الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
عند تزاحم المصالح، يقدم الأعلى منها استناداً إلى القرآن. يُطبق ذلك بتقديم الواجب على المستحب في العبادات.
يُقدم الأعلى مصلحة أو الأدنى مفسدة عند التزاحم. يُفضل ما هو متعد النفع على ما هو قاصر النفع.
يُشرح دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما مستشهداً بقصة الخضر وبحديث إعادة بناء الكعبة، ويُختتم بالدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا مع المؤلف رحمه الله تعالى في قوله: «فإن تزاحم عدد المصالح يقدم الأعلى من المصالح». وهذه القاعدة التي يعبر عنها أهل العلم بقولهم: «إذا تعارضت مصلحتان خُدِّم أعلاهما». وقلنا: هذا يستفاد من قول المؤلف «فإن تزاحم»، فهذه المسألة متصورة عند التزاحم. أما إن لم يكن هناك تزاحم في باب العبادة والطاعة في اجتماع المصالح والحسنات، فأمكن أن تعمل بهذا وبذاك، فهذا الأجدر، وهذا الأولى. أو إذا أمكن الجمع، فكذلك لا إشكال، إذا أمكن أن تجمع بين المصلحتين وبين الحسنتين. لكن المسألة مذكورة ومطروحة فيما لو لم يمكن الجمع، بل التعارض حاصل، المفضي إما أن تفعل هذا أو تفعل ذاك. فحينها، إذا أنت يا عبد الله بلغت إلى هذا الحد أن المصالح قد تزاحمت لديك، فحينها تبدأ وتعمل بما عبر عنه العلماء بالأعظم، بالأعظم، وكذلك بالأكبر مصلحة. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: «يقدم الأعلى من المصالح». والقرآن والعلماء استدلوا بهذه القاعدة، علق أدل كثيرة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَى﴾، يهدي للتي هي أقوى، أقوى من صيغة تفضيل، والتي تدل على المشاركة وزيادة. فلربما تجد أن الأشياء قد تشاركت، فالقرآن يهدي إلى أقوامها، بمعنى إلى أحسنها، إلى أكملها. فعليك يا عبد الله أن تختار الأكمل. وهكذا بعض العلماء استدل بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، أحسن كذلك من صيغة تفضيل الذي فيها المشاركة. فعند التشارك ابحث يا عبد الله عن الأحسن. وهنا تأتي كذلك بعض القرآن الذي يدلك كيف تتعرف على الأحسن في باب الطاعات والعبادات، إما في النظر من حيث الرتبة، ومن حيث الحكم. فإذا وجدت مثلاً طاعة حكمها في الشرع الوجوب، وطاعة أخرى حكمها في الشرع الاستحباب، فحينها يقدم الواجب على المستحب. يقدم الواجب على المستحب، وكما قلنا، وهذا إنما يكون عند التزاحم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، تلغى النافلة للإبقاء على الفريضة لأنها أوجب. وهكذا تقاس على جميع العبادات، فالصلاة المفروضة مقدمة على الصلاة المستحبة، وهكذا الزكاة المفروضة مقدمة على الصدقة المستحبة، وهكذا قس على ذلك. الحج المفروض مقدم على الحج المستحب. ما لو أن مثلاً رجلاً أراد أن يحج عن نفسه، قال: لا، وإنما أريد أن أحج عن غيري. كيف هذا؟ كيف تحج عن غيرك وأنت لم تحج عن نفسك؟ أنا أحج عن نفسي أولاً، أسقط الواجب، ثم بعد ذلك تعبد الله بالمستحب، لأن الحج عن الغير مستحب، فتقديم ماذا؟ الواجب مقدم. وهكذا ما يتعلق بالفرض، ما يتعلق بالصيام، فالصوم الفرض مقدم على النفل. وهذه مسألة تحتاج إلى بسط، لكن هذا ليس مقامها. لكن متى يطبق موضوع الصيام؟ يطبق إذا ما لو أن رجلاً عليه أيام من رمضان وأوشك أن يدخل عليه رمضان الثاني، فضاق عليه المقام، فهل له أن يتنفل بين هذه الأيام الباقية ويؤخر الفرض الذي عليه؟ لا يقال هنا الفرض مقدم على النفل، وإلا الأصل أن قضاء رمضان مخير، ولو بعد حين، فعدة من أيام أخر، فلا بأس. لأن رجل صام النفل قبل أن يصوم الفرض، إن شاء الله لا يسأل فيه شيء، لأن هذه رخصة. لكن إذا ضاق المقام وضاق الوقت وضاق الزمان، فلم يبق إلا أيام معدودة من دخول رمضان الثاني، وعليك أيام رمضان الماضي، فهنا لا تقدم شيء من النفل. وكذلك يقاس على هذا في باب الطاعات، وكذلك في باب النفقة. النفقة من كان عنده نفقة أراد أن يخرجها وينفق على الناس، فيقال: يا عبد الله ابدأ بالأقرب. فلو عندك قرابة وعندك رحم وعندك مسكين، فأيهما أولى بالصدقة؟ لا شك أن الذي أنت ملزم بالنفقة عليهم هم أولى وأجدر بهذا الخير من غيرهم. ولهذا جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك وأدناك». فهنا بدأ نبينا في أن النفقة أول ما تخرج تخرج على ذوي القرابة، فهم أولى بكل خير. فلو تعطي المصالح، هذا يحتاج إلى نفقة، وذاك يحتاج إلى نفقة، وهي نفقة واحدة، إما لهذا وإما لهذا، فإنك تخرجها للأعظم مصلحة، وهم القرابة، وهم أولى بكل خير. وهكذا الطاعة، مسألة الطاعة إنما تعطى الطاعة لمن كان أولى، فطاعة الوالدين مقدمة على غيرهم. فإذا جاءت طاعة أمر من الوالدين وأمر من الزوجة، أيما يقدم؟ للأسف كثير من الناس لربما قدم طاعة الزوجة على طاعة الوالدين، وهذا خلل في الميزان. بل طاعة الوالدين مقدمة على طاعة كل أحد، إلا من طاعة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. فأما إذا كان من بني البشر، فطاعة الوالدين أولى. فلو جاءك طاعة أمر من هنا وأمر هنا، فأيما تقدم؟ تقدم طاعة الوالدين، وهذا بنص الكتاب والسنة. وهكذا قصة عبد الله بن الزبير، فهذه من القرائن أن تقدم المصالح باعتبار الرتبة وباعتبار الحكم. وأيضا كذلك عند التزاحم، من القرائن التي تستخدم لكي تعرف أن هذا أولى من هذا، ما يتعلق بالنفع المتعدي. فربما تجد هذا واجب، وهذا واجب، وتجد هذا مستحب، وهذا مستحب، فكيف تتخير بينهما؟ تنظر إلى المصلحة المتعدية. فالعبادة إذا كانت متعدية فهي أولى من العبادة القاصرة. إذا خيرت بين عبادتين، بين مصلحتين، بين حسنتين، أحدهما هي حسنة قاصرة، قاصرة بمعنى لازمة، أي تكون في نفسها لا تتعداك إلى غيرك، وهناك عبادة متعدية، نفعها يصل إلى الغير، فحينها إذا وقع هذا التزاحم، فلا شك أنك تقدم العبادة المتعدية على العبادة اللازمة. والأدلة كثيرة تدل على ذلك. وقد ذكر مضى ذلك معنا في درس أمس. ومن هنا قال علماء: نفل العلم أفضل من نفل الصيام والصلاة، نفل العلم أفضل من نفل الصيام والصلاة، لأن الصيام والصلاة يا عبد الله لنفسك، لكن العلم والاشتغال بالعلم هو نفع لك، وكذلك نفع لسائر الناس، فهم مقدم. وكذلك مما يذكر من القرائن في تقديم العبادات والمصالح، يقدم ما هو وقتها على ما ليس كذلك. أحيانا تأتي هنا مصلحة وهنا مصلحة، أو عبادة وعبادة تجتمع عندك، فحينها يقدم ما كان هذا وقتها، مقدم على الأخرى. مثاله: أنت في مسجد تقرأ القرآن، قراءة القرآن من العبادات الطيبة ومن القربات، لكن إذا أذن المؤذن هنا، عند قراءة قرآن مصرحة، وعندك الأذان، فأيهما يقدم؟ على قول من قال: وهذا مذهب جماهير العلماء على أن ترديد الأذان مستحب، فهذا عمل مستحب، ترديد المؤذن، وكونك تقبل على قراءة القرآن مستحب، فهل الأفضل أنك تستمر على قراءة القرآن لأنك في خير؟ أم أنك تصغي للأذان وتردد؟ يقال: لا، الترديد هنا أولى. لماذا؟ وإن كانت هذه مصلحة، وهذه مصلحة، وجاءت في وقت واحد، لكن هذه وقتها، هذا وقتها، وقت الأذان، فهذه مصلحة قرينتها أن وقتها الآن، ولا يتأخر، ولا يمكن أن يؤجل، بخلاف قراءة القرآن، يمكن أن تمسك، ثم تكمل بعد ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى: «وضده تزاحم المفاسد، يرتكب الأدنى من المفاسد». وهذه القاعدة بالضبط كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وضده تزاحم المفاسد». تزاحم كما قلنا بذاك الضابط، إذا جاءك مفسدة مع مفسدة وتزاحمت، تزاحمت لديك، معنى التزاحم أي تعارضت، أي أما أن تقع في هذا أو تقع في هذا، لابد أنك تقع في بعض المفاسد. وهذا طبعا في حق الذي يبتلى بهذا، ونسأل الله العافية. هذا بعض الناس يبتلى، لابد أن يقع في هذا أو يقع في هذا. فإذا تزاحمت عندك المفاسد، إلا أن تقع في مفسدة، قال رحمه الله: «يرتكب الأدنى من المفاسد». فحينها عليك أن تبحث عن الأدنى، أدنى هذه المفاسد، تقتحمها، فهذا هو أهون الشرين. ويعبر عن هذه القاعدة: «إذا تعارضت مفسدتان ارتكب أدناهما». هذه مفسدة وهذه مفسدة، كما قلنا، وهذا عند الصيرورة إليها، عند اللجوء إليها، ليس باختيارك، وليس أنك أن توقع نفسك في الحرج، لا، أنت واقع في الحرج، ابتليت بهذا الحرج. مفسدة مفسدة، فحينها عند تزاحم المفاسد، عليك أن تختار الأدنى، أدنى هذه المفسدة تلجأ إليها، لأن هذا من فعل أهون الشرين. وطبعا المفاسد تختلف، المفاسد تختلف في حكمها وفي رتبها. واستفاد العلماء من هذه القاعدة، أو هذه القاعدة استدل بها العلماء بأدلة كثيرة تدل على أن لها أصل في الشريعة، على أن لها أصل في الشريعة. ومن ذلكم قصة الأعرابي، قصة الأعرابي الذي جاء في الصحيحين من حديث أنس، ذاك الذي بال في ناحية المسجد. ماذا فعل؟ قام الصحابة، وهذا الأصل الذي هو متوقع، قاموا وأرادوا أن ينكروا عليه، لأن البول في المسجد تلويث ونجاسة، لا يقره مسلم ولا عاقل. فلما أراد الصحابة أن ينكروا عليه، إذ بنبينا يمنعهم من ذلك، يمنعهم من ذلك. يا سبحان الله، هل هذا من نبينا إقرار؟ إقرار على مشروعية أو على جواز البول في المساجد؟ ليس هذا إقرار، طب إذا على ما منع؟ لما منع نبينا الصحابة من إنكار هذه المفزدة الحاصلة من هذا الأعرابي؟ وقال علماء العلل في ذلك: أن نبي نظر إلى مفسدة عظمى ستكون واقع على هذا الأعرابي. نحن الآن في هذه الصورة بين أمرين، بين مفسدة وبين مفسدة ستقع، فنبي نظر بين المفسدات، فرأى أن المفسدة التي عليها الأعرابي أهون من المفسدة التي ستقع لو أننا أنكرنا عليه. وماذا يتوقع إذا أنكرنا عليه؟ مثلاً؟ قال علماء: إذا أنكرنا عليه، لو ربما بدل أن يكون هذا البول من الأعرابي محصور في مكان، لو ربما مع جريه أو مع خوفه أو مع زجره، لو ربما جرى، وهذا البول لو ربما سال على ثيابه، وسال على بدنه، وسال كذلك على أنحاء كثيرة من المسجد. لا، إبقاؤه في هذه الناحية أهون وأولى. كذلك لو ربما أنه زجر وازدجر وامتنع، فحبس البول في جسمه، لكان في ذلك آفة عظيمة على بدنه، آفة مرض سيعتريه. وأيهما أولى؟ أن نصبر على تلويث بقعة تطهر وتغسل بالإمكان، أو داء يحل في جسد بني آدم من المسلمين؟ لا شك أن هذا أشد، أو كذلك ما هو أعظم من ذلك؟ النفرة، أن هذا الأعرابي لربما نفر عن الدين، لو رأى هذا الهجوم عليه. لهذا جاء في الحديث: ماذا كان من الدعاء؟ الأعرابي: «اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا». ما منعنا الآن، دعا هذا الدعاء: «اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا». فقاله نبيا: «قد حجرت واسعًا». فكيف إذا أنكر عليه ربما خرج من الباب، وخرج من الدين والملة كذلك. ولهذا فكان وجود هذه المفاسد العظمى، أقر نبينا فعل هذا الأدنى، حتى يرتكب ذاك الأعلى. وهذا كذلك باستفاد علماء، ولهذا قال النووي، تعليقا على هذا الحديث، من فوائده، قال رحمه الله تعالى: «وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما». دفعوا أعظم الضررين باحتمال أخفهما. وكذلك استفاد العلماء هذه القاعدة من قصة الخضر عليه السلام، في قصة موسى في رحلته، وخاص ما كان من قتل الغلام، ومن تخريب خرق السفينة. فكان هذا من هذا الباب، فالخضر عليه السلام، بعلم علمه الله إياه، أن هذا الغلام إذا بقي على قيد الحياة، فإنه سيفسد، وأن إفساده يبلغ للوالدين، فيرهقهما في دينهما، لربما أفسد عليهم الدين. فعندي مفسد، إما أن أقتل هذا الغلام، وإما أن أبقيه، على حساب أنه سيرهق أهله خبثا، ويضرهم في دينهم، ولا شك ولا ريب أن مضرة الدين أعظم من زهاق النفس. وقد مر ذلك معنا في ضرورات الخمس، فهنا قتل النفس من أجل ماذا؟ دفعا لدفع ماذا؟ مفسدة عظمى، وهو ماذا؟ أن يضر بدين الوالدين، بدين أبيه وأمه. وكذلك ما يتعلق بخرق السفينة، السفينة بين أمرين، إما أن تخرق وتعطل في الشكل الخارجي حتى تسلم، وإما أنها تنتهب كاملة، تنتهب برمتها، أيهما أولى؟ أي الضررين أشد؟ وأيهما أخف؟ لا شك أن إبقاء السفينة مع وجود بعض العطل، أهون أن تذهب برمتها عن أهلها. ولهذا فعل الخضر عليه السلام بوحي من الله عز وجل، أن عطل السفينة، لأن في ذلك ارتكاب أخف الضررين، لدفع المفسدة الكبرى. وهكذا قس على ذلك، فوائد عظيمة. من ذلك ما ذكره العلماء رحمه الله تعالى فيما جاء في الصحيح، في قوله عليه الصلاة والسلام: «لولا أن قومك حديث عهد بكفر، لكسرت الكعبة وهدمت الكعبة». فكانت الكعبة كما يقول العلماء في تمثيلهم، هي في هذه الصورة على مفسدة، ما هي المفسدة؟ أن هذه ليست حقيقة الكعبة. الكعبة حدودها يصل لما يسمى الآن بحجر إسماعيل، الحجر هذا حجر إسماعيل، هذا من تمام الكعبة، من كمال التعمير، من تمامها، ولهذا لابد أن أطوف خلف الحجر مع الكعبة. طب لما ما كملت الكعبة؟ لأن العرب عندما بنوا الكعبة قصرت بهم النفقة، وكانوا اشترطوا في بنيان الكعبة أن تبنى من حلال أموالهم، ومن طيب أموالهم، فقصرت بهم النفقة إلى هذا الحد فقط، وما استطاعوا أن يكملوا. فأراد نبي أن هذا ليس بناء الكعبة الحقيقي، وهذه مفسدة، لا أريد أن يكمل، فهم نبينا على التكميل، لكن ما كمل، ماذا؟ وأبقى هذا الضرر الموجود، حتى يدفع ما هو ضرر أعظم من ذلك. لولا أن قومك حديث عهد، خشي نبينا أنه إذا غير هذا، أن يأتي منكر أعظم، وهو ماذا؟ أن قلوب العرب، وخاص أهل قريش، أنه يستعظم هذا الأمر من نبينا عليه الصلاة والسلام، فيصيب بعضهم ماذا؟ النفور عن الدين، والنفور عن نبينا، ومن صنيعه عليه الصلاة والسلام. فكان من فعله عليه الصلاة والسلام أن يدفع ماذا؟ هذه المفسدة بمفسدة صغرى، بمفسدة صغرى. وهذا كما قلنا، إخواني في الله، عند التزاحم، ولهذا قس على هذه القاعدة، قواعد كثيرة، أو كذلك أحكام كثيرة. فأنت يا عبد الله إذا خيرت بين أمرين، أحدهما مكروه، والآخر محرم، حينها تأتي إلى هذه القاعدة، تنظر إلى أيهما أخف، فما هو الأخف في الشريعة؟ المكروه أم المحرم؟ لا شك المكروه أخف. فتأتي بالمكروه حتى تدفع المحرم، ولا تبتلى به. وهكذا يا عبد الله، ما لو وقعت بين أكل مثلا، في باب المطعومات، شيء من المطعومات شبه فيه، وشيء من المطعومات محرم، لا شك في تحريمه، فهذا مشبوه، وهذا محرم خالص، وأنت ستبتلى بأحدهما، فيقال: خذ يا عبد الله ما كان من حد المشبوه، لأنه أهون مما هو قد حرم كاملا. وهذه قاعدة، إخواني في الله، من القواعد العظيمة، كما عبر العلماء، قال ابن دقيق العيد، رحمه الله تعالى، مؤيدا وذاكيا لهذه القاعدة: «قال: ومن القواعد الكلية: أن تدرأ أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما». إذا تعين وقوع أحدهما، كما قلنا، أي عند التزاحم، عند التزاحم، لا تقع لا في هذا ولا في ذاك، هذا الأصل، لكن إذا ابتليت عند التعارض، فحينها تدفع. وقال كذلك العز بن عبد السلام، رحمه الله تعالى: «أجمعوا على دفع العظمى في ارتكاب الدنيا». أجمعوا على دفع العظمى في ارتكاب الدنيا، وهذا إجماع، وهذا إجماع. فنصوص الشريعة، وإجماع الأمة، دل على صحة هذه القاعدة: أن الشخص إذا ابتلي بشيء من المفاسد، فيرتكب بالأدنى، أو ماذا؟ حتى لا يقع في الأعلى. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.