شرح لمعة الإعتقاد  8

شرح لمعة الإعتقاد 8

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية آل عمران ومعنى التأويل

يشرح المقطع معنى التأويل في آية آل عمران ويبين معانيه اللغوية والشرعية، ويوضح الخلاف حول الوقف في الآية. يُفصّل الكلام حول معاني التأويل المختلفة.

الإيمان بأسماء الله وصفاته وفق مذهب الإمام أحمد

يشرح المقطع عبارة الإمام أحمد بن حنبل حول الإيمان بأسماء الله وصفاته، ويوضح معنى "نؤمن بها ونصدق بها لا كيف ولا معنى". يُفصّل الكلام حول معنى "بلا كيف" و"بلا معنى".

مذهب التفويض وعبارة 'بلا كيف ولا معنى'

يناقش المقطع مذهب التفويض ويفند استغلال بعض الناس لعبارة إمام أحمد لتبرير مذهبهم، موضحًا المراد منها ونفي التكييف والمعاني الباطلة عن أسماء الله وصفاته.

الدعاء والصلاة على النبي ختامًا

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى المستمعين ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مر معنا إخواني في الله في قول المؤلف رحمه الله تعالى، وهو بإزاء ذكر أقسام الناس حول ما أشكل من آيات القرآن، وذكر أنهم على قسمين اثنين لا ثالث لهما: أهل الرسوخ في العلم، وأهل الضلال والزيغ والانحراف، وذكرنا ما يتعلق بأقوال العلماء في هذه المسألة حول التعامل مع المحكم والمتشابه بعدما ذكرنا ما يتعلق بمعانيها وتفاسيرها عند العلماء. ثم قال رحمه الله تعالى: قال ثم حجبهم عما أملوه وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، هنا مسألة ينبغي أن ننبه عليها ونحن في سياق هذه الآية، المسألة الأولى مسألة قوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ما معنى التأويل؟ بعض المبتدعة وقصار النظر لربما يذهب ذهن أحدهم إلى أن معنى التأويل هو ذاك المصطلح الحادث، وهو بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره بقرينة، هذا هو التأويل: صرف اللفظ عن ظاهره بقرينة. فبعضهم يفسر هذه الآية بهذا التفسير، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وكم فرح المبتدع بهذا التفسير الذي فسروا به هذه الآية، وهذا خطأ، وهذا غلط، لماذا؟ لأن هذا التفسير الذي هم يدندنون حوله، بأن تأويله وصرف اللفظ عن ظاهره بقرينة، أو صرف اللفظ إلى المعنى المرجوح بقرينة، هذا حادث، هذا تفسير حادث جاء متأخرا، لم يكن في لغة العرب بهذا المعنى، ولم يكن في عهد نبينا، ولا في عهد الصحابة، ولا في عهد أتباع التابعين، بل هو جاء متأخرا جدًا. فكيف يفسر كلام الله سبحانه وتعالى بأن يفسر هذا اللفظ بمصطلح متأخر؟ وإنما التأويل قد مر معنى أنه على معنيين اثنين، قد عرف في لغة العرب بمعنى ما تأول إليه حقيقة الشيء، وبمعنى التفسير، هذه معاني التأويل في اللغة وفي الشرع. أما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح بقرينة، هذا سيسمى نعم تأويلا، لكن في القرون المتأخرة، وبعد ذلك قد بيّن أنه يختلف، فمنه ما هو صواب ويسمى بالتأويل الصحيح إذا أسعفته الأدلة، وهناك ما هو تأويل باطل وهو فاسد إذا كان عبارة عن تحكم وهوى ولا قرينة تدل عليه. تأويل ما يسميه العلماء بالعبث، بالعبث واللعب بكتاب الله جل وعلا، وهو أن يقوم بعض الناس بصرف اللفظ عن ظاهره لا لقرينة ولا لشيء، وإنما هو محض التحكم بشرع الله، كما تفعل القرامطة والفرق الباطنية. إذن نفهم إخواني في الله أن في قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أن كلمة التأويل لا تدخل معنا في تفسير الآية بالمعنى المذكور عند المتأخرين. وفي قوله المؤلف رحمه الله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ثم وقف، وهنا مسألة أخرى متعلقة بهذه الآية حول الوقف عند هذه الآية، هل الوقف تمام الوقف يكون عند قوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أم أن الوقف بعد قوله تعالى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟ اختلف أهل التفسير واختلف العلماء ممن هم من أهل السنة حول حقيقة الوقف أين يكون؟ فيذكر أن القدامى منهم، أصحاب رسول الله ومن التابعين، ذهبوا إلى أن الوقف يكون عند لفظ الجلالة ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ هنا الوقف، ثم ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ هذه جملة استئنافية، والواو هنا واو ابتدائية استئنافية. والقول الآخر، وهو كذلك يذكر عن جمهور المتأخرين من المفسرين ومن الأصوليين، يرون الوصل، يرون الوصل ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ هنا الواو تكون واو عاطفة، تكون الواو هنا واو عاطفة. وليس هذا المقام مقام ذكر ما وجه هذا الباب وما وجه ذاك الباب، لكن هنا نكتة بلاغية، الذي قد فهم معاني التأويل، وأنها من معانيها في لغة العرب وفي لسان الشرع أن التأويل يأتي بمعنى ما تقول إليه حقيقة الشيء، والمعنى الثاني أن معنى التأويل بمعنى التفسير، حينها سيظهر له معنى الوقف. سيظهر له معنى الوقف، فعلى قول من يقول بأن الوقف هنا على لفظ الجلالة ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ثم يسكت، بمعنى أن هذا العلم اختص به الرب جل وعلا، فيكون التأويل هنا بمعنى ما تأول إليه حقيقة الشيء، حقيقة الشيء والذي تأول إليه لا يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى، سواء كانت والأشياء إما أخبار فتأويلها وقوعها، وأما أحكام فتأويلها إيقاعها. فإذا كنا مثلا نتكلم عن مسائل المعاد والبعث والنشور والجنة والنار، فيكون حقيقة الشيء لا يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى، وهكذا باب الأسماء والصفات، فحقيقة هذا الباب وهو كيفية الأسماء والصفات لا يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى، فيكون الوقف هنا باعتبار أن كلمة التأويل بمعنى ما تأول إليه حقيقة الشيء. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ تقف هنا، إذا كان التأويل الذي تريده بمعنى المآل الذي تأول إليه الأمور، فهنا يجب الوقف على لفظ الجلالة. وإن أريد التأويل بمعنى التفسير، نبئنا بتأويله أي بتفسيره، إن كان التأويل بمعنى التفسير فهنا يكون كذا يكون الوصل، أي أن كلام الله سبحانه وتعالى وما فيه من أخبار وما فيه من أحكام يعلم تفسيره الله جل في علا، وهكذا أهل العلم، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله»، وهكذا قال مجاهد رحمه الله تعالى: «وأهل العلم ممن يعلمون تأويله»، أي تأويل القرآن بمعنى تفسير القرآن. وقد مر ذلك معنى أن في القرآن ليس فيه ما يسمى بالمشتبه المطلق الذي يستغلق على جميع الخلق، لا، هناك من أهل الرسوخ من العلماء ممن عرفوا مراد الله سبحانه وتعالى من آياته الموجودة في كتابه والمسطرة في كتابه سبحانه وتعالى. وطبعا هذا ما هو باع طويل، لكن هذه خلاصتها، في أول ينبغي أن نعلم ما معنى كلمة التأويل، وينبغي أن لا ندخل في لفظ التأويل الذي جاءت بلسان الشرع بذاك المصطلح الحادث، فهذا متأخر. وأن معلم ما يتعلق بالوقف عند هذه الآية، فإما أن تقف على لفظ الجلالة عند الله سبحانه وتعالى، فيكون التأويل بمعنى حقيقة الشيء، فيكون المعنى أن الأمور لا يعلم، بحقيقتها ما كان من أمر المعاد والبعث والنشور والجنة والنار، وهكذا الأسماء والصفات، في حق من تشكل عليه مثل هذه الأشياء، فيكون كيفيتها لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى. وأما أنت أردت الوصل في كل الوقوف على العلم على أهل العلم والراسخون في العلم، فيكون التأويل بمعنى التفسير، أي أن الله سبحانه وتعالى يعلم بما أراد من أحكامه الذي موجود في كتابه، وهكذا أهل الرسوخ، فإن الله سبحانه وتعالى أعطاهم من العلم والفهم والبصيرة ما فهم به كتابه سبحانه وتعالى. قال مؤلف رحمه الله تعالى: «كلام أئمة السلف في الصفات»، قال: «إمام أحمد أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا" و "إن الله يُرى في القيامة" وما أشبه هذه الأحاديث، نؤمن بها ونصدق بها لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولنزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا تعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت القرآن»، هذه العبارة بطولها، نعم، من العبارات التي أثرت عن الإمام أحمد، وتناقلها العلماء في كتبهم. وممن أوردها ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه «مناقب الإمام أحمد»، ذكر هذا الأثر عنه، وهكذا الذهبي في «تاريخ الإسلام» عندما ترجم للإمام أحمد رحمه الله تعالى ذكر هذا الأثر، وهكذا أبو يعلى رحمه الله تعالى في كتابه «إبطال التأويلات» أورد الأثر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهكذا ابن القيم في «الصواعق»، المهم أن للثلة من علماء السنة رووا هذا الأثر وأثبتوه عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهذا الأثر بطوله اجتمع على عدة قواعد رصينة، وهي من القواعد التي تدور عليها قواعد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ومن أعظم ما يستفاد من هذا المقطع وجوب الإيمان والتصديق بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد جاء ذلك معنا في أول رسالة. وأن المسلم عليه أن يخضع ويتبع ما جاء في كتاب الله وما جاء في رسول الله عليه الصلاة والسلام من أي جهة كانت، سواء كان من أحاديث الآحاد أو كان من الأحاديث المتواترة أو ما كان من السنة القولية أو السنة الفعلية أو السنة التقريرية، فينبغي الخضوع لخبر الرسول عليه الصلاة والسلام، وعبارة الإمام أحمد هذه تدور على هذه المعنى. وهكذا الإيمان بالمحكم والمتشابه، وهذا واضح من عبارة الإمام أحمد، وقد مر ذلك معنى، وأن هذا من صميم معتقد أهل السنة والجماعة، لا أنهم يأخذون المحكم ويتركون المتشابه، ويتتبعون المتشابه، لا، وإنما يجمع هذا على هذا، فالأصل الإحكام، المحكم هو الأصل، ثم المتشابه مع الإيمان به ينبغي أن يرد إلى المحكم حتى يصير الكل محكما، كما قال العلماء في كتبهم، وهذه طريقة أهل الرسوخ وطريقة أهل السنة. وبقي مسألة، وهي في قول مؤلف رحمه الله تعالى: وطبعا هناك أحاديث مرت هنا، ما سنطرق إليها ما يتعلق بالتخريج، لأن سيأتي بيانه في الأبواب الآتية، حيث فصل المؤلف رحمه الله تعالى في بعض الأسماء والصفات، وسيأتي التخريج حينها. لكن قول مؤلف رحمه الله تعالى في قوله: «نؤمن بها ونصدق بها لا كيف ولا معنى»، لا كيف ولا معنى، هذه العبارة وخاصة الشطر الثاني مشكل، وسيأتي وجه الإشكال فيه. أما قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «نؤمن بها ونصدق بها»، أي ما جاءتنا من الأخبار عن رسول الله في أسماء الله وصفاته، أنه نؤمن بلا كيف، بلا كيف، وهذا صحيح، لا تسأل يا عبد الله ما يتعلق بكيفية الأسماء والصفات. ويقول علماء رحمه الله تعالى هنا: المقصود بلا كيف، إما أن المقصود به بلا كيف من حيث التصور والاعتقاد، أو بلا كيف من حيث السؤال، لا هذا ولا ذاك، هذا لا يتطرق إليه في باب الأسماء والصفات، ما يتعلق بالسؤال بلا كيف، لا تسأل إذا سمعت بشيء من أسماء الله وصفاته، لا تجعل لنفسك العنان بأن تسأل كيف؟ لا، هذا محجوب، هذا السؤال محجوب، لا يسأل به أحد من الخلق أبدا، وإنما تسلم وإنما تخضع. وقد مر مالك ذلك معنى كثيرا في أثر إمام مالك رحمه الله تعالى في قول ذاك المتهوك: «الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟» فنهره، وهذا الذي يفعل هذا الفعل ينهر، لا أحد يسأل عن كيفية الله سبحانه وتعالى، فهذا يحمل من معاني بلا كيف ألا يكون من باب السؤال. وكذلك بلا كيف، أي من حيث التصور والاعتقاد، لا تتصور أو تعتقد أن لله سبحانه وتعالى كيفية تشابه كيفية الخلق أو المخلوقات، لا، هذا منتفي عن الله عز وجل، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير سبحانه وتعالى، فهذا قول، لأنه سيأتينا، لأن كون الشخص يطلب معرفة كيفية شيء ما، هذا لا يكون إلا بعد الطرق إما بالرؤية، إما بالمثيل، إما بخبر الصادق، هذه الأشياء الثلاثة يمكن عن طريقها التوصل إلى معرفة الشيء. إما بالنظر إليه مباشرة، وهذا محال في حق الرب عز وجل حتى تعرف الكيفية، كيفية الأسماء والصفات، وإما أنك تأتي بمثيل يشبه هذا الشيء فتقيس هذا بهذا، وربنا ليس له مثيل، حاشا وكلا، ليس كمثله شيء، وإما عن طريق خبر الصادق، ومن هو الذي أخبرك بكيفية عن كيفيات الله عز وجل؟ لا أحد، ولهذا يقطع هذا الباب إطلاقا. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: «لا كيف»، فتقضي الكيفية، قال رحمه الله تعالى: «ولا معنى»، هذا اللفظة مشكلة، فرح بها المبتدعة بهذه اللفظة عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، حتى أن بعضهم وخاص أهل التفويض من من يصطاد من ماء العكر، يأخذ هذه اللفظة من إمام أحمد ويقحمها في كتبهم، ويوجد هذا وجد هذا من المفوضة ومن أهل البدع من يأخذ بعبارة الإمام أحمد هذه ويجعلها في كتبه ويقول: «هذا الإمام أحمد على ما نحن عليه، ما الذي أنتم عليه؟ بلا معنى». وقد مر معنا في دروسه الأول ما يتعلق بمذهب التفويض، أن المفوضة يثبتون اللفظ، أما المعنى يعرض، لا معنى عندهم للشيء، اللفظ موجود، العين والرأس، «الرحمن على العرش استوى» استوى، يقول هكذا استوى استوى، لا نغير ولا نبدل باللفظ الذي وضعه الرحمن سبحانه وتعالى لنفسه، لكن ما معنى استوى؟ الله أعلم، عندما تأتيهم إلى المعنى يهربون، وهكذا قسف باقي الأسماء والصفات، السميع البصير، النزول، ما يتعلق بصفتي اليد والسمع إلى آخر، وكما سيأتينا. فأهل التفويض هم على هذا المذهب، إثبات اللفظ ويتركون المعنى، يقول: «ما عندنا معنى نستطيع أن نحكم عليه»، معنا في لغة العرب ما من شيء له لفظ إلا له معنى، هذا الأصل، ما من شيء له لفظ إلا وله معنى، لكن هؤلاء عروا المعاني، فأثبت القرآن عبارة عن ألفاظ ما معنى هذه الألفاظ؟ الله أعلم بها، وكأنك أعجمي، وكأنك أعجمي تقرأ القرآن ولا تفقه منه معنى من المعاني، وهذا طعن في الرب سبحانه وتعالى، طعن في كلام الله سبحانه وتعالى، التنقص وعين التنقص. إذن هذا الكلام ليس هداية لأحد، كيف أنا سأهتدي ولا أدري إيش معنى معانيه؟ بماذا يخاطبني الرب؟ الله أعلم، إيش معنى هذا الكلام؟ الله أعلم، إيش هذه الآية؟ الله أعلم، الله أعلم، إذن إيش بهذه؟ ألم يخاطبنا ربه بأن هذا القرآن نزل بلسان عربي مبين حتى نتأمل ونتدبر ونتبصر به؟ هذا هو، أما على قولهم فلا داعي للتدبر، لأنك ستنظر إلى قوالب أمامك ثابتة معراة عن المعاني، وهذا مذهب التجهيل كما سمى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. الحاصل أن المفوضة فرحوا بعبارة إمام أحمد، ووجدوا متنفسا، وجدوا متنفسا لهم من هذه العبارة، فجاءوا أقحموها في كتبهم، بل حتى أن بعض العلماء يذكر، والله تعالى أعلم، بإصلاح هذا القبر، أن بعض الحنابلة من المتأخرين دخله الداخل، دخله الداخل من التعلق بمذهب التفويض من خلال هذه العبارات المجملة، من هذه العبارات المجملة عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهذا ليس عذرا، إذا كان إمام أحمد بعض يرى أن هذه العبارة مجملة، إذا بالمفصل من كلامه، على أما ركنت على هذا الكلام المجمل حتى تبني عقيدة كاملة من هذه اللفظة المجملة؟ الإمام أحمد رحمه الله تعالى إمام من أئمة السنة والجماعة، دافع نافع، بذل روحه، رضي رحمه الله تعالى رحمة واسعة في سبيل نصر الدين، ألف ودافع وناظر وجادل في سبيل الله، ثم تترك هذه التفاصيل، ثم تأتي العبارة مجملة، والإمام يقول: «بلا معنى»، والله هذا كأنه مذهب التوفيط. فأنا على قول ما أقول: إن أنا بعض المتأخرين من الغفلة في التبعية والتقليد، يقول: «أنا مع الإمام أحمد، مقلد له في الأصول والفروع، معه في كل شيء، في أصولي في الاعتقاد»، يقول: «بلا معنى»، إذا أنا معه، طيب، هذا يا أخي، إذا كان مجملا طبق القاعدة، إذا كان هذا مجملا ارجع لكلام المفصل. الحاصل أن بعض الناس فرح بهذه العبارة عن إمام أحمد، وظنها أنها تخدم مذهب المفوضة، وهذا ليس بصحيح، فالعلماء خرجوا لهذه العبارة من عبارات الإمام أحمد بمخرج صحيح. وأن الذي عناه الإمام أحمد رحمه الله تعالى بقوله: «بلا معنى»، بلا كيف ولا معنى، أي ولا معنى باطل، ولا معنى باطل، أي أنك في باب الأسماء والصفات بعد الإيمان والتصديق، عليك أن لا تكيف، وعليك كذلك أن لا تحملها على المعاني الباطلة، هذا الذي عناه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، هذا الذي عليه فهم أهل السنة، وهذا الذي عليه حياته رحمه الله تعالى. وهكذا سياق العبارة، سياق العبارة استخدم عبارتين: «بلا كيف ولا معنى»، بلا كيف هذا في رده على تلكم الجماعة ممن كيف أسماء الله وصفاته، يدخل في ذلك المكيفة والمشبهة والممثلة والمجسمة، ثم عرج على المذهب الثاني وهم المعطلة ممن عطلوا الأسماء والصفات، وما كان التعطيل منهم إلا بإدخال المعاني الباطلة، فقال: «بلا كيف» رد على المشبهة والمجسمة، وقال: «وبلا معنى» الرد على المعطلة ممن أدخل المعاني الباطلة والفاسدة في حق الرب سبحانه وتعالى. فهذه الخلاصة المسألة إخواني في الله، ليس هناك تفويض، وليس فيها اشتباه إلا من قصر علمه ومعرفته بمذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، إذن هذه مسألة لا إشكالية فيها، فقال إمام أحمد: «لا كيف ولا معنى»، لا غبار عليها، لا كيف أي لأن كيف الله سبحانه وتعالى إما عدم التكييف من حيث طرح السؤال، أو عدم التكييف من حيث التصور والاعتقاد. أو كذلك قول رحمه الله تعالى: «بلا معنى» أي بلا معنى باطل، وهذا الذي اتخذه جماعات من المعطلة كالجهمية والأشاعرة والمعتزلة، جماعات أخرجوا المعاني الصحيحة لأسماء الله وصفاته إلى معاني باطلة، فحذر الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن نسلك مسلك هؤلاء، فأنت لا تكيف ولا تأتي بمعنى باطل، إنما اللفظ تأتي بمعناه اللغوي عرف من خلال لسان الشرع، وهكذا في لسان العرب. وقول رحمه الله تعالى كذلك: «ولنصِف الله بأكثر مما وصف به نفسه»، كذلك هذه قاعدة من القواعد المتينة الرصينة عند أهل السنة والجماعة، أنك يا عبد الله في باب الأسماء وصفات عليك بالتوقف، تتوقف، لا تثبت إسمًا لله إلا بما سماه الله جل وعلا به نفسه، وهكذا ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا ردع من الإمام أحمد على تلكم الفرق الضالة له ممن استحدثت الأسماء الجديدة على الله سبحانه وتعالى. كذلك لفظ الاسم الموجود الموجود، وظنوا أن هذا الاسم يغني عن الحي القيوم، لا، الموجود هذا ليس من أسماء الله عز وجل، وهكذا كالفلاسفة، الجوهر يسمون الله بالجوهر أو بالعقل الفياض، وغير ذلك من الأسماء، فهذا لا تجوز لأحد من الأشخاص أنه يثبت إسمًا من عند نفسه. ولهذا الباب كذلك مغلق، لأن باب الأسماء وصفات باب توقيفي، ولهذا قال رحمه الله تعالى: «ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه»، وقد توسع الناس في إدخال بعض الأسماء ظنوها أنها لله وليست لله، مثل اسم القديم، القديم لا، ليس عندنا القديم، بل عندنا الأول سبحانه وتعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن، هذه من أسماء الله سبحانه وتعالى، أما القديم تجعلها أنها بمثابة الأول، ليس من أسماء الله القديم، فضلا أن هذا الإسم كذلك فيه بعض المعاني بعض المعاني التي لا تليق. لأن من ألفاظ القدم والقديم يطلق على شيء المتهالك، على شيء المتهالك الذي انتهى، فتجد أن مثل هذه المصطلحات التي يصطلع عليها بعض الناس، وهي كذلك من المحدثات، فيها معاني لا تليق بجناب الرب سبحانه وتعالى، فالسلامة يا عبد الله أنك لا تصف الله سبحانه وتعالى بصفة أو بإسم إلا ما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة نبينا صلواته ربي وسلامه عليه. لهذا قال في آخر عبارته: قال «إلا بتصديق الرسول وتثبيت القرآن»، ومعنى تثبيت القرآن أي بما ثبت في القرآن، هذا الذي يثبت في حق ربنا سبحانه وتعالى، هذا خلاصة عبارة إمام أحمد رحمه الله تعالى، وإلا بالحقيقة هو سطر عدة قواعد، لكن سيأتينا الكلام فيها في ثنايا البحث. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.