظر لهذا القيد: حرف متفق عليه، لأن الحروف التي في القرآن على قسمين: هناك حرف متفق عليها بين أهل القراءات، لا يجوز لأحد كائنًا من كان أنه يحذف أو يزيل، فمن تجرأ وأقبل على القرآن وأتى إلى حرف من الحروف المثبتة عند القراء بإجماع الأمة، ثم تحذفه، فقد كفر، ذكر ذلك القاضي عياض رحمه الله تعالى، وهذا بالإجماع، لا خلاف أنه كافر مرتد. لكن هذا بقيد كما سمعتم: الحرف المتفق عليه، أما إذا كان هناك حرف مختلف فيه بين أهل القراءات، لا يدخل في حيز الكفر، مثل في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، في قراءة: قالوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، في آية، في إثبات حرف العطف الواو، وفي آية بحذف حرف العطف الواو: وقالوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وعندي آية: قالوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، فلو قال قائل: أنا ما أقول بالواو، الواو ليست موجودة هنا، أنا ما أقول بها، هل نكفر؟ لا، ليس بكافر، لأن هذا حرف مختلف، فمنهم من أثبت الواو، ومنهم من لم يثبته، وهذا في بعض القراءات. لكن تأتي إلى حرف متفق عليه بين الأمة، ثم يأتي رجل كائن من كان، ثم يغير أو يبدل أو يزيد أو يحذف، فهذا لا يجود، بل هذا هو الكفر بعينه، وصرع العلماء بالإجماع على كفره. قال: «ولا خلاف بين المسلمين في أن من جاحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر»، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف، طبعًا هذا لا إشكال فيه، وهذا إجماع صحيح معتبر، وما استدل به المؤلف كذلك له عين من الاعتبار: بأن هذا القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، بدلات أن كل حرف من أحرفه قد تكلم به ربنا سبحانه وتعالى. ومما يضاف أيضًا من أدل الدال على أن القرآن كله هو كلام الله سبحانه وتعالى: كما قال علماء: أنه بلا خلاف، بلا خلاف: أن المسلم إذا أراد أن يستدل بآية من آيات الله جل وعلا، له أن يقول: قال الله تعالى كذا وكذا، هذا بلا خلاف، فقال من قال من أهل علم: فعلى قول الأشاعرة، على عقيدتهم الفاسدة في مسألة القرآن، فإنهم على قولهم يمكن لك أن تقول: قال جبريل كذا وكذا، وقال محمد كذا وكذا، وهذا عين الباطل، لأن هذا مؤذن كما أسلفنا سلفًا: على أن الأشاعرة، وهذا كما يقول بعض العلماء، بل صرح بذلك ابن قدامة في بعض كتبه: أن الأشاعرة لربما إذا جلسوا بين المسلمين في مجالسهم العامة، لا يصرحون لك بأن القرآن هو كلام الله، لكن قال: إذا خلوا بأنفسهم وخلوا مع طلابهم، نشروا ونثروا مثل هذه العقيدة المبطنة: بأن الله ما تكلم بهذا القرآن. لأن قال: ما يصرحون بهذا في الملأ، إنما ذلك إذا خلوا بينهم وبين أتباعهم، لماذا؟ ليفحش القول، الناس ما يتقبلون هذا منهم، بل هذا خروج عن العقل، وخروج كذلك عن لسان لغة، وخروج قبل هذا وذاك ماذا؟ في لسان الشرع، لأن القرآن هو كلام الله، منه بدأ، وإليه يعود سبحانه وتعالى، فلم يبتدئ به جبريل، ولم يقل به محمد، وإنهم قد بلغوا ما أنزل ربنا سبحانه وتعالى. فهذا إخواني في الله: أهم المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، وكما ترون أنه قد أطنب في هذا المبحث، وذلك ما ذكرنا في بداية البحث: على أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يتصدى للأشاعرة في هذه المسألة، هذه انطلت على كثير من الناس، وحتى أصبح الكثير من الفرق من يتبنى هذه المسألة، وهي مسألة تحتوي على عقائد فاسدة، بل هي في حقيقتها إنكار لكلام الله سبحانه وتعالى، وإخراج القرآن عن أن يكون كلام الله حقًا وصدقًا. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.