الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 4، ألقاها
يبدأ الدرس بشرح حديث "إن من البيان لسحرا وإن من العلم جهلا" حيث يوضح أن البيان قد يكون محمودًا أو مذمومًا حسب طريقة استخدامه. يشير إلى أن بعض العلوم قد تكون ضارة أو غير نافعة.
يتناول الدرس موضوع تعلم الأنساب، حيث يميز بين تعلمها للتفاخر وتعلمها لصلة الرحم. يشير إلى أن تعلم الأنساب لصلة الرحم هو المستحب والمشروع.
يُبين أهمية علم النسب في تنفيذ أوامر الشريعة مثل صلة الرحم والإرث، ويرد على من زعم أنه علم لا ينفع. يشير إلى اهتمام السلف بعلم الأنساب واستخدامهم له في الأمور المهمة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام رجب رحمه الله في رسالته "فضل علم السلف على علم الخلف": قال أخرج أبو داود من حديث بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من البيان سحرا، وإن من العلم جهلا". هذا الحديث بهذا السند فيه ضعف، لكن أصل الحديث هو قول النبي صلى الله عليه وسلم "إن من البيان لسحرا" ثابت في الصحيحين. قال: وإن صعصعة بن صوحان فسر قوله "إن من العلم جهلا" أن يتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم، فيجهله ذلك. وفسر أيضا بأن العلم الذي لا يضر ولا ينفع جهل؛ لأن الجهل به خير من العلم به، فإذا كان الجهل به خير منه فهو شر من الجهل. وهذا كالسحر وغيره من العلوم المضرة في الدين أو في الدنيا. قول النبي عليه الصلاة والسلام "إن من البيان لسحرا" كما قال إمام ابن بطال رحمه الله، ومثل أيضا ابن العربي وابن حجر: أن هذا يحتمل الذم ويحتمل المدح. فإن كان البيان لإحقاق حق وإظهار الحق فهذا ممدوح، والله عز وجل أخبر بأنه من على الإنسان بحسن البيان، ﴿خلق الإنسان علمه البيان﴾. ويكون مذموما إذا كان فيه نصرة الباطل ورد الحق. كان يكون مثلاً بين شخص وآخر خصومة، فيأتي الذي عليه الحق بلسانه وحسن بيانه فيغلب ذلك المظلوم ويظهر نفسه أنه صاحب الحق، فهذا مذموم. أو إظهار الباطل بصورة الحق، وتزين الباطل للناس بما أوتي من حسن بيان وحسن عبارة وألفاظ، فهذا يكون من المذموم. وقوله "إن من البيان سحرا" سمي سحرا لأنه يسحر الآذان، يسحر السامعين فيستجلبهم ويستهويهم كما يفعل السحر بالمسحور. لكن ليس المراد به السحر الذي هو المحرم الباطل. وهو على هذا التفصيل كما سمعنا منه ما هو ممدوح ومنه ما هو مذموم. وقوله "من العلم جهلا" يعني أن من العلم ما تركه وعدم تعلمه أفضل من تعلمه؛ العلم الذي لا ينتفع به صاحبه ولا يضره الجهل به، فهذا تركه خير له. كعلم المنطق والفلسفة ونحوها من هذه العلوم التي لا فائدة فيها ولا يحتاج إليها، فالجهل بها خير من العلم بها. أو قد يكون من العلوم الضارة كعلم السحر وغيره من العلوم المضرة، فهذه الجهل بها خير من العلم بها، بل لا يجوز تعلمها. قال: علم الأنساب. قال: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير بعض العلوم التي لا تنفع. تفسير بعض العلوم التي لا تنفع، ففي مراسيل أبي داود عن زيد بن أسلم قال: قيل يا رسول الله، ما أعلم فلانا -يعني تعجب من علمه- قال: "بما؟" قال: "بأنساب الناس". قال: "علم لا ينفع وجهالة لا تضر". وهذا مرسل، والمرسل من قسم الضعيف. قال: وخرجه أبو نعيم في كتاب "رياضة المتعلمين" من حديث بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعا. وبقية -وهو بقية بن الوليد- مدلس، وابن جريج -هو عبد الملك- كذلك مدلس، وقد عنعن، فلا يصح هذا الحديث. قالوا: فيه أيضا أنهم قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب، وأعلم الناس بالشعر، وبما اختلفت فيه العرب -يعني على جهة المدح- كان يمدح من كان عنده علم بالأنساب. قال: وزاد في آخره: "العلم ثلاثة، وما سواهن فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة". وهذا الإسناد لا يصح، وبقية دلسه عن غير ثقة. قال: وآخر الحديث خرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر بن العاص مرفوعا "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة". قال: وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، وفيه ضعف مشهور. فلم يصح هذا الحديث بهذا اللفظ، وصح عن ابن عمر موقوفا من قوله. صح عن ابن عمر موقوفا من قوله قال: "العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية...". ولا أدري. أخرجه الديلمي عن أبي نعيم وغيره، وصحح الشيخ الألباني رحمه الله في مجموع طرقه في كتابه "الضعيفة" برقم 3942. قال: وقد ورد الأمر بتعلم بأن يتعلم من الأنساب ما توصل به الأرحام. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم". خرجه الإمام أحمد والترمذي، وهذا الحديث صحيح. وقد صرح الشيخ الألباني رحمه الله في "الصحيحة" وفي "صحيح الأدب المفرد": وفي بعض روايات هذا الحديث قال: "فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد بها إذا وصلت وإن كانت بعيدة". فهذا الحديث في حث النبي عليه الصلاة والسلام على تعلم الأنساب؛ أن الإنسان يتعلم من نسبه ما يصل به رحمه، يعرف من الذي يقرب له ومن يتصل معه بالنسب، فيكون بينه وبينه رحم. فكذلك يكون بينه وبينه حقوق من زيارة أو نفقة أو غير ذلك مما يكون بين الأرحام. ولذلك كان تعلم علم الأنساب الحق فيه أنه -يعني- يجوز تعلمه من غير ماذا إفراط. فالأمر فيه وسط لا إفراط ولا تفريط. وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" نقل كلاما عن إمام حزم رحمه الله أنه ذكر في كتابه "النسب" ورد على من زعم أن علم الأنساب من العلوم التي لا ينتفع بها، ولا كذلك أيضا يضر جهلها. فرد ابن حزم رحمه الله على من قال بذلك. ثم ذكر أن تعلم علم النسب منه ما هو فرض على كل أحد، ومنه ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو مستحب. فمن الفرض على كل أحد معرفة أن النبي عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله الهاشمي. هذا من نسب النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ومن أنكر أنه هاشمي فهو كافر. كذلك أيضا معرفة أن الأئمة من قريش كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وكيف يعرف أن هذا الرجل قرشي إلا بالنسب؟ كذلك أيضا معرفة من الأنساب ما يكون بين الرجل وبين من يصل إليه بنسب من قرابة وصلة رحم وإرث ونفقة وغير ذلك من الحقوق. وهكذا أيضا نقل عن إمام عبد البر رحمه الله أنه ذكر في كتابه "النسب" أنه قال: "ولا عمري لم ينصف من زعم أن علم النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر". هذا الإنكار منهم لأن الحديث الوارد ضعيف لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا أشار الحافظ رحمه الله إلى أن الحديث ضعيف لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وروي كذلك عن عمر ولم يصح عنه. ثم قال في خلاصة كلامه: قال: والذي يظهر حمل ما ورد في ذمه على التعمق فيه حتى يشتغل عما هو أهم منه -يعني يحمل ما ورد من ذم تعلم علم النسب هو التوسع والتعمق في تعلمه حتى يشغل عما هو أهم من معرفة أحكام الشريعة- قال: وحمل ما ورد في استحسانه على ما تقدم من الوجوه التي أوردها ابن حزم. قال: ولا يخفى أن بعضها أو بعض ذلك لا يختص بعلم النسب، والله المستعان. يعني أنه يشير إلى أن تعلم علم النسب إذا كان المقصود منه هو معرفة ما يجب على الإنسان من معرفة نسب النبي عليه الصلاة والسلام، أو كذلك أيضا معرفة من ينتسب إليه من أقاربه وعشيرته حتى يعرف أرحامه ويصلهم ويحسن إليهم إلى آخر ذلك من هذه المعاني، فهذا ممدوح وهو أمر ربما كان واجبا أو مستحبا. وأما التعمق والتكلف وتضيع الأعمار فيه والاشتغال به عما هو أهم، فهذا من المذموم. ولذلك فكان من السلف من اهتم بهذا العلم. ذكر عن عائشة رضي الله عنها أن كان عندها علم بالأنساب، كذلك أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وأيضا غيرهم ممن جاء بعدهم من السلف اهتموا بعلم الأنساب، وأولفت فيه المؤلفات. فخلاصة هذا العلم كما سمعنا أنه إن لم يشغل صاحبه وعمه وأهم، فهو علم ينتفع به. وأما التعمق والتوسع والاشتغال به عما هو أهم، فهذا الذي يتوجه فيه من ذمه من أهل العلم. اللهم صلي وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.