الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المحور يحذر من تقديم آراء الرجال على الكتاب والسنة ويشرح ضوابط المناظرة مع أهل البدع. ينبغي أن تكون المناظرة بشروط وقيود معينة وليس بشكل عشوائي.
يناقش المحور ضوابط المناظرة مع أهل البدع، مثل النظر إلى الثمرة المرجوة منها والتركيز على الزعماء والرؤوس. كما يبرز أهمية تحجيم أهل البدع بإجماع السلف الصالح.
يتناول المحور مناظرة بين الإمام أحمد وأحمد بن أبي دؤاد حول خلق القرآن، حيث استخدم الإمام أحمد منطق إلزام الخصم بالسكوت إذا سكت السلف عن المسألة رغم علمهم بها.
المحور الأخير يختتم مقدمة الرسالة ويشير إلى الدخول في صلب الموضوع في الدرس القادم بذكر الآيات المتعلقة بصفات الله تعالى، ويختم بالدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فقد مر معنا إخواني في درس أمس ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من بعض الآثار المروية عن سلفنا الصالح، وذكر فيما ذكر أثر عبد الله بن مسعود، ومن ثم أثر عمر بن عبد العزيز رحمه الله، ومن ثم ثلث بأثر الأوزاعي، عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي، إمام من أئمة الشام، وفيه قوله: «عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول». وفيه التحذير من نبذ الكتاب والسنة والأخذ بأقوال الرجال المجردة، ونعني بآراء الرجال هي الآراء المأخوذة من طريق أهوائهم ومن طريق مصالحهم دون العروج على الأدلة الشرعية، فإن هذا الباب من الأبواب العظيمة التي زل فيها منزل من كثير من المسلمين، بل هي جماع الشر، يجتمع في هذه الخصلة أن يقدم الرجل آراء الرجال على الكتاب والسنة. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مبينا قبح هذه المزلة: «معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال وتقديم ذلك عليها هو من فعل المكذبين للرسل»، قال رحمه الله تعالى: «معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال وتقديم ذلك عليها، أي أنك تعارض أدلة الشرع وما جاءت به الرسل تعارضها بأقوال الرجال أو أن تقدم آراء الرجال عليها، هذا وذاك من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر، كل كفر أنشئ كان من شأنه من هذه المزلة التقديم لآراء الرجال أو معارضة مسائل الدين بآراء الرجال». وهذا كما قلنا إذا كانت آراء الرجال غير مأخوذة من أدلة الشرع، أما إذا كان رأي رجل من رجال مأخوذ من الكتاب والسنة فهذا ليس فيه شيء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي - ويضبط بالذال المعجمة الأدرمي - لرجل تكلم ببدعة ودع الناس إليها»، وهذه فقرة سيذكر فيها المؤلف رحمه الله تعالى مناظرة حصلت بين رجل من أهل السنة وهو محمد بن عبد الرحمن، وهو أبو عبد الرحمن محمد بن إسحاق عبد الله بن محمد بن إسحاق الأدرمي. وهذه مناظرة تمت بينه وبين أحمد بن أبي دؤاد، بينه وبين أحمد بن أبي دؤاد هذا الوزير، وهو القاضي الضال الذي حمل على عاتقه نشر الضلالة، ومن ذلك القول بخلق القرآن، وهو الذي سوّل للأئمة بل وأزهم أزاً لهذه البدع المشينة. فكان يحثهم وكان يشجعهم على القول بها، ليس هذا فحسب، بل كان يغري صدور الأمراء على العلماء، فنكّل من نكّل بأهل السنة، وعلى رأسهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى، سجن وعذب ونُكِّل، ناهيك عن غيره ممن قضى نحبه، ومن قُتل في السجون، ومن من رُحِل ونُفي إلى بلد الغربة، كل ذلك من رأس هذا الضال الذي سوّل للأمراء القول بخلق القرآن، ومن ثم معاقبة من لم يقل به. قال: «ودعا الناس إليها، هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟»، وهذه مناظرة تمت بين أحمد بن أبي دؤاد الضال المتدع وبين محمد بن عبد الرحمن، وكان ذلك بحضرة الوالي. وهذه المناظرة التي تمت ليس معناها أن يفتح باب المناظرة لكل أحد، لا يفتح باب المناظرة لكل أحد، وبعض الناس لربما يستدل بمثل هذه الوقائع على جواز المناظرة، فيفتح الباب على مصرعيه ويقول: «ها أنا ذا، من ذا الذي يناظر؟ سأناظر، يكفيني أني على الكتاب والسنة، وأن مستندي الكتاب والسنة، وإن الله معي، وحسبي الله وكافي الله»، لا، ليس بهذا الحال يا عبد الله. أنك ترتكب بهذه المسائل على أنك تدخل في غمار المناظرات، لا، هذا أمر خطير، لا يفتح المجال لكل أحد، الأصل في التعامل مع أهل البدع والأهواء ومع المخالفين الهجر والترك والزجر، هذا الأصل لدلات الكتاب والسنة. كما جاء في الصحيح أن النبي لما قرأ تلكم الآيات: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى أن فرغ من الآيات، قال: «فإذا رأيتم هؤلاء - وفي رواية: إذا رأيتم الذين يتتبعون ما تشابه منه - فأولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم، أولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم»، فأمر نبينا بأخذ الحذر والحيطة من هؤلاء ممن تشابه من القرآن، وهم أهل البدع وأهل الزيغ. فهذا حقهم الحذر منهم؛ لأنك تجالسهم ولأنك تخالطهم، وهكذا ما جاء في الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام: «من سمع بالدجال فلينأ عنه»، والدجال هو رأس الضلالة ورأس الباطل، ومع ذلك احذره، ابتعد عنه. فلا تغتر بالإيمان الذي في صدرك، بإمكانك أن تسكت كل ضال وكل مبتدع، لا، ليس بهذا الصورة، الإيمان له محله والعلم له محله، فهذا باب المناظرات تحتاج إلى علم، ولهذا أغلق العلماء باب المناظرات إلا بشروط ضيقة وضيقة جدا. منهم من ألغاها، ألغى باب المناظرة وأن لا يفتح أبدا المناظرة مع أحد من أهل البدع، ومنهم من أجاز ذلك لكن تحت شروط وتحت قيود، من ذلكم أن يكون الذي يقوم بالمناظرة من طرف أهل السنة أن يكون متمرسا، مستمسكا بالعلم، قد أشبع بالعلم الشرعي، ثبت لحيته وشاب رأسه من معتقد أهل السنة والجماعة، رأسه كالجبال في العقيدة. فلا يأتي أحد من بعض طلبة العلم أو الذي ما تمكن من العلم فيفتح باب المناظرة، أو أحدهم حده يكون داعية أو مفكر أو مرشد فيفتح باب المناظرة، فتأتي المهزلة، تأتي مهزة، سمعنا ببعض المناظرات مع بعض المخالفين، فإذا تجد السنية تتأتأ، وما ينبغي لأن السنية تتأتأ في المناظرة، لا، هذا المناظرة تأتي التأتأ لمن قصر باعه، لمن قصر علمه. فينبغي إخواني في الله النظر في هذه المسائل، هذا في حق النظر في حق الطرف السني، وهكذا يكون النظر في طرف المبتدعة، من هذا الذي يناظر؟ يكون رأسا في البدعة، رأسا في البدعة. فتجد أن أهل السنة وهم جبال في العلم ما ناقشوا كل من هب ودب، وتأتي تقام مناظرة علنية، ثم تأتي الخصم عبارة عن رجل طرطور من المخالفين، طويل بعلم، أو رجل عامي من العوام، أو رجل من الدهماء، يأتي به ثم تقام لهم مناظرة، ما يمكن هذا. ولا تجد أهل السنة عندما قاموا المناظرة على رؤوس المبتدعة، على الرؤوس، على الزعماء الذين بإطاحتهم يسقط المنهج الذي حملوه، وهكذا يا عبد الله ينبغي أن ننظر إلى الثمرة، فإذا وجدت ثمرة من هذه المناظرة فنعمة، وإن لم توجد ثمرة فما في داعي المناظرة أصلا. وكانت الثمرة، ولهذا من نظر إلى هذه المناظرات ينظر إلى الثمرة، إمام أحمد لما ناقش أهل البدع في زمنه، ما الذي فعله؟ كسر شوكتهم، حتى أن أئمة الزمان في تلك الفترة من تلك البلاد، ومن ضعف منهجه مع المعتزلة لما رأى الإمام أحمد قال: «أطرحوا برؤوس هؤلاء بأدلة الكتاب والسنة»، الخوارج كانوا ستة آلاف خارجي، دخل ابن عباس وأخرج منهم آلاف، قيل: إنه خرج منهم ألفان، ومن قبل أربعة آلاف ممن خرج منهم، ثمرة واضحة. إذن موضوع المناظرة ينبغي أن يكون فيه تحت تأصيل نظر في حال السني المناظر، نظر في حال المبتدع الذي سيناظر، كذلك في حال الثمرة المرجوة من هذا، فلابد النظر في هذا، ولا يفتح الباب على مصراعيه كما نرى في هذه الأزمان. مع وجود الشبكة العنكبوتية مع وجود القنوات الفضائية، هنا مناظرة، مناظرة، مناظرة، لا، ليس على شروط، ولا على قيود، ولا لها ضوابط، وهذا مما يضر ولا ينفع، يضر ولا ينفع، وهذا من هذا الباب. فالأدرمي رحمه الله تعالى من نظر في ترجمته من أئمة السنة، ومن الذي نظر؟ نظر أحمد بن أبي دؤاد، هو رأس المبتدع في ذاك الزمان، وهل كان ذلك منفعا؟ نعم، فيه منفعة، حتى أن بعضهم أورد أن هذه القصة كانت مما أثرت على الواثق، وهو الإمام في ذاك الزمان، أثرت هذه الحادثة فيه حتى أنه ضعف في تمسكه لهذا الباب، بل منهم من ذكر أنه قد تاب منها، والله أعلم في صحة التوبة، إنه تاب منها على إثر هذه القصة. فلابد من النظر في هذه القيود التي تعقد لباب المناظرة، قال رحمه الله تعالى: «قال: هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها، قال: فشيء لم يعلموه أولا أعلمته أنت؟»، وهذه المناظرة يستفيضها الطالب في معرفة الكيف إذا ألجئ إليها، إذا ألجئ، ليس هو الذي يفتحها، لكن قد يلجأ أحيانا. أنت في مجلس من ينبر لك من المبتدع، فيضيق عليك الخناق، فإذا ألجأت إلى ذلك فليكن عندك مثل هذه المحاور في الذهن، كيف تسترسل مع أهل البدع حتى تلزمهم؟ فهذا كان لعمري، وهذا كذا، نقل عن إمام أحمد - إن صحت القصة عنه - في مناظرته أيضا: أنه استخدم نفسه هذا الأسلوب، وهو أنه يحاجه بمن مضى، بمن سلف. وهذه قاعدة عند أهل السنة والجماعة، مفادها أن كل صاحب بدعة فإنه محجوج بإجماع من مضى، كل مبتدع محجوج بإجماع من مضى، هذه قاعدة يجعلها رصينة، اعلم أن أي مبتدع كائنا كان، فإن هذا المبتدع ببدعته قد خرج عن إجماع السلف، فحاجه بالإجماع مباشرة ينقطع الخطاب، ينقطع الكلام مباشرة؛ لأن الذي أتى ببدعة انفرد بشيء لم يكن معلوما لدى سلفنا الصالح. إذن سلفنا الصالح قد أجمعوا على أمر ما، وهذا المبتدع قد خالفهم، فإذا حاججته بالإجماع مباشرة، حاججته بالإجماع وسينقطع وسينقطع، ولن يجد فرارا وملاذا من هذا الباب، وهذه قاعدة كما قلت ذكرها إمام مالك رحمه الله تعالى، بقوله: «أن كل صاحب بدعة فإنه محجوج بالإجماع قبله»، أو «محجوج بالإجماع»، محجوج بالإجماع. قال رحمه الله تعالى: «هل علمها رسول الله وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟ إذن هذا الإمام ناقش ابن أبي دؤاد في مسألة خلق القرآن، ثم ينطلق وقسها على باقي البدع»، فيسأل عن هذه البدعة، البدعة بخلق القرآن يا من يدعو الناس إليها، هل هذه مسألة وهي هذا القول بخلق القرآن هل علمها رسول الله وأبو بكر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ فالسؤال منطقي. يعني لابد أنك تجيب إما أنها أولى نبينا عليه الصلاة والسلام ومن كان من الخلفاء الراشدين، هل هم على علم بمسألة القول بخلق القرآن أو لم يكن بها عن علم؟ فأجاب هذا الضال: «قال لم يعلموها»، وهذه طامة، طامة، يعني كيف أنت تدعي مسألة تقول: «أنا على علم بها ورسوله لم يعلم بها»، هذه طامة. يعني رجل قد تفوه بهذا بغير إدراك، لكن الغلو في البدعة أن الله يطبع على قلوب أصحابها، فتجري على ألسنتهم مثل هذه المسألة، ما علمها لا رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، ما أحد علمها إلا أنا. فقال له هذا الإمام: «قال فشيء لم يعلموه أعلمته أنت؟»، يعني هذا عجيب، يعني أمر في الدين، ليس أن أتكلم في الدنيا ما أتكلم في موضوع الاختراعات الجديدة يعلمها الدكتور أو المهندس، لا، مسألة الدين الدين قد جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قد أنزل عليه قول ربنا جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، الدين قد أغلق من زمن عليه الصلاة والسلام. فكيف تأتي بدين جديد؟ فقال: «أهذا شيء علمه رسول الله والصحابة أم لم يعلموا؟ فتجره لم يعلموه»، فاستغرب، قال: «فشيء لم يعلموه رسول الله وتعلمته أنت؟»، حينها علم أنه قد وقع في فخ، فاستدرك، فقال: «قل قد علموه»، هنا استدرك، لا، أنا متراجع، وهذا قد جاء مصرحا في رؤية إمام أحمد بن حنبل، قد تراجع، ولكن هنا قال استدرك: «قال قد علموها»، لا، لا، قل لم يعلموها، لكن قد علموها، علموا بالقول بخلق القرآن. فقال رحمه الله تعالى: «أفوسعهم أن لا يتكلموا بها ولا يدعو الناس إليها أم لم يسعهم؟»، فرضا وجدلا أن هؤلاء كانوا على علم بمسألة القول بخلق القرآن، وأنه فرضا وجدلا أنه من أصميم الدين، وفرضا وجدلا أنه من أصول الديانة، مثلا سلمنا نبينا عنده هذه العقيدة، وهو أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فهؤلاء اعتنقوا على حد زعمك اعتنقوا مبدأ القول بخلق القرآن. هل هؤلاء المجتمعون هل وسعهم السكوت أم يتكلموا بها؟ هو الآن سيحتج، إذا قالوا: «إن تكلموا بها»، قل: «هات لنا دليل حديث واحد أن رسول الله يقول بخلق القرآن أو أن أبا بكر له آثار يقول فيها بقول بخلق قرآن أو عمر أو عثمان أو علي»، إذا قال: «أنهم تكلموا بهذا»، إذن سيطالب مباشرة بالدليل، بأثر واحد، أثر واحد عن أي أحد من هؤلاء أنهم تكلموا بها. فلهذا قال: «إذا هؤلاء علموها، أنت بين أمري»، إذا علموها هل هم تكلموا أو لم يتكلموا؟ طبعا الرجل سيعيد الذاكرة حتى لا يقع في فخ مرة أخرى، فيقول: إذا قالوا: «تكلم بها»، إذا أنت أو طالب بالدليل، قال: «لا ما تكلم بها، عندهم هذه العقيدة في صدورهم وفي نفوسهم إلا أنهم ما تكلموا بها»، ثم قال له الإمام رحمه الله تعالى: «قال بل وسعهم»، أي وسعهم أن لا يتكلم بهذا. فقال له الإمام: «قال فشيء وسع رسول الله وخلفاءه لا يسعك أنت؟»، إذا أنت إلى المطلوب، إذا كنت تعتقد أن هؤلاء قد علموا الشيء ومع ذلك رأوا من السعة أنهم يسكتوا وما يتكلموا فيه، هذا العقيدة، إذن هذا هو الذي تتصور في نبينا وفي أصحاب الخلفاء أنهم علموا بمسألة القرآن ومع ذلك وسعهم السكوت. فقال لهذا الإمام: «أما يسعك أن تسكت كما سكتوا؟»، إذن كن لك أسوة في رسولك، إذا كنت تزعمه عندهم علما وسكتوا، إذن فلتكن مثلهم، كن عندك علما وسكت كما سكتوا، قال: «أفما يسعك ما وسعهم؟»، قال: «فانقطع الرجل»، قطع، أي سكت، وما استطاع أن يخاصم البتة. وهكذا نهاية كل مبتدع وكل مبطل يتواجه مع أهل السنة، فإن حاله يعود إلى الفشل وإلى السكوت، فقال الخليفة وكان حاضرا وهو الواثق: «لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم»، لا وسع الله، وقيل: إن هذا كان قصة أثرت في الواثق، وهو الإمام في ذاك الزمان، حتى قيل: إنه تاب من هذه المسألة، وقيل: إنه سكت، لكن قد تأثر بها، تأثر بها. وهذا يدلك على أن المناظرة ينبغي أن تكون لها ثمرة ولها أثر محسوس حتى تقام، ولها كذلك تكون لها مصلحة مرجوة من إقامتها، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: «وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، ولمن بعدهم والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت، فلا وسع الله عليه». وهكذا يا عبد الله، فليكن حال من أراد أن يناقش في هذا الباب، وخاصة في باب الأسماء والصفات، أنك يا عبد الله إن كنت تعتقد - وهذا كلام لهؤلاء البدع - إن كانوا يعتقدون من أول حرف من الصفات، من فوض في آيات الصفات، من عطل آيات الصفات، اسأله: «هل هذا الأمر وهل هذه العقيدة كان عليها نبينا أو لم يكن عليها؟»، فإن قال: «ما كان عليها»، فنعم الخلف أنت، إذ أنك أخذت عقيدة ما كان عليها نبيك عليه الصلاة والسلام. وإن قال: «لا، بل هذه عقيدة قد اعتنقها نبينا»، من قال: «أنه اعتنق التعطيل أو التأويل أو التفويض أو التشبيه أو التمثيل»، إن قالوا: «اعتنقوها»، قل لهم: «هل وسعهم أن يسكتوا عنها أو لم يسعهم؟»، فإن قال: «ما سكتوا عنها بل نشروها»، قال: «هات لهم بالأدلة الدالة على أن هؤلاء قد تكلموا بالتعطيل والتفويض والتشبيه والتمثيل والتكييف والتحريف»، وأن لهم ذلك، إذن ما عندهم شيء سوى ماذا؟ اتباع الهوى. وهذه قصة كذلك قد ذكر العلماء منقولا عن إمام أحمد رحمه الله تعالى، رواها الإمام الآجري رحمه الله تعالى في الشريعة، قال: «أن الإمام أحمد لما ناقش أحمد بن أبي دؤاد، قاله: فشيء لم يدع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي تدعو أنت إليه الناس؟»، لما رأى إمام أحمد أن بن أبي دؤاد رفع راية القول بخلق القرآن، وناقش وناظر، بل حتى هو الذي سلط الأئمة على الإمام أحمد. إمام أحمد قد عذب، نُكِّل به، سُحِب من بيته وهو مُقَيَّد بالسلاسل، بل ربما كان كلما ركب على الفرس يسقط من كثرة الأصفاد، من كثرة الحديد الذي قد حُمِّل على ظهره وعلى رجليه وعلى عنقه، رحمه الله رحمة واسعة، ثم أُخِذ ودخل في السجن، وكان يُجلَد، يُجلَد، وكان يُغَرِّي بن أبي دؤاد السلاطين على إمام أحمد، حتى كانوا يأمرون الجلادين بأن يضربوا ويضربوا ويضربوا، حتى أن الجلاد يفتر، يفتر من كثرة الضرب. فإذا استراح وأراح يده من الضرب، قال الإمام: «هذا الإمام المعتصم ومن كان من أنثاله، اضرب، قطع الله يدك، اضرب»، يعني يشجعهم حتى لا يفتروا من الضرب، فعُذِّب إمام أحمد التعذيب الشديد، ومع ذلك كان يؤتى بهذه الحالة، ويؤتى مُربَّطا بالسلاسل، ثم يؤتى إليه بالقضاة، وهكذا بالحاشية من أمراء السوء، من علماء السوء، يناظرونه على هذه المسألة، على القول بخلق القرآن. وكان كل ذلك من تحت رأس هذا الضالين أحمد بن أبي دؤاد، فكان مستميتا على هذه البدعة، فألزم يم أحمد في هذه المناظرة بقوله: «قال فشيء لم يدع إليه رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي تدعو أنت إليه الناس؟»، قال: «ليس يخلو أن تقول هنا الإلزام ليس يخلو إلا أن تقول علموه أو جهلوه»، قال رحمه الله تعالى: «فإن قلت علموه وسكتوا عنه، وسعنا من السكوت ما وسع القوم، فإن قلت جهلوه، أعلمت وأنت يا لُكع يا ابن لُكع بأمر جهله نبينا والخلفاء الراشدون عنه وتعلمه أنت وأصحابك؟»، طبعا هذا من الإلزام أنه سبه، سبه غليظة. كيف أنك تتجرأ على أمر تظن أن نبيك قد جهله وأنت تعلمه؟ فهذا هو الضلال المبين، وهذه القصة وخاصة من رواية الإمام أحمد، علق عليها الذهبي رحمه الله تعالى، قال: «وهذه قصة مليحة»، وإن كان في طريقها من يجهل، ولها شاهد، وإن كان في طريقها من يجهل، أي جهالة، لكن لها شاهد، ذكر ذلك الذهبي هذه القصة في سير أعلام النبلاء. فالحاصل إخواني في الله، فهذا الذي ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من أول رسالته يمكن أن نعتبرها كمقدمة، نعتبرها كمقدمة لصميم الرسالة، وسأتي إن شاء الله في درسي غد بإذن الله الدخول في صلب الموضوع، في صلب الموضوع، وذلك بذكر الآيات المتعلقة بصفات الباري سبحانه وتعالى. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.